وأحد من تظاهر من المتقدمين بالقول بالعدل، الحسن بن أبى الحسن البصرىّ، واسم أبيه يسار، من أهل ميسان، مولى لبعض الأنصار، وكان اسم أمه خيرة، مملوكة لأمّ سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله، ويقال إن أمّ سلمة
كانت تأخذ الحسن إذا بكى فتسكّته بثديها،
_________________
(١) حاشية ت (من نسخة): «يضع».
(٢) م: «الرجل».
(٣) حاشية ت (من نسخة): «ومسقط».
(٤) فى حواشى الأصل، ت، ف: «زيادة فى آخر هذه القطعة: سيعلمون إذا الميزان شال بهم أهم جنوها أم الرّحمن جانيها - من الجنى-».
[ ١٥٢ ]
فكان يدرّ عليه، فيقال إنّ الحكمة التى أوتيها الحسن من ذلك، وبلغ الحسن من السن تسعا وثمانين سنة.
فمن تصريحه بالعدل ما رواه عليّ بن الجعد (١) قال: سمعت الحسن يقول: من زعم أن المعاصى من الله ﷿ جاء يوم القيامة مسودّا وجهه، ثم قرأ: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ؛ [الزمر: ٦٠]. وقال داود بن أبى هند:
سمعت الحسن يقول: كلّ/ شيء بقضاء وقدر (٢) إلا المعاصى.
وكان الحسن بارع الفصاحة، بليغ المواعظ، كثير العلم. وجميع كلامه فى الوعظ وذم الدنيا أو جلّه مأخوذ لفظا ومعنى، أو معنى دون لفظ؛ من كلام أمير المؤمنين عليّ ابن أبى طالب ﵇، فهو القدوة والغاية (٣).
فمن ذلك قوله ﵇: «شيئان أحدهما مأخوذ من الآخر، أحدهما أكثر شيء فى الدنيا، والآخر أقلّ شيء فى الدنيا: العبر والاعتبار».
وقوله ﵇: «مثل الدنيا والآخرة، مثل المشرق والمغرب، متى ازددت من أحدهما قربا، ازددت من الآخر بعدا».
وقوله: «شتّان بين عملين: عمل تذهب لذّته، وتبقى تبعته، وعمل تذهب مئونته ويبقى أجره».
وقوله فى وصف الدنيا: «ما أصف من دار أولها عناء، وآخرها فناء، فى حلالها حساب، وفى حرامها عقاب، من صحّ فيها أمن (٤)، ومن فرّط فيها ندم، ومن استغنى
_________________
(١) حواشى الأصل، ت، ف: «على بن الجعد لم يلق الحسن؛ فإن عليا مات سنة ثلاثين ومائتين، والحسن مات سنة عشر ومائة، وولد عليّ بن الجعد سنة أربع وثلاثين ومائة. قال القتيبى: على بن الجعد مولى أم سلمة المخزومية، امرأة أبى العباس أمير المؤمنين، وولد سنة ست وثلاثين ومائة، ومات ببغداد سنة ثلاثين ومائتين، وفيها مات عبد الله بن طاهر».
(٢) حاشية ت (من نسخة): «بقضاء الله وقدره».
(٣) ت: «فهو فى ذلك القدوة والغاية».
(٤) حاشية ف: «قوله: من صح فيها أمن، يعنى أن الإنسان إذا صح جسمه أمن الأهوال الدنيوية والأخروية، وإذا مرض ندم على التقصير».
[ ١٥٣ ]
فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن».
وقوله فى كلام له: «فيا أيها الذّامّ للدنيا، والمعتلّ (١) بغرورها، متى استذمّت (٢) إليك؟
بل متى غرّتك؟ أبمضاجع آبائك من الثّرى؟ أم بمنازل أمّهاتك من البلى؟ كم مرّضت بكفّيك؟ وكم عالجت بيديك؟ تبتغى لهم الشفاء، وتستوصف لهم الأطبّاء؛ مثّلت لك بهم الدنيا نفسك، وبمصرعهم مصرعك».
