وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، تعالى، قَالَ: أَخْبَرَنِي عمى، عَنْ أبيه، عَنِ ابن الكلبى، عَنْ أبيه، قَالَ: اجتمع طريف بن العاصى الدوسى، وهو جد طفيل ذى النورين بن عمرو بن طريف، والحارث ابن ذبيان بن لجا بن منهب، وهو أحد المعمرين، عند بعض مقاول حمير، فتفاخرا، فقَالَ الملك للحارث: يا حارث، ألا تخبرنى بالسبب الذى أخرجكم عَنْ قومكم حتى لحقتم بالنمر بن عثمان؟ فقَالَ:
[ ١ / ٧٢ ]
أخبرك أيها الملك هجينان منا يرعيان غنما لهما، فتشاولا بسيفهما فأصاب صاحبهم عقب صاحبنا، فعاث فيه السيف فنزف فمات، فسألونا أخذ دية صاحبنا دية الهجين، وهى نصف دية الصريح، فأبى قومى وكان لنا رباء عليهم، فأبينا إلا دية الصريح وأبوا إلا دية الهجين، فكان اسم هجيننا ذهين بن زبراء، واسم صاحبهم عنقش بن مهيرة وهى سوداء أيضًا، فتفاقم الأمر بين الحيين، فقَالَ رجل منا:
حلومكم يا قوم لا تعزبنها ولا تقطعوا أرحامكم بالتدابر
وأدوا إِلَى الأقوام عقل ابن عمهم ولا ترهقوهم سبةً فِي العشائر
فإن ابن زبراء الذى فاد لم يكن بدون خليف أو أسيد بن جابر
فإن لم تعاطوا الحق فالسيف بيننا وبينكم والسيف أجور جائر
فتظافروا علينا حسدا، فأجمع ذوو الحجا منا أن نلحق بأمنع بطن من الأزد، فلحقنا بالنمر بن عثمان، فوالله ما فت فِي أعضادنا، فأبنا عنهم ولقد أثأرنا صاحبنا وهم راغمون.
فوثب طريف بن العاصى من مجلسه بإزاء الحارث ثم قَالَ: تالله ما سمعت كاليوم قولا أبعد من صواب، ولا أقرب من خطل، ولا أجلب لقذع من قول هذا، والله أيها الملك! ما قتلوا بهجينهم بذجا، ولا رقوا به درجا، ولا أنطوا به عقلا، ولا اجتفئوا به خشلا، ولقد أخرجهم الخوف عَنْ أصلهم، وأجلاهم عَنْ محلهم، حتى استلانوا خشونة الإزعاج، ولجئوا إِلَى أضيق الولاج، قلا وذلًا.
فقَالَ الحارث: أتسمع يا طريف؟ إنى والله ما إخالك كافا غرب لسانك، ولا منهنها شرة نزوانك، حتى أسطو بك سطوةً تكف طماحك، وترد جماحك، وتكبت تترعك، وتقمع تسرعك، فقَالَ طريف: مهلًا يا حارث، لا تعرض لطحمة استنانى، وذرب سنانى، وغرب شبابى، وميسم سبابى، فتكون كالأظل الموطوء، والعجب الموجوء؛ فقَالَ الحارث: إياى تخاطب بمثل هذا القول! فوالله لو وطئتك لأسختك، ولو وهصتك لأوهطتك، ولو نفحتك لأفدتك، فقَالَ طريف متمثلا:
وإن كلام المرء فِي غير كنهه لكالنبل تهوى ليس فيها نصالها
أما والأصنام المحجوبة، والأنصاب المنصوبة، لئن لم تربع عَلَى ظلعك، وتقف عند قدرك، لأدعن حزنك سهلا، وغمرك ضحلا، وصفاك وحلا، فقَالَ الحارث: أما والله لو رمت ذلك لمرغت
[ ١ / ٧٣ ]
بالحضيض، وأغصصت بالجريض، وضاقت عليك الرحاب، وتقطعت بك الأسباب، ولألفيت لقى تهاداه الروامس، بالسهب الطامس، فقَالَ طريف: دون ما ناجتك به نفسك مقارعة أبطال، وحياض أهوال، وحفزة إعجال، يمنع معه تطامن الإمهال، فقَالَ الملك: إيها عنكما! فما رأيت كاليوم مقَالَ رجلين لم يقصبا، ولم يثلبا، ولم يصلوا، ولم يقفوا: المقاول والأقيال: هم الذين دون الملك الأعظم.
تشاولا: تضاربا.
وعاث: أفسد، والعيث: الفساد.
ونزف الرجل إذا سال حتى يضعف.
والهجين: الذي أبوه عربى وأمه ليست بعربية.
والمقرف: الذى أمه عربية وأبوه ليس بعربى.
والصريح: الخالص.
والرباء: الزيادة، يُقَال: أربى فلان عَلَى فلان فِي السباب يربى إرباء إذا زاد عليه، وأربي يربى من الربا وهو مقصور، والرباء ممدود: الربا أيضًا.
