قال سيدنا الشريف الأجلّ المرتضى، أدام الله علوّه: وإنى لأستحسن قول الخنساء (٢)، وقد قيل لها: ما مدحت أخاك حتّى هجّنت (٣) أباك، فقالت:
جارى أباه فأقبلا وهما يتعاوران ملاءة الحضر (٤)
حتّى إذا نزت القلوب وقد لزّت هناك العذر بالعذر (٥)
وعلا هتاف الناس: أيّهما؟ قال المجيب هناك: لا أدرى
برزت صفيحة وجه والده ومضى على غلوائه يجرى
أولى فأولى أن يساويه لولا جلال السّنّ والكبر
وهما كأنّهما وقد برزا صقران قد حطّا إلى وكر
_________________
(١) الملحاء: وسط الظهر؛ ما بين الكاهل إلى العجز.
(٢) حواشى الأصل، ت، ف: «كانت الخنساء كثيرة المدح لأخيها، فقيل لها: قد فضلته على أبيك، فقالت هذه الأبيات». وهى فى (زهر الآداب، ٤: ٦٧ وحماسة ابن الشجرى ١٠٤، والبيت الأول فى خزانة الأدب ٣: ٢٧٧).
(٣) ف، ونسخة بحاشيتى ت، الأصل: «هجوت»، وفى حواشى الأصل، ت، ف: «وروى: ما أبنت أخاك حتى هجنت أباك».
(٤) فى حاشيتى الأصل، ف: «بارى أباه، تعنى أخاها، ويتعاوران: يتداولان، والحضر العدو».
(٥) فى حاشيتى الأصل، ف: «نزت: ارتفعت، ولزت: لصقت، يعنى؛ حتى تحرك قلوب النظارة، والعذر: جمع العذار؛ يعنى عذارى فرسيهما فى التسابق؛ وهو استعارة».
[ ٩٨ ]
ويقال: إنه قيل لأبى عبيدة: ليس هذه الأبيات فى مجموع شعر الخنساء، فقال أبو عبيدة: العامّة أسقط من أن يجاد عليها بمثل ذلك.
ولعمرى إنها قد بلغت فى مدح أخيها من غير إزراء على أبيها/ النهاية، لأنها جعلت تقدّم أبيه له عن قدرة منه على المساواة، وعن غير تقصير منه، وإنما (١) أفرج له عن السبق معرفة بحقه، وتسليما لكبره وسنه، وكأنّ الخنساء نظرت فى هذا المعنى إلى قول زهير يصف حمار وحش (٢):
فشجّ بها الأماعز فهى تهوى هوىّ (٣) الدّلو أسلمها الرّشاء (٤)
فليس لحاقه كلحاق إلف ولا كنجائها منه نجاء (٥)
يقدّمه إذا احتفلت عليها تمام السّنّ منه والذّكاء (٦)
ويشبه أن يكون الكميت أخذ من الخنساء قوله فى مخلد بن يزيد بن المهلّب:
ما إن أرى كأبيك أدرك شأوه أحد ومثلك طالبا لم يلحق
تتجاذبان؛ له فضيلة سنّه وتلوت بعد مصلّيا لم تسبق (٧)
_________________
(١) ت: «وإنه».
(٢) الأبيات فى ديوانه: ٦٧ - ٦٩.
(٣) ضبطت فى ت بضم الهاء وفتحها معا.
(٤) حواشى الأصل، ت، ف: «أى شج الحمار بالأتن الأماعز، أى علا الأماعز بهن، والأمعز: الأرض الصلبة، وكذلك المعزاء، والهوىّ: السقوط إلى أسفل، وكذلك الهوىّ فى السير. وبعد هوى من الليل؛ أى هزيع؛ وقيل: الهوى [بالضم] الارتفاع».
(٥) فى حاشيتى الأصل، ف: «يقول: ليس يلحق شيء فى السرعة كما يلحق الحمار فى سرعته، والمراد بالإلف صاحبه. ولا كنجائها؛ أى ليس شيء ينجو كنجائها، أى ليس شيء ينجو كنجاء الأتان؛ أى لا يهرب هارب كهربها، ولا يلحق لاحق كلحوقه».
