فأما ابن المقفع (٣) فإنّ جعفر بن سليمان روى عن المهدىّ أنه قال: ما وجدت كتاب
_________________
(١) ش: «لما أقول».
(٢) توفى حماد عجرد سنة ١٦١؛ (وانظر ترجمته فى ابن خلكان ١: ١٦٥ - ١٦٦).
(٣) حاشية ف: «هو الّذي يقول: قد سلم السّاكت الصّموت كلام راعى الكلام قوت لا تفش سرّا إلى جدار فربّما نمّت البيوت وا عجبا لامرئ ضحوك! مستيقن أنّه يموت.
[ ١٣٤ ]
زندقة قط إلّا وأصله ابن المقفع. روى ابن شبّة قال: حدّثني من سمع ابن المقفع وقد مر ببيت نار المجوس (١) بعد أن أسلم، فلمحه وتمثّل:
يا بيت عاتكة الّذي أتعزّل حذر العدا وبه الفؤاد موكّل (٢)
إنّى لأمنحك الصّدود وإننى قسما إليك مع الصّدود لأميل (٣)
وروى أحمد بن يحيى ثعلب قال: قال ابن المقفع يرثى يحيى بن زياد- وقال الأخفش:
والصحيح أنه يرثى بها ابن أبى العوجاء:
رزئنا أبا عمرو ولا حىّ مثله فلله ريب الحادثات بمن وقع!
فإن تك قد فارقتنا وتركتنا ذوى خلّة ما فى انسداد لها طمع
لقد جرّ نفعا فقدنا لك أنّنا أمنّا على كلّ الرّزايا من الجزع
قال ثعلب: البيت الأخير يدلّ على مذهبهم فى أن الخير ممزوج بالشر، والشرّ ممزوج بالخير.
وأخبرنى عليّ بن محمد الكاتب قال أخبرنى محمد بن يحيى الصولىّ قال حدّثني المغيرة بن محمد المهلّبىّ من حفظه قال حدثنا خالد بن خداش قال: كان الخليل بن أحمد يحب أن يرى
_________________
(١) ش: «نار» للمجوس.
(٢) حاشية الأصل: «هذان البيتان للأحوص بن محمد بن عاصم بن أبى الأفلح حمى الدبر، وكان حمى الدبر من أصحاب رسول الله ﷺ فأبلى ذات يوم بلاء حسنا فاضطغن المشركون عليه، ولما قتل أراد المشركون أن يمثلوا بجثته، وكان قبل المحاربة، قد رفع يديه وقال: اللهم احفظ جثتي من المشركين، فلما قتل ﵀ بعث الله جماعة من النحل، فلم تزل عنده تحميه حتى هجم عليه الليل، فجاء سيل فاحتمله، فلم ير المشركون جثته». والبيتان من قصيدة له يمدح فيهما عمر بن عبد العزيز؛ وهى فى (الأغاني ١٨: ١٩٦ - ١٩٧) وأبيات منها فى الخزانة (١: ٢٤٨)؛ وهى عاتكة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية. وأنعزل: أتجنب وأكون بمعزل، والعدا: جمع عدو؛ يقال بالضم والكسر.
(٣) أمنحك: أعطيك؛ والبيت من شواهد الكافية، على أن «قسما» تأكيد للقسم المفهوم من قوله: «إنى لأمنحك الصدود».
[ ١٣٥ ]
عبد الله بن المقفّع، وكان ابن المقفّع يحب ذلك، فجمعهما عبّاد بن عبّاد المهلبىّ فتحادثا ثلاثة أيام ولياليهنّ، فقيل للخليل: كيف رأيت عبد الله؟ قال: ما رأيت مثله، وعلمه أكبر من عقله، / وقيل لابن المقفّع: كيف رأيت الخليل؟ قال: ما رأيت مثله، وعقله أكبر من علمه. قال المغيرة: فصدقا، أدّى [عقل الخليل الخليل إلى أن مات أزهد الناس] (١)، وجهل ابن المقفّع أدّاه إلى أن كتب أمانا لعبد الله بن عليّ فقال فيه: ومتى غدر أمير المؤمنين بعمّه عبد الله فنساؤه طوالق؛ ودوابّه حبس (٢)، وعبيده أحرار، والمسلمون فى حلّ من بيعته. فاشتد ذلك على المنصور جدّا وخاصة أمر البيعة، وكتب إلى سفيان بن معاوية المهلّبىّ وهو أمير البصرة من قبله بقتله، فقتله.
وكان ابن المقفع مع قلّة دينه جيّد الكلام، فصيح العبارة، له حكم وأمثال مستفادة؛ من ذلك ما روى من أن يحيى
بن زياد الحارثىّ كتب إليه يلتمس معاقدة الإخاء والاجتماع على المودّة والصفاء، فأخّر جوابه، فكتب إليه كتابا آخر يسترثيه، فكتب إليه عبد الله:
إنّ الإخاء رقّ؛ فكرهت أن أملّكك رقّى قبل أن أعرف حسن ملكتك.
وكان يقول: «ذلّل نفسك بالصبر على الجار السوء، والعشير السوء، والجليس السوء، فإنّ ذلك لا يكاد يخطئك».
وكان يقول: «إذا نزل بك أمر مهمّ فانظر؛ فإن كان ممّا له حيلة فلا تعجز، وإن كان مما لا حيلة فيه فلا تجزع».
ودعاه عيسى بن عليّ إلى الغداء فقال: «أعزّ الله الأمير! لست يومى للكرام أكيلا»، قال: ولم؟ قال: «لأنّى مزكوم والزّكمة قبيحة الجوار، مانعة من عشرة الأحرار».
وكتب إلى بعض إخوانه: «أمّا بعد، فتعلّم العلم ممّن هو أعلم به منك، وعلّمه من
_________________
(١) حاشية الأصل (من نسخة): «فإن عقل الخليل أداه إلى أن مات أزهد الناس».
(٢) الحبس، بالضم: ما وقف؛ وهو جمع الحبيس؛ وفى الحديث: «ذلك حبيس فى سبيل الله»، أى موقوف على الغزاة، يركبونه فى الجهاد.
[ ١٣٦ ]
أنت أعلم به منه، فإنك إذا فعلت ذلك علمت ما جهلت، وحفظت ما علمت».
وقال لبعض الكتّاب: «إياك والتتبّع لوحشىّ الكلام طمعا فى نيل البلاغة، فإن ذلك هو العىّ الأكبر».
وقال لآخر: «عليك بما سهل من الألفاظ؛ مع التجنّب لألفاظ السّفلة».
وقيل له: ما البلاغة؟ فقال: «التى إذا سمعها الجاهل ظنّ أنه يحسن مثلها».
وقال: «لا تحدّث من تخاف تكذيبه، ولا تسأل من تخاف منعه، ولا تعد بما لا تقدر على (١) إنجازه، ولا تضمن ما لا تثق بالقدرة عليه، ولا ترج ما تعنّف برجائه، ولا تقدم (٢) على ما تخاف العجز عنه».
وقال لبعض إخوانه/: «إذا صاحبت ملكا فاعلم أنّهم قد ينسبون إلى قلة الوفاء، فلا تشعرنّ قلبك استبطاءه، فإنه لم يشعر أحد قلبه إلّا ظهر على لسانه إن كان سخيفا (٣)، وعلى وجهه إن كان حليما».
وكان يقول: «إنّ مما سخّى بنفس العالم عن الدنيا علمه بأن الأرزاق لم تقسم فيها على قدر الأخطار» (٤).