وتفاقم الأمر: اشتد.
والعقل: الدية، يُقَال: علقت فلانا إذا غرمت ديته، وعقلت عَنْ فلان إذا غرمت عنه دية جنايته، والمرأة تعاقل الرجل إِلَى ثلث ديتها، يريد أن موضحتها وموضحته سواء، فإذا بلغ العقل ثلث الدية صارت دية المرأة عَلَى النصف من دية الرجل.
وقَالَ الأصمعى: سألت أبا يوسف القاضى بحضرة الرشيد عَنِ الفرق بين عقلته وعقلت عنه فلم يفهم حتى فهمة.
ويقَالَ للقوم الذين يغرمون دية الرجل: العاقلة، ويقَالَ: بنو فلان عَلَى معاقلهم الأولى، يريد عَلَى حال الديات التى كانوا عليها فِي الجاهلية.
واحدها معقلة، ويقَالَ: صار دم فلان معقلة عَلَى قومه، أي غرمًا يؤدونه من أموالهم.
وعقل الظل إذا قام قائم الظهيرة.
وعقل الرجل يعقل عقلا، فِي العقل.
وعقل الظبى يعقل عقولا إذا صعد فِي الجبل فامتنع فيه، والمكان الممتنع فيه يسمى المعقل، وبه سمي الرجل معقلا، ويقَالَ: وعل عاقل إذا عقل فِي الجبل فامتنع فيه.
وعقل البعير يعقله عقلا إذا ثنى وظيفة مع ذراعه فشدهما جميعًا فى وسط الذراع ونحوه.
وعقل الطعام بطنه يعقله عقلا إذا شدة، ويقَالَ: أعطني عقولا أشربه فيعطيه دواء يمسك بطنه.
، وبالدهناء خبراء يُقَال لها: معقلة، سميت بذلك لأنها تمسك الماء كما يعقل الدواء البطن.
ويقَالَ: جاء فلان وقد اعتقل رمحه إذا وضعه بين ركابه وساقه، واعتقل شاته إذا وضع رجلها بين ساقه وفخذه إذا حلبها.
ويقَالَ: صارع فلان فلانا فاعتقله الشغزبية، وهو ضرب من الصراع، ولفلان عقلة يعقل بها الناس، وذلك إذا صارعهم عقل أرجلهم.
ويقَالَ: عَلَى بنى فلان عقالان، يريد بذلك صدقة عامين، ويقَالَ: جار عليهم العامل فأخذ
[ ١ / ٧٤ ]
منهم النقد ولم يأخذ العقَالَ، أى الفريضة بعينها، ويقَالَ: يكره أن تشترى الفريضة حتى يعقلها الساعى وهو المصدق.
والعقَال أيضًا: الحبل الذى يعقل به البعير.
والعقَال: هو أن بعض الخيل إذا مشى يظلع ساعةً ثم ينبسط.
والعقل: التواء فِي الرجل، يُقَال بعير اعقل وناقة عقلاء.
والعقيلة: كريمة الحى وكريمة الإبل.
والعقل: ضرب من الوشى، يُقَال: جللوا هوادجهم بالعقل والرقم.
ويقَالَ: ما له جول ولا معقول، أي عقل يمسكه.
وقَالَ الأصمعى: أرهقت الرجل: أدركته، وقَالَ أَبُو زيد: أرهقته عسرًا، أى كلفته ذلك، وأرهقته إثمًا حتى رهقه.
وقَالَ الأصمعى: رهقته، أى غشيته، وفى فلان رهق، أى غشيان للمحارم، والمرهق الذى يغشاه السؤال والأضياف.
ويقَالَ: فاد يفود إذا مات، قَالَ لبيد:
رعى خرزات الملك عشرين حجةً وعشرين حتى فاد والشيب شامل
وفاد يفيد إذا تبختر، وكذلك راس يريس وماس يميس وماح يميح.
وفت: أوهن وأضعف.
وأثارنا: افتعلنا من الثأر.
والخطل: الخطأ.
والقذع: الكلام القبيح، يُقَال: أقذع له إذا أسمعه كلاما قبيحًا.
والبذج: الخروف، وهو فارسى معرب، وكذلك البرق فارسى معرب، وهو الحمل.
وأنطوا لغة فِي أعطوا،
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد فِي شعر الأعشى:
جيادك فِي الصيف فِي نعمةٍ تصان الجلال وتنطي الشعيرا
واجتفئوا: صرعوا، قَالَ أَبُو زيد: جفأه: الصرعه وخفأه أيضا.
والخشل والخشل محرك ومسكن، واحدتها خشلة وخشلة: شجر المقل.
وهذه أمثال كلها، يريد أنهم لم ينالوا ثأره.
والقل: القلة.
والذل: الذلة.
والنزوان: الوثوب.