(٦) احتفلت: اجتهدت وتأهبت؛ ورواية الديوان: يفضّله إذا اجتهدت عليه تمام السّنّ منه والذّكاء.
(٧) د، ش، ونسخة بحواشى الأصل، ت، ف: «تتجاريان»؛ وفى حاشيتى الأصل، ف: «قوله تتجاذبان، فى موضع الحال من قوله: «ما إن أرى كأبيك»، ومثلك، أى ما رأيت مثلك ومثل أبيك فى حال مجاذبتهما ومجاراتهما فى المجد والشرف. وقوله: «له فضيلة سنه» جملة مستأنفة من مبتدأ وخبر؛ المعنى يقول: إن سبقك أبوك فلا غرو، فإنه لم يسبق قط، وإن سبقته فأنت جدير بالسبق».
[ ٩٩ ]
إن تنزعا وله فضيلة سبقه فبمثل شأو أبيك لم يتعلّق
ولئن لحقت به على ما قد مضى من بعد غايته فأحج وأخلق
ويشبه هذا المعنى قول المؤمّل بن أميل الكوفىّ المحاربىّ يمدح المهدىّ فى حياة المنصور:
لئن فتّ الملوك وقد توافوا إليك من السّهولة والوعور (١)
لقد فات الملوك أبوك حتّى بقوا من بين كأب أو حسير (٢)
وجئت وراءه تجرى حثيثا وما بك حيث تجرى من فتور
_________________
(١) خبر هذه الأبيات فى أمالى الزجاجى: ٦٠ - ٦٢: «وفد المؤمل بن أميل على المهدى بالرى فامتدحه، فأمر له بعشرين ألف درهم؛ فاتصل الخبر بالمنصور؛ فكتب إليه يعذله ويقول: إنما كانت سبيلك أن تأمر للشاعر بعد أن يقوم ببابك سنة بأربعة آلاف درهم؛ وكتب إلى كاتبه بإنفاذ الشاعر إليه، فسأل عنه فقيل له: قد شخص إلى مدينة السلام، فكتب إلى المنصور بخبره، فأنفذ المنصور قائدا من قواده إلى النهروان يتصفح وجوه الناس؛ حتى وقع بيده المؤمل، فأتى به المنصور، فقال له: أتيت غلاما غرا فخدعته! قال: نعم يا أمير المؤمنين! أتيت غلاما غرا كريما فخدعته فانخدع لى؛ فكأن ذلك أعجبه، فقال له: أنشدنى ما قلت فيه؛ فأنشده: هو المهدىّ إلّا أنّ فيه مشابه صورة القمر المنير تشابه ذا وذا فهما إذا ما أنارا مشكلان على البصير فهذا فى الظّلام سراج نار وهذا فى النّهار سراج نور ولكن فضّل الرّحمن هذا على ذا بالمنابر والسّرير وبالملك العزيز فذا أمير وماذا بالأمير ولا الوزير ونقص الشّهر يخمد ذا وهذا منير عند نقصان الشّهور فيا ابن خليفة الله المصفّى به تعلى مفاخرة الفخور لئن فت الملوك فقال: أحسنت، ولكن لا يساوى عشرين ألف درهم، ثم قال: أين المال؟ فقال: ها هو ذا، قال يا ربيع: أعطه منه أربعة آلاف درهم، وخذ الباقى، ففعل؛ فلما صارت الخلافة إلى المهدى رفع المؤمل إليه يذكر قصته، فضحك، وأمر برد المال إليه، فرد».
(٢) الكابى: المتغير اللون، والحسير: المعيي.
