وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا السكن بن سعيد، عَنِ العباس بن الهاشم الكلبى، قَالَ: صعد خالد بن عبد الله القسرى، يوما المنبر بالبصرة ليخطب فارتج عليه، فقَالَ: أيها الناس، إن الكلام ليجىء أحيانا فيتسبب سببه، ويعزب أحيانا فيعز مطلبه، فربما طولب فأبى، وكوبر فعصى، فَالتَّأَنِّي لِمَجِيِّهِ، أصوب من التعاطى لأَبِيِّهِ، ثم نزل.
فما رئي حصر أبلغ منه
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، لنفسه:
أرى الشيب مذ جاوزت خمسين دائبا يدب دبيب الصبح فِي غسق الظلم
هو السقم إلا أنه غير مؤلم ولم أر مثل الشيب سقما بلا ألم
[ ١ / ١١١ ]
وأنشدني بعض أصحابنا لعلي بن العباس الرومى:
يا بياض المشيب سودت وجهى عند بيض الوجوه سود القرون
فلعمرى لأخفينك جهدى عَنْ عيانى وعن عيان العيون
ولعمري لأمنعك أن تظهر فِي رأس آسفٍ محزون
بسواد فيه ابيضاض لوجهى وسواد لوجهك الملعون
وأنشدنا الأخفش لمنصور النمرى:
ما واجه الشيب من عينٍ وإن وفقت إلا لها نبوة عنه ومرتدع
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى قَالَ: أنشدنا أبى:
رأيت الشيب تكرهه الغوانى ويحببن الشباب لما هوينا
فهذا الشيب نخضبه سوادًا فكيف لنا فنسترق السنينا
وفى الخضاب:
إن شيئًا صلاحه بالخضاب لعذاب موكل بعذاب
ولعمر الإله لولا هوى البيض وأن تشمئز نفس الكعاب
لأرحت الخدين من وضر الخطر وأذعنت لانقضاء الشباب
ومن أحسن ما قيل فِي مدح الشيب:
والشيب إن يحلل فإن وراءه عمرا يكون خلاله متنفس
لم ينتقص منى المشيب قلامةً ألآن حين بدا ألب وأكيس
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: أنشدنا أبى:
لا يرعك المشيب يابنة عبد الله فالشيب جلة ووقار
إنما تحسن الرياض إذا ما ضحكت فِي خلالها الأنوار
[ ١ / ١١٢ ]
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الحسن بن البراء، قَالَ: قَالَ أَبُو الحسن الأسدى: مات رجل كان يعول اثنى عشر ألف إنسان، فلما حمل عَلَى النعش صر عَلَى أعناق الرجال، فقَالَ رجل فِي الجنازة:
وليس صرير النعش ما تسمعونه ولكنه أعناق قوم تقصف
وليس فتيق المسك ما تجدونه ولكنه ذاك الثناء المخلف
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد لبعض العرب:
دببت للمجد والساعون قد بلغوا جهد النفوس وألقوا دونه الأزرا
وكابدوا المجد حتى مل أكثرهم وعانق المجد من أوفى ومن صبرا
لا تحسب المجد تمرا أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
وأنشدنا غير واحد من أصحاب أبى العباس منهم: ابن السري، والأخفش ابن درستويه، قالوا: أنشدنا أَبُو العباس المبرد، لعبد الصمد بن المعذل فيه:
سألنا عَنْ ثمالةً كل حى فقَالَ القائلون ومن ثماله
فقلت محمد بن يزيد منهم فقالوا زدتنا بهم جهاله
فقَالَ لى المبرد خل عنى فقومى معشر فيهم نذاله
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: أنشدنى سعيد بن هارون:
فلو أبصرت دارك فِي محل يحل الحزن فيه والسرور
رأيت منادحا لم يرع فيها ملال مذ نايت ولا فتور
قَالَ يخاطب امرأة يقول: لو رأيت محلك فِي قلبى، فلم يستقم له الشعر، فقَالَ: دارك وقوله: يحل الحزن فيه والسرور يعنى القلب، لأن الحزن والسرور فيه يكونان.
وقوله: منادحًا، يعنى متسعًا.
وقوله: لم يرع فيها ملال مذ نأيت ولا فتور، مثل.