وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ
، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: سئل أعرابى عَنْ مطر، فقَالَ: استقل سد مع انتشار الطفل، فشصا واحزال، ثم اكفهرت أرجاؤه، واحمومت أرحاؤها، وابذعرت فوارقه، وتضاحكت بوارقه، واستطار وادقه، وارتتقت جوبه، وارتعن هيدبه، وحشكت أخلافه، واستقلت أردافه، وانتشرت أكنافه، فالرعد مرتجس، والبرق مختلس، والماء منبجس، فأترع الغدر، وانتبث الوجر، وخلط الأوعال بالآجال، وقرن الصيران بالرئال، فللأودية هدير، وللشراج خرير، وللتلاع زفير، وحط النبع والعتم، من القلل الشم، إِلَى القيعان الصحم، فلم يبق فِي القلل إلا معصم مجرنثم، أو داحص مجرجم، وذلك من فضل رب العالمين، عَلَى عباده المذنبين
[ ١ / ١٧١ ]
السد: السحاب الذي يسد الأفق، وهذا قول أَبِي بَكْرٍ، وقَالَ أَبُو نصر، عَنِ الأصمعي: جاءنا جراد سد إذا سد الأفق.
والطفل: العشي إِلَى حد المغرب.
وشصا: ارتفع، ويقَالَ: شصا برجله إذا رفعها عند الموت، وشصا الزق إذا امتلأ وارتفعت قوائمه.
ويقَالَ: شصا بصره يشصو شصوًا إذا طمح، وطمح معناه ارتفع، ولهذا قيل للدابة: طموح إذا كان يرفع رأسه حتى يفرط.
واحزأل: ارتفع أيضًا.
واكفهر واكرهف: تراكم، والمكفهر والمكرهف من السحاب: الذي يركب بعضه بعضا.
وأرجاؤه: نواحيه، واحدها رجًا مقصور.
واحمومت: اسودت، والحمة: سواد تعلوه حمرة.
وأرحاؤه واحدها رحًا وهو أوساطه.
وابذعرت: تفرقت، والفوارق واحدها فارق، وهو السحاب الذي ينقطع من معظم السحاب، وهذا مثل وأصله فِي الإبل، يُقَال: ناقة فارق، وهي التي تندعَنِ الإبل عند نتاجها، قَالَ الكسائي: فرقت تفرق فروقا.
واستطار: انتشر.
والوادق: الذي يكون فيه الودق، وهو المطر العظيم القطر، ويكون الداني من الأرض، يُقَال: ودق يدق إذا دنا، والوديقة من هذا، وهى شدة الحر، لأن حرارة الشمس تدنو من الأرض.
وارتتقت: التأمت.
وجوبه: فرجه.
وارتعن: استرخى.
والهيدب: الذي يتدلى ويدنو من الأرض، مثل هدب القطيفة.
وحشكت: امتلأت، قَالَ زهير:
كما استغاث بسىٍ فز غيطلةٍ خاف العيون فلم ينظر به الحشك
قَالَ الأصمعي: إنما هو الحشك فحركه للضرورة، كما قَالَ رؤبة:
مشتبه الأعلام لماع الخفق
وإنما هو الخفق: والخلف: ما يقبض عليه الحالب من ضرع الشاة والبقرة والناقة.
واستقلت: ارتفعت.
وأردافه: مآخيره.
والأكناف: النواحي.
ومرتجس: مصوت، والرجس: الصوت.
ومختلس، كأنه يختلس البصر لشدة لمعانه.
ومنبجس: منفجر.
وأترع: ملأ.
والغدر: جمع غدير.
وانتبث: أخرج نبيثتها، وهو تراب البئر والقبر.
يريد أن هذا المطر لشدته هدم الوجر، وهي جمع وجار، وهو سرب الثعلب والضبع، حتى أخرج ما داخلها من التراب.
والأوعال: واحدها وعل، وهو التيس الجبلي.
