فأما أبو الهذيل العلّاف فهو محمد بن الهذيل بن عبيد (٣) الله بن مكحول العبدىّ وقال أبو القاسم البلخىّ: هو من موالى عبد القيس، وولد فى سنة أربع وثلاثين ومائة، وقال أبو الحسين الخياط: ولد سنة إحدى وثلاثين ومائة، وقيل: إنه توفى فى أول أيام المتوكل سنة خمس وثلاثين ومائتين وسنّه مائة سنة.
قال البرذعىّ: لحق أبا الهذيل فى آخر عمره خرف؛ إلّا أنه لم يكن يذهب عليه معرفة المذهب والقيام (٤) بحجته، وكفّ بصره قبل وفاته؛ وأخذ أبو الهذيل الكلام عن عثمان الطويل صاحب واصل بن عطاء.
وقيل إنّ أبا الهذيل فى حداثته بلغه أن/ رجلا يهوديا قدم البصرة، وقطع جماعة من متكلميها، فقال لعمه: يا عمّ، امض بى إلى هذا اليهودىّ حتى أكلّمه، فقال له عمه: يا بنيّ،
_________________
(١) توفى عمرو بن عبيد سنة ١٤٤، وانظر ترجمته أيضا فى (ابن خلكان ١: ٣٨٤ - ٣٨٥، والمعارف ٢١٢، وتاريخ بغداد ١٢: ١٦٦ - ١٨٨).
(٢) من نسخة بحاشيتى الأصل، ت: «بالقرآن».
(٣) ت: «ابن عبد الله».
(٤) حاشية ت (من نسخة): «ولا القيام».
[ ١٧٨ ]
كيف تكلمه وقد عرفت خبره، وأنه قطع مشايخ المتكلمين! فقال: لا بدّ من أن تمضى بى إليه، فمضى به قال:
فوجدته يقرّر الناس على نبوّة موسى ﵇، فإذا اعترفوا له بها قال: نحن على ما اتفقنا عليه إلى أن نجمع على ما تدّعونه؛ فتقدّمت إليه، فقلت: أسألك أم تسألنى؟ فقال: بل أسألك، فقلت: ذاك إليك، فقال لى: أتعترف بأنّ موسى نبىّ صادق، أم تنكر ذلك فتخالف صاحبك؟ فقلت له: إن كان موسى الّذي تسألنى عنه هو الّذي بشّر بنبيّ ﵇، وشهد بنبوّته، وصدّقه فهو نبىّ صادق، وإن كان غير من وصفت؛ فذلك شيطان لا أعترف بنبوّته؛ فورد عليه ما لم يكن فى حسابه. ثم قال لى: أنقول إن التوراة حق؟ فقلت:
هذه المسألة تجرى مجرى الأولى، إن كانت هذه التوراة التى تسألنى عنها هى التى تتضمن البشارة بنبيّ ﵇ فتلك حق، وإن لم تكن كذلك فليست بحقّ، ولا أقرّ بها.
فبهت وأفحم ولم يدر ما يقول، ثم قال لى: أحتاج أن أقول لك شيئا بينى وبينك، فظننت أنه يقول شيئا من الخير، فتقدمت إليه فسارّنى فقال لى: أمّك كذا وكذا، وأمّ من علّمك- لا يكنى، وقدّر أنى أثب به، فيقول: وثبوا بى، وشغّبوا عليّ، فأقبلت على من كان فى المجلس فقلت: أعزكم الله! ألستم قد وقفتم على سؤاله (١) إياى، وعلى جوابى إياه؟ قالوا: بلى! قلت: أفليس عليه أن يردّ جوابى أيضا؟ قالوا: بلى، قلت لهم: فإنه لما سارّنى شتمنى بالشتم الّذي يوجب الحدّ، وشتم من علّمنى، وإنما قدّر أننى أثب عليه، فيدّعى أننا وأثبناه، وشغّبنا عليه، وقد عرّفتكم شأنه بعد الانقطاع، فانصرونى، فأخذته الأيدى من كل جهة، فخرج هاربا من البصرة.
وعن أبى العيناء قال: قال لى أبو الهذيل: ما معنى الخسف؟ فقلت: أن تنقلب الأرض؛ أعلاها أسفلها، فقال: إلّا يكن هذا اليوم بالأرض فإنه لبالنّاس.
وقال أبو الهذيل: قال لى المعذّل بن غيلان العبدىّ، وكان من سادات عبد القيس، وكان يجتمع إليه أهل النظر: يا أبا الهذيل، إنّ فى نفسى شيئا من قول القوم فى الاستطاعة،
_________________
(١) ت، وحاشية الأصل (من نسخة): «مسألته».