قال سيدنا الشريف المرتضى أدام الله علوّه: وهذا باب إن ولجناه اغترفنا من ثبج (٣) بحر زاخر، أو شؤبوب (٤) غمام ماطر؛ وكلّ قول فى هذا الباب لقائل إذا أضيف إليه، أو قويس به كان كإضافة القطرة إلى الغمرة (٥)، أو الحصاة إلى الحرّة (٦)، وإنما أشرنا إليه إشارة، وأومأنا إليه إيماء، ثم نعود إلى ما كنا فيه.
روى أن أعرابيا سمع كلام الحسن البصرىّ فقال: المؤمن فصيح إذا لفظ، نصيح إذا وعظ.
وروى أن الحسن تلا يوما: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ؛ [الأحزاب: ٧٢]، ثم قال: «إنّ قوما غدوا فى المطارف (٧) العتاق، والعمائم الرّقاق، يطلبون الإمارات، ويضيّعون الأمانات، يتعرّضون للبلاء وهم منه فى عافية؛ حتى إذا أخافوا من فوقهم من أهل العفّة، وظلموا من تحتهم من أهل الذمّة أهزلوا (٨) دينهم، وأسمنوا براذينهم، ووسّعوا دورهم، وضيّقوا قبورهم؛ ألم ترهم قد جدّدوا/ الثياب،
_________________
(١) ت، ف، وحاشية الأصل (من نسخة): «المغتر».
(٢) حاشية الأصل: «قوله ﵇ استذمت، أى فعلت ما تلام عليه».
(٣) ثبج البحر: وسطه أو معظمه.
(٤) الشؤبوب: الدفعة من المطر.
(٥) الغمرة: الماء الكثير الّذي يغمر من خاض فيه.
(٦) الحرة: أرض سوداء ذات حصى.
(٧) المطارف: جمع مطرف؛ وهو كساء من خز ذو أعلام.
(٨) من نسخة بحاشيتى الأصل، ت: «هزلوا».
[ ١٥٤ ]
وأخلقوا الدين، يتّكئ أحدهم على شماله، فيأكل من غير ماله؛ طعامه غصب، وخدمه سخرة؛ يدعو بحلو بعد حامض، وبحارّ بعد بارد، ورطب (١) بعد يابس؛ حتى إذا أخذته الكظّة، تجشّأ من البشم، ثم قال: يا جارية، هاتى حاطوما (يعنى هاضوما) يهضم الطّعام؛ يا أحيمق! لا والله لن تهضم إلا دينك، أين جارك! أين يتيمك! أين مسكينك! أين ما أوصاك الله ﷿ به!».
وذكر يوما الحجاج فقال: «أتانا أعيمش أخيفش، له جميمة يرجّلها، وأخرج إلينا بنانا قصارا، والله ما عرق فيها عنان فى سبيل الله، فقال: بايعونى، فبايعناه، ثم رقى هذه الأعواد ينظر إلينا بالتصغير، وننظر إليه بالتعظيم؛ يأمرنا بالمعروف ويجتنبه، وينهانا عن المنكر ويرتكبه».
وروى عيسى بن عمر قال: قال الحسن: «إنّ هذه القلوب طلعة (٢) فاقدعوها، فإنّكم إن تطيعوها تنزع بكم إلى شرّ غاية، وحادثوا هذه النفوس، فإنها سريعة الدّثور».
قال عيسى بن عمر: فحدثت بذلك أبا عمرو بن العلاء، فعجب من فصاحته.
وكان يقول فى بعض كلامه: «ما يشاء أن ترى أحدهم أبيّض بضّا، يملخ فى الباطل ملخا، ينفض مذرويه ويقول: ها أنا ذا فاعرفونى».