والتترع: التسرع إِلَى الشر، يُقَال: ترع ترعًا فهو ترع إذا كان سريعا إِلَى الشر، ويقَالَ: ترع ترعا إذا اقتحم الأمور مرحا ونشاطا، قَالَ الشاعر:
الباغِيَ الْحَرْب يَسْعى نَحْوَها تَرِعًا حَتَّى إِذَا ذاقَ منها جاحمًا بَرَدا
أي ثبت فلم يتقدم، كذا فسره بعضهم وهو صحيح، أي خمدت حدته فسكن، وهذا مثل.
وطحمة السيل وطحمته بالضم والفتح: دفعته.
والذرب: الحدة.
والأظل: أسفل خف البعير.
والعجب: أصل الذنب ووهصتك: كسرتك، يُقَال: وهصه ووطسه، ووقصه إذا كسره.
[ ١ / ٧٥ ]
وأوهطتك: صرعتك، قَالَ أَبُو زيد: يُقَال: ضربة، ففخرته وجحدله وأوهطه إذا صرعه، قَالَ الأموى: هو أن يصرعه صرعة لا يقوم منها، وقَالَ غيره: أوهطه: أهلكه، وأنشد:
أوهطته لما ملا إيهاطا بكل ماض يبتك النياطا
وتربع: تكف وترفق، يُقَال ربع يربع ربعا، إذا كف ورفق.
والظلع: الغمز.
والضحل: الماء القليل وكذلك الضحضاح، والفراش أقل منه.
والضهل: القليل من الماء، ومنه يُقَال: ما ضهل إليه منه شىء.
والشول: القليل من الماء يكون فِي أسفل القربة والسقاء، قَالَ الأعشى:
حتى إذا لمع الربىء بثوبه سقيت وصب سقاتها أشوالها
والنزفة: القليل من الماء والشراب أيضًا وجمعها نزف، قَالَ ذو الرّمة:
يقطع موضوع الحديث ابتسامها تقطع ماء المزن فِي نزف الخمر
والذفاف: البلل، قَالَ أَبُو ذؤيب:
يقولون لما جشت البئر أوردوا وليس بها أدنى ذفافٍ لوارد
والصفا جمع صفاة: الصخرة، وهى أيضًا الصفواء والصفوان.
والحضيض: القرار إذا اتصل بالجبل، وفى الحديث: إن العدو بعرعرة الجبل ونحن بحضيضه فالعرعرة: أعلاه، والحضيض: أسفله.
ولقى: ملقىً.
والروامس: الرياح التى ترمس، أى تدفن.
والسهب: المستوى من الأرض.
والطامس والطاسم جميعا: الدارس، يُقَال: طمس وطسم.
والحفز: الدفع، يُقَال: حفزة يحفزه حفزا، ومنه سمى الحارث بن شريك الحوفزان، وذلك أن قيس بن عاصم حفزه بالرمح حين خاف أن يفوته، وقد فخر بذلك سوار بن حيان المنقرى فقَالَ: ونحن حفزنا الحوفزان بطعنةٍ سقته نجيعًا من دم الجوف أشكلا وقَالَ أَبُو زيد: إيها: نهى، وإيه: أمر.
وقَالَ غيره: ويها: إغراء، وأنشد للكميت:
وجاءت حوادث فِي مثلها يُقَال لمثلى ويها فل
[ ١ / ٧٦ ]
وقَالَ أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى: واها: تعجب، قَالَ الراجز:
واهًا لريا ثم واهًا واها يا ليت عيناها لنا وفاها
بثمن نرضى به أباها
لم يقصبا: لم يشتما، يُقَال: قصبه يقصبه إذا وقع فيه، وأصل القصب القطع، ومنه قيل للجزار: قصاب.
ولم يلصوا، قَالَ أَبُو على: كذا رواه لم يلصوا، قَالَ الأصمعى: لصاه يلصيه لصيًا إذا قذفه، وأنشد الأصمعى للعجاج:
عف فلا لاصٍ ولا ملصى
ويقَالَ: قفاه يقفوه إذا قذفه بأمر عظيم، كذلك قَالَ يعقوب بن السكيت، ويمكن أن يكون يلصوا لغة
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: أنشدنا عبد الرحمن، عَنْ عمه، لرجل من بنى كلاب:
سقى الله دهرًا قد تولت غياطله وفارقنا إلا الحشاشة باطله
ليالي خذني كل أبيض ماجد يطيع هوى الصابى وتعصى عواذله
وفى دهرنا والعيش إذ ذاك غرة ألا ليت ذاك الدهر تثنى أوائله
بما قد غنينا والصبا جل همنا يمايلنا ريعانه ونمايله
وجر لنا أذياله الدهر حقبةً يطاولنا فِي غيه ونطاوله
فسقيا له من صاحب خذلت بنا مطيتنا عنه وولت رواحله
أصد عَنِ البيت الذى فيه قاتلى وأهجره حتى كأني قاتله
: الغياطل جمع غيطلة وهى الظلمة، والغيطلة: اختلاط الأصوات، والغيطلة: والشجر الملتف، والغيطلة: البقرة، قَالَ زهير:
كما استغاث بسيئ، فز غيطلةٍ خاف العيون فلم ينظر به الحشك
[ ١ / ٧٧ ]