[ ١٠٠ ]
فقال النّاس ما من ذين إلّا بمنزلة الخليق من الجدير (١)
فإن سبق الكبير فأهل سبق له فضل الكبير على الصّغير
وإن بلغ الصّغير مدى كبير فقد خلق الصّغير من الكبير
ومن هذا المعنى قول الشاعر:
جياد جرت فى حلبة فتفاضلت على قدر الأسنان والعرق واحد (٢)
وممّا له بهذا المعنى بعض الشّبه، وإن لم يذكر فيه السّن وتفضيل الكبر قول زهير:
/ هو الجواد فإن يلحق بشأوهما على تكاليفه فمثله لحقا (٣)
أو يسبقاه على ما كان من مهل فمثل ما قدّما من صالح سبقا
وروى أنه عرضت على جعفر (٤) بن يحيى بن خالد البرمكيّ جارية شاعرة، فأراد أن يبلوها فقال لها: قولى فى معنى بيتى زهير اللذين ذكرناهما، فقالت:
_________________
(١) فى حاشيتى الأصل، ف: «أى لم يكن بينك وبين أبيك من الفرق والتفاوت إلا مثل ما بين الخليق والجدير، ومعناهما واحد».
(٢) حاشية الأصل: «أى على الكبر والطعن فى السن. والعرق: الأصل».
(٣) البيتان فى ديوانه: ٥١ - ٥٢؛ وقبلهما: يطلب شأو امرأين قدّما حسنا نالا الملوك وبذّا هذه السّوقا والشأو: الغاية، وأراد بالمرأين أباه وجده.
(٤) حاشية ف «قيل: لما قتل جعفر بن يحيى وصلب بباب الجسر، رأسه فى ناحية، وجسده فى ناحية مرت به امرأة على حمار فاره، فوقفت عليه ثم نظرت إلى الناس فقالت بلسان فصيح: والله لئن صرت اليوم آية؛ لقد كنت فى المكارم غاية؛ ثم أنشأت تقول: ولما رأيت السّيف خالط جعفرا ونادى مناد للخليفة فى يحيى بكيت على يحيى وأيقنت أنّما قصارى الفتى يوما مفارقة الدّنيا وما هى إلّا دولة بعد دولة تخوّل ذا نعمى وتعقب ذا بلوى إذا أنزلت هذا منازل رفعة من الملك حطّت ذا إلى غاية سفلى ثم حركت الحمار؛ فكأنها كانت ريحا لم تعرف».
[ ١٠١ ]
بلغت- أو كدت- يحيى أو لحقت به فنلتما خالدا فى شأو مستبق
لكن مضى وتلا يحيى فأنت له تال تعلّلت دون الرّكض بالعنق (١)
ومن أحسن ما قيل فى المساواة والمقاربة- وهو داخل فى هذا المعنى، مناسب له- قول عبّاد ابن شبل:
إذا اخترت من قوم خيار خيارهم فكلّ بنى عبد المدان خيار
جروا بعنان واحد فضل بينهم بأن قيل قد فات العذار عذار (٢)
وقول الكميت بن زيد:
مصلّ أباه له سابق بأن قيل فات العذار العذارا (٣)
ومثله قول العتّابىّ- وهو مليح (٤) جدا:
كما تقاذف جرد فى أعنّتها سبقا بآذانها مرّا وبالعذر (٥)
وأول من سبق إلى هذا المعنى زهير فى قوله يصف مطايرة البازى القطاة (٦) ومقاربته لها:
دون السّماء وفوق الأرض قدرهما عند الذّنابى فلا فوت ولا درك (٧)
وقد لحظ أبو نواس هذا المعنى فى قوله يمدح الفضل بن الربيع، ويذكر مقاربته لأبيه فى الفضل (٨) والسؤدد:
_________________
(١) ش، وحاشية ت (من نسخة): «تعلل». وفى حاشيتى الأصل، ف: «العنق دون الركض، أى أنك تتعلل بالعنق إبقاء وحشمة لأبيك وجدك، ولو سرت ركضا لسبقتهما».
(٢) العذار من اللجام: ما سال على خد الفرس.
(٣) المصلى: الثانى من خيول السبق.
(٤) حاشية ت (من نسخة): «حسن».
(٥) ج، ونسخة بحاشيتى الأصل، ت: «تقاذف»، بفتح الفاء. وفى حاشيتى الأصل، ف: «تقاذف، أى تتسابق فى عنان واحد، على حد واحد؛ لا تسبق إحداها على الأخرى إلا بأذن أو بعنان». وفرس أجرد؛ قصير الشعر رقيقه.