قال: فالبضّ، هو الرّخص اللّحم، وليس هو من البياض على ما يظنّه قوم؛ لأنه قد تكون الرّخاصة مع الأدمة. وأما قوله «يملخ» فإن الملخ هو التّثنّى والتكسّر، يقال ملخ الفرس إذا لعب (٣)؛ قال رؤبة يصف الحمار:
* معتزم التّجليح ملّاخ الملق (٤) *
_________________
(١) ف، ونسخة بحاشيتى ت، ف: «وبرطب».
(٢) الطلعة: الكثيرة التطلع إلى الشيء؛ أى أنها كثيرة الميل إلى هواها تشتهيه حتى تهلك صاحبها، قال فى اللسان: «وبعضهم يرويه بفتح الطاء وكسر اللام، وهو بمعناه، والمعروف الأول».
(٣) فى اللسان (ملخ) وحاشيتى ت، ف: «يملخ فى الباطل ملخا؛ أى يمر فيه مرا سريعا».
(٤) الاعتزام: المضى على جهة واحدة، والتجليح: شدة الإقدام، والملق: ما استوى من الأرض.-
[ ١٥٥ ]
والمذروان (١): فرعا الأليتين: قال عنترة:
أحولي (٢) تنفض استك مذرويها لتقتلنى فها أنا ذا عمارا
هذا قول أبى عبيد؛ وقال ابن قتيبة ردّا عليه: ليس المذروان فرعى الأليتين حسب؛ بل هما الجانبان من كل شيء؛ تقول العرب: جاء فلان يضرب أصدريه، ويضرب عطفيه، وينفض مذرويه، وهما منكباه. وذكر أنه سمع رجلا من فصحاء العرب يقول: قنّع الشيب مذرويه، يريد جانبى رأسه، وهما فوداه، وإنما سمّى بذلك، لأنّهما يذريان؛ أى
_________________
(١) وفى حواشى الأصل، ت، ف: وقبله: * إذا تتلّاهنّ صلصال الصّعق* - أى تلا الحمار الأتن، والصلصال: المصوت، والصعق: شدة الصوت؛ وحمار صعق: شديد الصوت» وبعده: * يرمى الجلاميد بجلمود مدق* والبيت من أرجوزته التى مطلعها: * وقاتم الأعماق خاوى المخترق* وهى فى (ديوانه ١٠٤ - ١٠٨)، وأبيات منها مشروحة فى (الخزانة ١: ٣٨ - ٤٤).
(٢) حاشية ف: «قوله المذروان؛ أى أطراف الأليتين، وليس بمثنى على واحد هو مذرى، خلافا لما يقوله أبو عبيد؛ إذ لو كان ذلك كذلك لكان مذريان؛ لأن الواو إذا وقعت رابعة فصاعدا قلبت ياء قياسا؟؟؟ ألا ترى إلى المذرى الّذي يميز به الطعام إذا ثنى يقال «مذريان»؛ فقوله: «مذروان؟؟؟ الأليتين، كذا ورد عنهم فى صورة التثنية، وإن لم يكن تثنية لواحد مذكور».
(٣) ت، د، ف، حاشية الأصل (من نسخة): «أنحوى»، وهو يخاطب عمارة بن زياد العبسى وكان بلغه أنه يقول لقومه: قد أكثرتم ذكر هذا العبد؛ وددت أنى لقيته خاليا حتى يعلم أنه عبد؛ وبعده: متى ما تلقنى فردين ترجف روانف أليتيك وتستطارا والروانف أعلى الأليتين؛ والبيتان من قطعة فى (حماسة ابن الشجرى: ٨، واللآلئ ٤٨٣، والخزانة ٣: ٣٦٢).