[ ١٧٩ ]
فبيّن لى/ ما يذهب بالرّيب عنى، فقال: خبّرنى عن قول الله تعالى: وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ؛ [التوبة: ٤٢]، هل يخلو من أن يكون أكذبهم لأنّهم مستطيعون الخروج (١) [وهم تاركون له، فاستطاعة الخروج فيهم وليس يخرجون، فقال: إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أى هم يستطيعون الخروج] (٢) وهم يكذبون فيقولون: لسنا نستطيع، ولو استطعنا لخرجنا، فأكذبهم الله على هذا الوجه، أو يكون على وجه آخر: يقول: إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أى إن أعطيتهم الاستطاعة لم يخرجوا؛ فتكون معهم الاستطاعة على الخروج ولا يخرجون؛ وعلى
كلّ حال؛ قد كانت الاستطاعة على الخروج ولا يكون الخروج، ولا يعقل للآية معنى ثالث غير الوجهين اللذين وصفنا (٣).
وحكى سليمان الرّقى أنّ أبا الهذيل لمّا ورد سرّ من رأى نزل فى غرفة إلى أن يطلب له دار تصلح له، قال: فمررت به فقلت له: يا أبا الهذيل، أتنزل فى مثل هذا المنزل! فأنشدنى:
يقولون زين المرء يا مىّ رحله ألا إنّ زين الرّحل يا مىّ راكبه
وعن مجالد (٤) قال: رأيت رجلا، وقد سأل أبا الهذيل وهو فى الورّاقين بقصر وضّاح فقال له: من جمع بين الزانيين؟ فقال له: يا ابن أخى، أمّا بالبصرة فإنهم يقولون:
القوادون؛ ولا أحسب أهل بغداد يخالفونهم على هذا القول، فما تقول أنت! قال: فخجل الرجل وسكت.
وقال أبو الهذيل: قلت لرجل ممّن ينفى الحركة- ولم يسمّه، وزعم قوم أنه الأصمّ-:
خبّرني عن قول الله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ؛ [النور: ٢]، وذكر القاذف فقال: فاجلدوه ثمانين جلدة (٥)، فأيّهما أكثر؟ فقال: حدّ (٦)
_________________
(١) ت: «للخروج».
(٢) ساقط من م.
(٣) ت، ج، ش: «اللذين ذكرنا».
(٤) من نسخة بحاشيتى الأصل، ت: «عن أبى مجالد».
(٥) يشير إلى قوله تعالى: «" وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً؛ [النور: ٤]».
(٦) حاشية ت (من نسخة): «جلد الزانى».
[ ١٨٠ ]
الزّانى، قلت: بكم، قال: بعشرين، قلت: فحدّثنى (١) عن الجلد، أهو يد الجلّاد؟ قال:
لا، قلت: أفهو السّوط؟ قال: لا، قلت: فهو ظهر المجلود؟ قال: لا، قلت: أفهو الانفراج الّذي بين السّوط وظهر المجلود؟ قال: لا، قلت: أفثمّ شيء غير هذا هو الجلد؟ قال: لا، قلت: فإنما تقول أنّ لا شيء أكثر من لا شيء بعشرين! فانقطع.
وقال أبو الهذيل: قلت لمجوسىّ: ما تقول فى النار؟ قال: بنت الله، قلت: فالبقر؟ قال:
ملائكة الله؛ قصّ أجنحتها، وحطّها/ إلى الأرض يحرث عليها، فقلت: فالماء، قال: نور الله، قلت: فما الجوع والعطش؟ قال: فقر الشيطان وفاقته، قلت: فمن يحمل الأرض؟
قال: بهمن الملك، قلت: فما فى الدنيا شرّ من المجوس، أخذوا ملائكة الله فذبحوها، ثم غسلوها بنور الله، ثم شووها ببنت الله، ثم دفعوها إلى فقر الشيطان وفاقته، ثم سلحوها على رأس بهمن الملك أعزّ ملائكة الله! فانقطع المجوسى، وخجل مما لزمه.
ودخل أبو الهذيل يوما على الحسن بن سهل بفم الصّلح (٢)، وعنده فتى قد رفع مجلسه، فقال أبو الهذيل: من هذا الفتى الّذي قد رفعه الأمير، لنوفّيه بمعرفته حقّه؟ قال: رجل من أهل النجوم، قال: من أهل صناعة الحساب أم الأحكام؟ قال: الأحكام، قال: ذلك عمل يبطل، أفأسأله؟ قال: سل فأخذ أبو الهذيل تفاحة من بين يديه وقال: آكل هذه التفاحة أم لا؟ قال: تأكلها، فوضعها أبو الهذيل وقال: لست آكلها، قال: فتعيدها إلى يدك وأعيد النظر، فوضعها وأخذ غيرها، فقال له الحسن: لم أخذت غيرها؟ قال: لئلا يقول لى: لا تأكلها فآكلها خلافا عليه فيقول لى: قد أصبت فى المسألة الأولى.