(٦) د، حاشية ت (من نسخة): «للقطاة».
(٧) ديوانه: ١٧٤، الذنابى: الذنب، وفى حاشيتى ت، ف: «عند الذنابى مستأنف، أى الصقر عند ذنابى القطاة».
(٨) ف، ونسخة بحاشية ت: «المجد».
[ ١٠٢ ]
ثمّ جرى الفضل فانثنى قدما دون مداه من غير ترهيق (١)
فقيل رشا سهما يراد به ال غاية والنّصل سابق الفوق (٢)
ويشاكل ذلك قول البحترىّ فى ابن أبى سعيد الثّغريّ:
جدّ كجدّ أبى سعيد إنّه ترك السّماك كأنه لم يشرف (٣)
قاسمته أخلاقه وهى الرّدى للمعتدى، وهى النّدى للمعتفى
/ فإذا جرى من غاية وجريت من أخرى التقى شأوا كما فى المنصف
ويشبهه أيضا قوله:
وإذا رأيت شمائل ابنى صاعد أدّت إليك شمائل ابنى مخلد (٤)
كالفرقدين إذا تأمّل ناظر لم يعل موضع فرقد عن فرقد
فأما قول الخنساء: «يتعاوران ملاءة الحضر»، فهى تعنى بالملاءة الغبار، وإنّ عدىّ بن الرّقاع كأنه نظر إليها فى قوله يصف حمارا وأتانا:
يتعاوران من الغبار ملاءة بيضاء محدثة هما نسجاها (٥)
_________________
(١) ديوانه: ٩١، وفى حاشيتى الأصل، ت: «أى من غير مداناة أو لحوق».
(٢) راش السهم: وضع عليه الريش، والنصل: حديدة السهم، والفوق: موضع الوتر من السهم.
(٣) ديوانه ٢: ١٢٢، وفى حاشيتى الأصل، ف: «أى جد كجد أبى سعيد مذكور، أى جعل السماك غير عال؛ كأنه قد علاه وفاقه».
(٤) فى حاشيتى الأصل، ف: «يسوى بين ابنى صاعد وابنى مخلد»، والبيتان فى ديوانه ١: ١٧٣، وروايته: « شمائل ابن محمد».
(٥) البيتان من قصيدته التى مطلعها: ما هاج شوقك من مغانى دمنة ومنازل شغف الفؤاد بلاها وهى فى الطرائف الأدبية: ٩٢ - ٩٧، والبيتان فى (معانى العسكرى ٢: ٣١، وحماسة ابن الشجرى:
(٦) ٢٧٧، ومعجم المرزباني ٢٥٣، وشرح المختار من شعر بشار ٣١٧، وزهر الآداب ٤: ٦٨. ومجموعة المعانى: ٢٠٣). ويتعاوران؛ أى تصير الغبرة للعير مرة، وللأتان مرة.
[ ١٠٣ ]
تطوى إذا وطئا مكانا جاسيا وإذا السّنابك أسهلت نشراها (١)
وهذا المعنى، وإن كان هو معنى الخنساء بعينه فقد زاد فى استيفائه عليها زيادة ظاهرة، صار من أجلها بالمعنى أحقّ منها. وقد ابتدأ بهذا المعنى رجل من بنى عقيل فقال من قصيدة (٢):
يثيران من نسج التّراب عليهما قميصين أسمالا ويرتديان
_________________
(١) الجاسى: الغليظ من الأرض، وأسهلت: صارت إلى سهولة الأرض.
(٢) أبيات منها فى الخزانة ٣: ٢٧٦، منسوبة إلى ابن مقبل، وفى زهر الآداب ٤: ٦٨ منسوبة لأعرابى من بنى عقيل. وقبله: قفار مروراة يحار بها القطا ويضحى بها الجأبان يفترقان المروراة: المفازة التى لا شيء فيها، والجأبان: مثنى جأب؛ وهو الحمار الغليظ من حمر الوحش، وأراد بالجأبين الذكر والأنثى.
[ ١٠٤ ]