[ ١٥٦ ]
يشيبان، والذّرى والذّروة (١) الشيب، قال: وهذا أصل الحرف، ثم استعير للمنكبين، والأليتين، والطرفين من كل شيء، قال أمية بن أبى عائذ الهذلىّ يذكر قوسا:
على عجس هتّافة المذروي ن زوراء مضجعة فى الشّمال (٢)
أراد قوسا ينبض (٣) طرفاها. قال: فلا معنى لوصف الرجل الّذي ذكره الحسن بأنه يحرك أليتيه؛ ولا من شأن من
يبذخ (٤) ويتيه على نفسه ويقول: ها أنا ذا فاعرفونى أن يحرّك أليتيه؛ وإنما أراد أنه يضرب عطفيه، وهذا مما يوصف به المرح المختال، وربما قالوا: جاءنا ينفض مذرويه، إذا تهدّد وتوعّد، لأنه إذ تكلم وحرّك رأسه نفض قرون فوديه، وهما مذ رواه.
قال سيدنا الشريف الأجل المرتضى أدام الله علوّه: ليس الّذي ذكره أبو عبيد ببعيد، لأن من شأن المختال الّذي يزهى بنفسه أن يهتزّ ويتثنى، فتتحرك أعطافه وأعضاؤه؛ ومذ رواه من جملة ما يهتزّ ويتحرّك، لأنّهما بارزان من جسمه، فيظهر فيهما الاهتزاز، وإنما خصّ المذروان (٥) بالذّكر مع أن غيرهما يتحرك أيضا، على طريق التقبيح على هذا المختال والتهجين لفعله. وقول ابن قتيبة ليس من شأن من يبذخ أن يحرّك أليتيه ليس بشيء، لأن الأغلب من شأن المختال البذّاخ الاهتزاز وتحريك الأعطاف؛ على أن هذا يلزمه فيما قاله، لأنه ليس
_________________
(١) حواشى الأصل، ت، ف: العجب من ابن قتيبة كيف خلط المهموز بالمعتل، وإنما هو الذرأ بالهمز شيب مقدم الرأس، وقد ذرئ يذرأ، ورجل أذرأ وامرأة ذرآء؛ وهى الذرءة، وأعجب من ذلك أنه ذكره فى إصلاح غلط أبى عبيد». وفى حاشية ف أيضا: «الذرأ: هو شيب مقدم الرأس؛ وهو مهموز لا غير، وأصل المذروين ينبغى أن يكون من ذرو الريح، وقد صح أنه إذا كان بمعنى الشيب كان ذرأ، مهموزا، فلو كان من الذرءة التى هى الشيب لكان مذرأين».
(٢) ديوان الهذليين ٢: ١٨٥. والعجس: مقبض القوس، وهتافة المذروين؛ أى لطرفيها صوت نبض، وزوراء: معوجة.
(٣) الإنباض: التصويت.
(٤) حاشية الأصل (من نسخة): «يتبذخ».
(٥) ش: «خص المذروين».
[ ١٥٧ ]
من شأن كل متوعّد أن يحرّك رأسه، وينفض مذرويه؛ فإذا قال: إن ذلك فى الأكثر قيل له مثله.
وكان الحسن يقول: «يا ابن آدم، جمعا جمعا، سرطا سرطا (١)، جمعا فى وعاء، وشدّا فى وكاء، وركوب الذّلول، ولبس اللّيّن؛ حتى قيل مات، فأفضى والله إلى الآخرة، فطال حسابه».
وكان يقول: «مسكين (٢) ابن آدم، مكتوم الأجل، مكنون العلل؛ أسير جوع، صريع شبع، إنّ من تؤلمه البقّة، وتقتله الشّرقة، لبادى الضّعف، فريسة الحتف».
وكان يقول: «ما أطال أحد الأمل، إلا أساء العمل».
وكتب إلى عمر بن عبد العزيز: «أما بعد، فإن طول البقاء إلى فناء، فخذ من فنائك الّذي لا يبقى، لبقائك الّذي لا يفنى، والسلام».
وكان يقول: «إذا رأيت رجلا ينافس فى الدنيا فنافسه فى الآخرة». وسأله رجل:
ما حالك؟ فقال: بأشدّ حال، ما حال من أصبح وأمسى ينتظر الموت، ولا يدرى ما يفعل الله به! ! .