وقال النعمان المناني يوما لأبى الهذيل: دلّ على حدوث العالم بغير الحركة والسكون، فقال له أبو الهذيل: مثلك مثل رجل قال لخصمه: احضر معى إلى القاضى ولا تحضر بيّنتك.
_________________
(١) حاشية ت (من نسخة): «فخبرنى».
(٢) فى حاشيتى الأصل، ت: «فم الصلح: موضع قريب من واسط».
[ ١٨١ ]
وذكر محمد بن الجهم (١) صاحب الفرّاء قال: رأيت أبا الهذيل وقد جاء إلى الديوان فى أيام المأمون فسأل سهل بن هارون بن راهبون أن يكتب له كتابا فى حاجة له إلى حفصويه صاحب الجيش، ونهض أبو الهذيل؛ فأملى عليّ سهل بن هارون:
إنّ الضّمير إذا سألتك حاجة لأبى الهذيل خلاف ما أبدى
فإذا أتاك لحاجة فامدد له حبل الرّجاء بمخلف الوعد
وألن له كنفا ليحسن ظنّه فى غير منفعة ولا رفد
حتى إذا طالت شقاوة جدّه ورجا الغنى فاجبهه بالرّدّ
وإن استطعت له المضرّة فاجتهد فيما يضرّ بأبلغ الجهد
/ وانظر كلامى فيه فارم به خلف الثّريّا منك فى البعد (٢)
وكذاك فافعل غير محتشم إن جئت أسأل فى أبى الهندى (٣)
قال سيدنا المرتضى أدام الله تأييده: ويشبه هذا المعنى ما أخبرنا به أبو عبيد الله المرزبانىّ قال: حدثنى محمد بن أبى الأزهر قال: حدثنا أبو العيناء قال: كان لى صديق فجاءنى يوما فقال لى: أريد الخروج إلى فلان العامل، وأحببت أن تكون معى إليه وسيلة، وقد سألت من صديقه، فقيل لى: أبو عثمان الجاحظ، وهو صديقك، فأحب أن تأخذ لى كتابه إليه بالعناية، قال: فصرت إلى الجاحظ، فقال لى: فى أىّ شيء جاء أبو عبد الله؟ فقلت: مسلّما وقاضيا الحقّ، وفى حاجة لبعض أصدقائى وهى كذا وكذا، فقال: لا تشغلنا الساعة عن المحادثة، فإنى فى غد أوجّه إليك بالكتاب، فلما كان من الغد وجّه إلى بالكتاب مختوما فقلت لابنى: وجّه هذا الكتاب إلى فلان، ففيه حاجته، فقال لى: إنّ أبا عثمان بعيد الغور فينبغى أن تفضّه وتنظر ما فيه، ففعل فإذا فى الكتاب: «كتابى إليك مع من لا أعرفه،
_________________
(١) حاشية الأصل: «محمد بن الجهم السمرى».
(٢) فى حاشيتى الأصل، ت: «أى أخف كلامى هذا».
(٣) حاشية ت: «أبو الهندى اسم رجل كان خاصا به وملازما له».
[ ١٨٢ ]
وقد كلمنى فيه من لا أوجب حقّه، فإن قضيت حاجته لم أحمدك، وإن رددته لم أذممك».
فلما قرأت الكتاب مضيت من فورى إلى الجاحظ، فقال: يا أبا عبد الله، قد علمت أنّك أنكرت ما فى الكتاب، فقلت: أوليس موضع نكرة! فقال: لا، هذه علامة بينى وبين الرجل فيمن اعتنى به، فقلت: لا والله، ما رأيت رجلا أعلم بطبعك وما جبلت عليه من هذا الرجل! - أعنى صاحب الحاجة- أعلمت أنّه لما قرأ الكتاب قال: أمّ الجاحظ عشرة آلاف، وأمّ من يسأله فقلت: يا هذا؟ أتشتم صديقنا؟ فقال: هذه علامتى فيمن أشكره!
وفى رواية أخرى أنّ أبا العيناء سلّم الكتاب إلى صاحب الحاجة وقال له: فضّ الكتاب، فقال: إنه مختوم فقال: طينة أهون من ظنّة.