وأنشدنى أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، لمحمود الوراق:
فاجاك من وفد المشيب نذير والدهر من أخلاقه التغيير
فسواد رأسك والبياض كأنه ليل تدب نجومه وتسير
وأنشدنى بعض أصحابنا قَالَ: أنشدنى أَبُو يعقوب بن الصفار لداود بن جهوة:
أقاسى البلا لا أستريح إِلَى غدٍ فيأتى غد إلا بكيت عَلَى أمس
سأبكى بدمع أو دمٍ أشتفى به فهل لى عذر إن بكيت عَلَى نفسي
[ ١ / ١٠٨ ]
سلام عَلَى الدنيا ولذة عيشها سلام غدو أو رواح إِلَى رمسى
وأنكرت شمس الشيب فِي ليل لمتى لعمرى لليلى كان أحسن من شمسى
كأن الصبا والشيب يطمس نوره عروس أناسٍ مات فِي ليلة العرس
وأنشدنا أَبُو محمد عبد الله بن جعفر النحوى، قَالَ: أنشدنا المبرد لمحمود الوراق:
أليس عجيبًا بأن الفتى يصاب ببعض الذى فِي يديه
فمن بين باكٍ له موجعٍ وبين معز مغذ إليه
ويسلبه الشيب شرخ الشباب فليس يعزيه خلق عليه
وأنشدنا الأخفش للعكوك عَلَى بن جبلة:
جلال مشيبٍ نزل وأنس شبابٍ رحل
طوى صاحب صاحبا كذاك اختلاف الدول
أعاذلتى أقصرى كفاك المشيب العذل
بدا بدلا بالشباب ليت الشباب البدل
جلال ولكنه تحاماه حور المقل
وأنشدنا أَبُو عبد الله نفطويه لأبى دلف العجلى:
نظرت إِلَى بعين من لم يعدل لما تمكن طرفها من مقتلى
لما تبسم بالمشيب مفارقى صدت صدود مفارقٍ متحمل
فجعلت أطلب وصلها بتعطفٍ والشيب يغمزها بأن لا تفعلى
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، رحمه الله تعالى، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس أحمد بن يحيى النحوى:
أرى بصرى عَنْ كل يوم وليلة يكل وخطوى عَنْ مدى الخطو يقصر
ومن يصحب الأيام تسعين حجةً يغيرنه والدهر لا يتغير
لعمرى لئن أمسيت أمشى مقيدا لما كنت أمشي مطلق القيد أكثر
[ ١ / ١٠٩ ]
وأنشدني بعض أصحابنا:
حنتنى حانيات الدهر حتى كأنى خاتل يدنو لصيد
قريب الخطو يحسب من رآنى ولست مقيدا أنى بقيد
وقَالَ رجل لشيخ رآه يمشى: من قيدك يا شيخ؟ قَالَ: الذى خلفته يفتل فِي قيدك، يعنى الدهر
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍ محمد بن السري السراج النحوي:
وعائب عابنى بشيبٍ لم يعد لما ألم وقته
فقلت إذ عابنى بشيبى يا عائب الشيب لا بلغته
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: أنشدنا عبد الله بن خلف:
نصول الشيب طوقنى بطوق يلوح عَلَى من تحت السواد
إذا أبصرته فكأن وخزا بأطراف الأسنة فِي فؤادى
قَالَ: وأنشدنا أبى قَالَ: أنشدنى أَبُو عبد الله بن المطيخى:
إن الكبير إذا تناهت سنه أعيت رياضته عَلَى الرواض
وإذا دفعت إِلَى الصغير فإنما تكفيه منك إشارة الإيماض
وعليك من نسج الزمان عمامة خضب المشيب سوادها بياض
فالوعظ ينبو عَنْ صفاتك راجعا مثل السهام نبت عَنِ الأغراض
وممن مدح الشيب من الشعراء فأحسن دعبل حيث يقول:
أهلا وسهلا بالمشيب فإنه سمة العفيف وحلية المتحرج
وكأن شيبى نظم در زاهر فِي تاج ذى ملكٍ أغر متوج
وممن مدح الخضاب عبد الله بن المعتز حيث يقول:
وقالوا النصول مشيب جديد فقلت الخضاب شباب جديد
إساءة هذا بإحسان ذا فإن عاد هذا فهذا يعود
[ ١ / ١١٠ ]
وأنشدني أَبُو معاذ عبدان المتطبب، قَالَ: أنشدنى أَبُو هفان لنفسه:
تعجبت در من شيبى فقلت لها لا تعجبى فبياض الصبح فِي السدف
وزادها عجبًا أن رحت فِي سملٍ وما درت در أن الدر فِي الصدف
قَالَ أَبُو زيد: يُقَال: عام أوطف وأغلف وأقلف إذا كان خصيبا، وقَالَ العقيليون: عام مجاعةٍ ومجوعة ومجوعة، وقَالَ أَبُو زيد: الأطرة: ما حول الأظفار من اللحم.
وقَالَ ابن الأعرابى: عيش أغرل وأرغل وأغضف وأغطف وأوطف وأغلف إذا كان مخصبًا، وهذه كلها تُقَال فِي العام.
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، ﵀، قَالَ: أنشدنى أبى، لرجل من خزاعة:
قد كنت أفزع للبيضاء أبصرها من شعر رأسى وقد أيقنت بالبلق
ألآن حين خضبت الرأس زايلنى ما كنت التذ من عيشي ومن خافي
إن الشباب إذا ما الشيب حل به كالغصن يصفر فيه ناعم الورق
شيب تغيبه عمن تغر به كبيعك الثوب مطويا عَلَى حرق
فإن سترت مشيبا أو غررت به فليس دهر أكلناه بمسترق
أفنى الشباب الذى أفنيت ميعته مر الجديدين من آتٍ ومنطلق
لم يتركا منك فِي الطول اختلافهما شيئًا يخاف عليه لذعة الحرق