/ وكان يقول: «يا ابن آدم، بسطت لك صحيفة، ووكّل بك ملكان كريمان، يكتبان عملك فأملل ما شئت، وأكثر وأقلل». وفى خبر آخر: «وكّل بك ملكان كريمان، ريقك مدادهما، ولسانك قلمهما».
روى أبو بكر الهذلىّ قال: لما وفد (٣) عمر بن هبيرة واليا على العراق نزل واسطا، فبعث
_________________
(١) السرط: البلع.
(٢) حواشى الأصل، ت. ف: يجوز: «مسكين ابن آدم»، ويكون قد حذف التنوين لالتقاء الساكنين؛ من باب قوله تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ، وقول الشاعر: عمرو الّذي هشم الثّريد لقومه ورجال مكّة مسنتون عجاف.
(٣) من نسخة بحاشيتى الأصل، ت: «قدم».
[ ١٥٨ ]
إلى الشعبىّ وإلى الحسن البصرىّ، فقال لهما: إن يزيد بن عبد الملك عبد أخذ الله ميثاقه، وانتجبه لخلافته، وقد أخذ بنواصينا، وأعطيناه عهودنا ومواثيقنا وصفقة أيدينا، فوجب علينا السمع والطاعة، وإنه بعثنى إلى عراقكم غير سائل إياه، إلا أنه لا يزال يبعث إلينا فى القوم نقتلهم، وفى الضّياع نقبضها، أو فى الدور نهدمها، فنولّيه من ذلك ما ولّاه الله، فما تريان؟
فأما الشّعبىّ فقال قولا فيه بعض اللين؛ وأما الحسن فإنه قال له: يا عمر، إنى أنهاك عن الله أن تتعرض له، فإن الله مانعك من يزيد، ولا يمنعك يزيد من الله؛ إنه يوشك أن ينزل إليك (١) ملك من السماء، فيستنزلك من سريرك، ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك؛ ثم لا يوسّعه عليك إلا عملك، إنّ هذا السلطان إنما جعل ناصرا لدين الله، فلا تركبوا دين الله وعباد الله بسلطان الله تذلّونهم به، فإنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق جل وعزّ.
وذكر عن الشعبىّ أنه قال: كان والله الحسن أكرمنا عليه.
وروى أبو بكر بن عياش قال: قال مسلمة بن عبد الملك للحسن: عظنى فقال: إذا نزلت عن المنبر فاعمل بما تكلمت به، فقال: عظنى، فقال: أولّيت قط؟ فقال: نعم، قال:
فما كنت تحب أن يؤتى إليك فأته إلى من وليته.
وعن ثابت البنانيّ قال: قال رجل للحسن: آخذ عطائى أم أدعه حتى آخذه من حسناتهم يوم القيامة؟ فقال له: قم
ويحك خذ عطاءك! فإن القوم مفاليس من الحسنات يوم القيامة.
وولد للحسن غلام، فهنأه بعض أصحابه، فقال الحسن: «نحمد الله على هبته، ونستزيده من نعمه، ولا مرحبا بمن إن كنت غنيا أذهلنى، وإن كنت فقيرا أتعبنى؛ لا أرضى بسعي له سعيا، ولا بكدّى له فى الحياة كدّا، أشفق عليه من الفاقة بعد وفاتى، وأنا فى حال لا يصل إلى/ من همّه حزن، ولا من فرحه سرور».
وكان الحسن يقول: «لو لم يكن من شؤم الشّراب إلا أنه جاء إلى أحبّ خلق الله إلى الله فأفسده، لكان ينبغى للعاقل أن يتركه» - يعنى العقل.
_________________
(١) حاشية ت (من نسخة): «أن يرسل عليك ملكا».