والآجال: جمع واحدها إجل، وهو القطيع من البقر.
يريد أنه لشدته حمل الوعول وهي تسكن الجبال، والبقر وهي تسكن القيعان والرمال، فجمع بينهما.
وقوله: وقرن الصيران
[ ١ / ١٧٢ ]
بالرئال، فالصيران واحدها صوار وصيار أيضًا، وهو القطيع من البقر.
والرئال: فراخ النعام، واحدها رأل مهموز، فالرئال تسكن الجلد، والصيران تسكن الرمال والقيعان، فقرن بينهما.
وهدير: صوت كهدير الإبل.
والشراج: مجارى الماء من الحرار إِلَى السهولة.
والتلاع مجاري ما ارتفع من الأرض إِلَى بطن الوادي، فإذا اتسعت التلعة حتى تصير مثل نصف الوادي أو ثلثيه، فهي ميثاء، فإذا عظمت فوق ذلك، فهي ميثاء جلواخ.
والنبع: شجر يتخذ منه القسى ينبت فِي الجبال.
والعتم: الزيتون الجبلي، قَالَ الشاعر:
تستن بالضرو من براقش أو هيلان أو ناضرٍ من العتم
تستن: تستاك.
والضرو: البطم، وهو الحبة الخضراء.
والقلل: أعالي الجبال.
والشم: المرتفعة.
والقيعان: واحدها قاع، وهي الأرض طيبة الطين الحرة.
والصحم: التي تعلوها حمرة واحدها أصحم.
والمعصم: الذي قد تمسك بالجبال وامتنع فيها، ويقَالَ للرجل الذي يمسك بعرف فرسه خوف السقوط معصم، قَالَ طفيل:
إذا ما غد لم يسقط الروع رمحه ولم يشهد الهيجا بألوث معصم
وألوث: ضعيف.
والمجرنثم: المتقبض.
والداحص: الذي يفحص برجليه عند الموت، قَالَ علقمة بن عبدة:
رغا فوقهم سقب السماء فداحصٌ بشكّته لم يستلب وسليب
والمجرجم: المصروع.
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنِ الأصمعي، قَالَ: سمعت أعرابيًا من غني يذكر مطرا صاب فِي غب جدب فقَالَ: تدارك ربك خلقه وقد كلبت الأمحال، وتقاصرت الآمال، وعكف الياس، وكظمت الأنفاس، واصبح الماشي مصرما، والمترب معدما، وجفيت الحلائل، وامتهنت العقائل، فأنشأ سحابا ركاما، كنهور سجاما، بروقه متألقة، ورعوده متقعقعة، فسح ساجيا راكدا، ثلاثا غير ذى فواق، ثم أمر ربك الشمال فطحرت ركامه، وفرقت جهامه، فانقشع محمودا، وقد أحيا وأغنى، وجاد فأروى، والحمد لله الذي لا تكت نعمه، ولا تنفد قسمه، ولا يخيب سائله ولا ينزر نائله
[ ١ / ١٧٣ ]
قوله: صاب: جاد، والصوب: المطر الجود.
وكلبت: اشتدت.
وكذلك كلب الشتاء.
والأمحال جمع محل، وهو القحط.
وعكف: أقام، قَالَ الراجز:
محلها إن عكف الشفيف الزرب والعنة والكنيف
الشفيف: البرد.
والعنة: الحظيرة يحبس فيها الإبل.
ومنه قيل للبعير: معنى، وهو الذي قد هاج فحبس فِي العنة، ويكون معني من التعنية وهو الحبس، وهذا هو الوجه، لأنه إذا جعل معنى من العنة وجب أن يكون الأصل معننا، ثم أبدل من النون الأخيرة ياء، كما فعلت بتظنيت، واصله تظننت.
وكظمت: ردت إِلَى الأجواف، يُقَال: كظم غيظه إذا حبسه.
