فأما أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النظّام؛ فإنه كان مقدّما فى العلم بالكلام، حسن الخاطر، شديد التدقيق والغوص على المعانى؛ وإنما أدّاه إلى المذاهب الباطلة التى تفرّد بها واستشنعت منه تدقيقه وتغلغله. وقيل: إنه مولى
الزياديين من ولد العبيد، وإن الرّقّ جرى على أحد آبائه.
وقيل للنظّام (٤): ما الاختصار؟ فقال: الّذي اختصاره فساد. وقال لرجل: أتعرف فلانا المجوسىّ؟ فقال: نعم، ذاك الّذي حلق وسط رأسه، كما يفعل اليهودىّ، فقال النظّام:
لا مجوسىّ عرفت، ولا يهودىّ وصفت.
قال الجاحظ وذكر عبد الوهاب الثقفىّ فقال: هو أحلى من أمن بعد خوف، وبرء بعد سقم،
_________________
(١) حاشية الأصل: «من نسخة»: «قوى».
(٢) حاشية الأصل: «المخمس من الشعر: ما كان خمسة مصارع مقفاة، يخالفها الخامس أو يوافقها، والمزدوج: هو المثنوىّ».
(٣) هو أبان بن عبد الحميد بن لاحق؛ شاعر مكثر؛ وأكثر شعره مزدوج ومسمط؛ (وانظر الفهرست ١٦٣).
(٤) هو أبو إسحاق بن سيار النظام البصرى، شيخ الجاحظ، وأحد رءوس المعتزلة؛ وإليه تنسب الفرقة النظامية؛ (وانظر آراءه فى الفرق بين الفرق ١١٣).
[ ١٨٧ ]
وخصب بعد جدب، وغنى بعد فقر، وطاعة المحبوب، وفرج المكروب، ومن الوصل (١) الدائم، مع الشباب الناعم؛ وللنظّام شعر كثير صالح، فمنه:
يا تاركى جسدا بغير فؤاد أسرفت فى الهجران والإبعاد
إن كان يمنعك الزّيارة أعين فادخل عليّ بعلّة العوّاد
كيما أراك وتلك أعظم نعمة ملكت يداك بها منيع قيادى
إنّ العيون على القلوب إذا جنت كانت بليّتها على الأجساد
وله:
توهّمه (٢) طرفى فآلم خدّه فكان (٣) مكان الوهم من نظرى أثر
وصافحه قلبى فآلم كفّه فمن صفح قلبى فى أنامله عقر
ومرّ بقلبى خاطرا فجرحته ولم أر خلقا (٤) قطّ يجرحه الفكر
يمرّ فمن لين وحسن تعطّف يقال به سكر وليس به سكر
ويقال إن أبا العتاهية، قال: أنشدت النظام شعرا:
إذا همّ النّديم له بلحظ تمشّت فى محاسنه الكلوم
فقال: ينبغى أن ينادم هذا أعمى.
قال سيدنا المرتضى أدام الله علوّه: وأبيات النظام تتضمّن معنى بيت أبى العتاهية، ولسنا ندرى أيّهما أخذ من صاحبه، والنظّام يكرر هذا المعنى/ كثيرا فى شعره، فمن ذلك قوله:
رقّ فلو بزّت سرابيله علّقه الجوّ من اللّطف (٥)
يجرحه اللّحظ بتكراره ويشتكى الإيماء بالطّرف
_________________
(١) حاشية ت (من نسخة): «الوصال».
(٢) ف، ونسخة بحاشيتى الأصل، ت: «تأمله».
(٣) من نسخة بحاشية ت: «فصار».
(٤) من نسخة بحاشية الأصل: «جسما».
(٥) حاشية ت: «يعنى أن فى سرابيله ثفلا واعتمادا باقيا، فلو بزت لعلقه الجو».
[ ١٨٨ ]
وحكى أن أبا النظام (١) جاء به وهو حدث إلى الخليل بن أحمد، ليعلّمه، فقال له الخليل يوما يمتحنه، وفى يده قدح زجاج: يا بنيّ، صف لى هذه الزجاجة، فقال: أبمدح أم بذم؟
قال: بمدح، قال: نعم، تريك القذى، لا تقبل الأذى، ولا تستر ما وراء؛ قال: فذمّها، قال: سريع كسرها، بطيء (٢) جبرها، قال: فصف هذه النخلة، وأومأ إلى نخلة فى داره، فقال: أبمدح أم بذم؟ قال: بمدح، قال: هى حلو مجتناها، باسق منتهاها، ناضر أعلاها؛ قال: فذمّها قال: هى صعبة المرتقى، بعيدة المجتنى، محفوفة بالأذى؛ فقال الخليل:
يا بنيّ، نحن إلى التعلّم منك أحوج.
قال سيدنا المرتضى أدام الله علوّه: وهذه بلاغة من النظّام حسنة، لأن البلاغة هى وصف الشيء ذمّا أو مدحا بأقصى ما يقال فيه.