[ ١٥٩ ]
وعزّى جارا له يهوديا فقال: «جزاك الله عن مصيبتك بأعظم ما جازى به أحدا من أهل ملّتك». وهذا تخلّص منه مليح، لأنه لم يدع له بالثواب الّذي لا يستحقه الكفّار، وأراد بالجزاء العوض الّذي يستحقه الكافر مع استحقاق العقاب.
وكان الحسن يقول: «ليس للفاسق المعلن بالفسق غيبة، ولا لأهل الأهواء والبدع غيبة، ولا للسلطان الجائر غيبة».
وقال فى قوله تعالى رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً قال العلم، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً؛ [البقرة: ٢٠١] قال: الجنة.
وخرج الحسن فى جنازة معها نوائح، فقال له رجل: أما ترى يا أبا سعيد هذا؟ وهمّ الرّجل بالرجوع، فقال له الحسن: إن كنت كلما رأيت قبيحا تركت له حسنا أسرع ذلك فى دينك.
وذكرت عنده الدنيا فقال:
أحلام نوم أو كظلّ زائل إنّ اللّبيب بمثلها لا يخدع
وكان يتمثّل:
اليوم عندك دلّها وحديثها وغدا لغيرك كفّها والمعصم (١)
وعن أبى عبيدة قال: لما فرغ الحجّاج من خضراء (٢) واسط نادى فى الناس أن يخرجوا فيدعوا له بالبركة، فخرج الناس، وخرج الحسن، فاجتمع عليه الناس، فخاف أهل الشام على نفسه أن يقتلوه، فرجع وهو يقول: قد نظرنا يا أخبث الأخبثين، وأفسق الفاسقين،
_________________
(١) حاشية ف: «قبله: لا تأمنن أنثى حياتك واعلمن أن النّساء وما لهنّ مقسّم وبعده: كالبيت يصبح خاليا من أهله ويحلّ بعدك فيه من لا تعلم.
(٢) حاشية الأصل: «خضراء واسط: بنية كان ابتناها الحجاج»، وفى م: «قصر واسط».
[ ١٦٠ ]
فأما أهل السماء فمقتوك، وأما أهل الأرض فغرّوك، ثم قال: أبى الله تعالى للميثاق الّذي أخذه على أهل العلم ليبيّننّه للناس ولا يكتمونه. ثم انصرف وبلغ الحجاج ذلك فقال: يا أهل الشام- وهم حوله: آلله (١) ليقومنّ (٢) عبيد من عبيد أهل البصرة، ويتكلم فىّ بما يتكلم، ولا يكون عند أحد منكم تغيير ولا نكير! قالوا: ومن ذاك أصلحك الله! اسقنا دمه، فقال: عليّ به، وأمر بالنّطع والسيف فأحضرا، ووجّه إليه، فلما دنا الحسن من الباب، حرّك شفتيه والحاجب ينظر إليه، فلما دخل قال له الحجاج: هاهنا، وأجلسه قريبا من فرشه، وقال له: ما تقول فى عليّ وعثمان؟ قال: أقول قول من هو خير منى عند من هو شرّ منك، قال موسى ﵇ لفرعون إذ قال له: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى. قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى؛ [طه: ٥١ - ٥٢]؛ علم عليّ وعثمان عند الله تعالى، فقال له الحجاج: أنت سيد العلماء يا أبا سعيد، ثم دعا بغالية فغلّل بها لحيته، فلما خرج الحسن اتّبعه الحاجب، فقال: يا أبا سعيد، لقد دعاك لغير ما فعل بك، ولقد أحضر السيف والنّطع، فلما أقبلت رأيتك قد حرّكت شفتيك بشيء، فما قلت؟ قال: قلت يا عدّتى عند كربتى، ويا صاحبى عند شدتى، ويا ولىّ نعمتى، ويا إلهى وإله آبائى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ارزقنى مودّته، واصرف عنى أذاه ومعرّته؛ ففعل ربى ﷿ ذلك.
وكان الحسن يقول: ما زال النفاق مقموعا حتى عمّم هذا عمامة؛ وقلّد سيفا.
- يعنى الحجاج.