والماشي صاحب الماشية، يُقَال: مشى الرجل وأمشى إذا كثرت ماشيته، قَالَ الشاعر:
وكل فتي وإن مشي وأثري ستخلجه عَنِ الدنيا منون
والمصرم: المقارب المال المقل، كذا قَالَ أَبُو زيد والأصمعى
وأنشدنا الأصمعى للمعلوط
يصد الكرام المصرمون سواءها وذو الحق عَنْ أقرانها سيحيد
والمترب: الغني الذي له مال مثل التراب كثرة، يُقَال: أترب الرجل إذا استغنى، وترب إذا افتقر، كأنه لصق بالتراب.
وامتهنت: استخدمت واعتملت، يُقَال: مهنت القوم امهنهم مهنة ومهنة ومهنا، أتى بها اللحياني ثلاثتها.
والعقائل: الكرائم واحدتها عقيلة.
وأنشأ: أحدث.
والنشء: السحاب أول ما يخرج.
والكنهور: قطع كأنها الجبال، واحدتها كنهورة.
وسجام: صباب.
ومتألقة: لامعة.
ومتقعقعة: مصوتة، والقعقعة: صوت السلاح وما أشبهه، ويقَالَ: إن قعيقعان، وهو جبل بمكة، سمى بذلك لتقعقع السلاح لحرب كانت فيه.
وسح: صب، سححته أسحه سحًا،
أنشدنى أَبُو بَكْرِ بن دريد، قَالَ: أنشدنى عبد الرحمن، عَنْ عمه:
وربت غارةٍ أوضعت فيها كسح الهاجري جريم تمر
وساجٍ: ساكن، يُقَال: ليلة ساجية وساكرة وساكنة بمعنى واحد، قَالَ الحادي:
يا حبذا القمر والليل الساج وطرق مثل ملاء النساج
[ ١ / ١٧٤ ]
وراكد: ثابت.
والفواق أن يصب صبةً ثم يسكن ثم يصب أخرى ثم يسكن، مأخوذ من فواق الناقة، وهو ما بين الحلبتين، كأنه يحلب حلبة ثم يسكن ثم يحلب أخرى ثم يسكن.
وطحرت: أذهبت وأبعدت، ومنه قيل: سهم مطحر، إذا كان بعيد الذهاب، قَالَ أَبُو كبير الهذلي:
لما رأى أن ليس عنهم مقصر قصر الشمال بكل أبيض مطحر
وركامه: ما تركم منه.
والجهام: السحاب الذي قد هراق ماءه.
وتكت: تحصي،
أنشدني أَبُو بَكْرِ بن دريد:
إلا بجيشٍ لا يكت عديده سود الجلود من الحديد غضاب
وينزر: يقل، ومنه قيل: امرأة نزور إذا كانت قليلة الولد.
وحَدَّثَنِي غير واحد من أصحاب أبى العباس أحمد بن يحيى النحوى أنه قَالَ: كل شىء يعز حين ينزر إلا العلم، فإنه يعز حين يغزر.
وقَالَ الأصمعي: من أمثال العرب أسمع جعجعة ولا أرى طحنا، أي أسمع جلبةً ولا أرى عملًا ينفع.
: الجعجعة: صوت الرحا وما أشبه ذلك الصوت.
والطحن: الدقيق.
ويقَالَ: كلا جانبي هرشي لهن طريق، يضرب مثلا للأمرين يشتبهان ويستويان أي مأخذٍ أخذتها.
ويقَالَ: حرة تحت قرة يضرب مثلا للأمر يظهر وتحته خفي غيره.
: الحرة: حرارة العطش.
والقرة: البرد.
ويقَالَ: ضغث عَلَى إبالة يضرب مثلا للرجل تكلفه الثقل ثم تزيده عَلَى ذلك.
: الإبالة: الحزمة من الحطب.
والضغث: القبضة من الحشيش.