_________________
(١) حواشى الأصل، ت، ف: «هم كثيرا ما يتصرفون فى القسم؛ وذلك لكثرة تردده فى كلامهم فتارة يحذفون الفعل، كقولك بالله، وأخرى يحذفون خبر المبتدأ، كقولك لعمرى، وتارة يحذفون حرف القسم من غير عوض، كقولك: الله لأفعلن؛ بالنصب، والله لأفعلن بالجر، وتارة يحذف الحرف عن عوض، كقولك آلله، وهالله».
(٢) حواشى الأصل، ت، ف: «لا بد من النون فى صحبة اللام فى جواب القسم؛ وحذفها ضعيف؛ ومع ضعفه جائز؛ كقولك: والله ليقوم زيد، والفصيح بالنون؛ وإنما تحرى ذلك فيه لأن الغرض بالقسم التوكيد؛ فينبغى أن يكون مؤكدا».
[ ١٦١ ]
وروى أبو بكر الهذلىّ أنّ رجلا قال للحسن: يا أبا سعيد، إن الشيعة تزعم أنّك تبغض عليّا ﵇، فأكبّ يبكى طويلا، ثم رفع رأسه فقال: لقد فارقكم بالأمس رجل كان سهما من مرامى ربّنا ﷿ على عدوّه، ربّانىّ هذه الأمة، ذو شرفها وفضلها، وذو قرابة من النبي صلى الله عليه وآله قريبة، لم يكن بالنومة عن أمر الله، ولا بالغافل عن حق الله، ولا بالسّروقة من مال الله، أعطى القرآن عزائمه فيما له وعليه، فأشرف منها على رياض مونقة، وأعلام بينة، ذلك ابن أبى طالب يا لكع! وكان الحسن إذا أراد أن يحدّث فى زمن بنى أمية عن أمير المؤمنين ﵇ قال: قال أبو زينب.
وشهد الحسن جنازة فقال: إنّ أمرا هذا [آخره لينبغى أن يزهد فيه، وإن أمرا هذا أوّله لينبغى أن يحذر منه] (١). وعن حميد الطويل قال: خطب رجل إلى الحسن ابنته، وكنت السّفير بينهما- فرضيه، وأراد أن يزوجه فأثنيت عليه ذات يوم وقلت: وأزيدك يا أبا سعيد، إنّ له خمسين ألفا، قال: أقلت له خمسون ألفا! ما اجتمعت من حلال- قلت: يا أبا سعيد، إنه والله ما علمت لورع مسلم، فقال: إن كان جمعها من حلال، لقد ضنّ بها عن حقّ! لا يجرى بينى وبينه صهر أبدا.
وقيل لعلىّ بن الحسين ﵉: قال الحسن البصرىّ ليس العجب ممّن هلك كيف هلك، وإنما العجب ممن نجا كيف نجا! فقال ﵇: أنا أقول: ليس العجب ممّن نجا كيف نجا؛ إنما العجب ممن هلك كيف هلك مع سعة رحمة الله!
وأتى ﵇ يوما الحسن البصرى وهو يقصّ عند الحجر فقال: أترضى يا حسن نفسك للموت؟ قال: لا، قال: فعملك للحساب؟ قال: لا؛ قال: فثمّ دار للعمل غير هذه الدار؟ قال: لا، قال: فلله فى أرضه معاذ غير هذا البيت؟ قال: لا، قال: فلم تشغل الناس عن التّطواف (٢).
_________________
(١) م: «إن امرأ هذا أوله لينبغى أن يحذر منه، وإن امرأ هذا آخره لينبغي أن يزهد فيه».
(٢) كذا فى الأصل، ت، ج، ش، ف، وفى نسخة بحاشيتى ت، ف: «الطواف». وكانت وفاة الحسن البصرى سنة ١١٠؛ (وانظر ترجمته فى ابن خلكان ١: ١٢٨ - ١٢٩).
[ ١٦٢ ]