فأمّا بشّار بن برد فروى المازنىّ قال: قال رجل لبشّار: أتأكل اللحم وهو مباين لديانتك؟ - يذهب إلى أنّه ثنوىّ (٣) - فقال بشار: إنّ هذا اللحم يدفع عنّى شرّ هذه الظلمة.
قال المبرّد: ويروى أنّ بشارا كان يتعصّب للنار على الأرض، ويصوّب رأى إبليس فى الامتناع عن السجود، وروى له:
النّار مشرقة والأرض مظلمة والنّار معبودة مذ كانت النّار
وروى بعض أصحابه قال: كنا إذا حضرت الصلاة نقوم إليها، ويقعد بشار، فنجعل حول ثيابه (٤) ترابا؛ لننظر: هل يصلّى، فنعود والتراب بحاله ولم يقم إلى الصّلاة.
أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدّثني على بن عبد الله الفارسىّ قال: أخبرنى أبى قال: حدّثني ابن مهرويه عن أحمد بن خلّاد قال: حدثنى أبى قال: كنت أكلّم بشارا وأردّ عليه سوء مذهبه بميله إلى الإلحاد، فكان يقول: لا أعرف إلا ما عاينت أو عاينه معاين؛ وكان الكلام يطول بيننا، فقال لى: ما أظنّ الأمر (٥) يا أبا مخلد إلا كما يقال: إنه
خذلان؛ ولذلك أقول:
_________________
(١) : ت، وحاشية الأصل (من نسخة): «رفيقا».
(٢) فى حاشيتى الأصل، ف: «المحلى: العارض للجيش، أى أن العارض إذا كتب اسمه كتبه مسلما أو زنديقا».
(٣) الثنوية: فرقة من الكفرة تزعم باثنينية الإله؛ إله للخير وهو النور، وإله للشر وهو الظلمة، وانظر (الملل والنحل للشهرستانى ١٤٣، وكشاف اصطلاحات الفنون ١: ١٩٨ - ١٩٩).
(٤) ت، وحاشية الأصل (من نسخة) «حوالى ثوبه».
(٥) حاشية الأصل (من نسخة): «ما أظن ما الأمر ».
[ ١٣٨ ]
/ طبعت على ما فىّ غير مخيّر هواى ولو خيّرت كنت المهذّبا
أريد فلا أعطى وأعطى ولم أرد وغيّب عنّى أن أنال المغيّبا
وأصرف عن قصدى وعلمى مبصر فأمسى وما أعقبت إلّا التّعجّبا
قال الجاحظ: كان بشّار صديقا لواصل بن عطاء الغزّال قبل أن يظهر مذاهبه المكروهة، وكان بشّار مدح واصل بن عطاء، وذكر خطبته التى نزع منها الراء (١)، وكانت على البديهة فقال:
تكلّف القول والأقوام قد حفلوا وحبّروا خطبا ناهيك من خطب!
فقام مرتجلا تغلى بداهته كمرجل القين لمّا حفّ باللهب (٢)
وجانب الرّاء لم يشعر به أحد قبل التّصفّح والإغراق فى الطّلب
ومثل ذلك قول بعضهم فى واصل بن عطاء:
ويجعل البرّ قمحا فى تكلّمه وجانب الرّاء حتّى احتال للشّعر
ولم يقل مطرا والقول يعجله فعاذ بالغيث إشفاقا من المطر
فلما أظهر بشار مذاهبه هتف (٣) به واصل، وقام بذكره وتكفيره وقعد، فقال بشار فيه:
ما لي أشايع غزّالا له عنق كنقنق الدّوّ إن ولى وإن مثلا (٤)
عنق الزّرافة ما بالى وبالكم تكفّرون رجالا أكفروا رجلا (٥)
_________________
(١) نشرها الأستاذ عبد السلام هارون فى المجموعة الثانية من نوادر المخطوطات.
(٢) حاشية الأصل: (من نسخة): «فقال مرتجلا»؛ والقين فى الأصل: الحداد؛ ثم قيل لكل عامل بالنار: قين، وأراد بالقين هاهنا الصباغ».
(٣) هتف به: فضحه، والهتاف فى الأصل الصياح.
(٤) النقنق بكسر النونين: ذكر النعام، والدو والدوية والداوية: الفلاة.
(٥) حواشى الأصل، ت، ف: «عنق، نصب على الذم؛ شبه واصلا بالزرافة، والزرافة: الحيوان المعروف، وعنقه أصحابه؛ يقال: هم إليه عنق؛ أى متتابعون».
[ ١٣٩ ]
فلما تتابع على واصل ما يشهد بإلحاده قال عند ذلك: أما لهذا الأعمى الملحد! أما لهذا المشنّف المكتنى (١) بأبى معاذ من يقتله! أما والله لولا أنّ الغيلة سجية من سجايا الغالية لدسست إليه من يبعج بطنه فى جوف منزله على مضجعه، أو فى يوم حفله، ثم كان لا يتولّى ذلك إلّا عقيلىّ أو سدوسىّ، فعدل واصل بن عطاء من الضّرير إلى الأعمى، ومن الكافر إلى الملحد، ومن المرعّث إلى المشنّف، ومن بشّار إلى أبى معاذ، ومن الفراش إلى المضجع وزاد قوم فقالوا: ومن أرسلت إلى دسست، ومن يبقر إلى يبعج، ومن داره إلى منزله، ومن المغيريّة (٢) إلى الغالية/، والأول أشبه بأن يكون مقصودا، وما ذكرت (٣) ثانيا قد يتّفق استعماله من غير عدول عن استعمال الراء.
فأما قوله: «لا يتولّى ذلك إلا عقيلىّ [أو سدوسىّ] (٤)» فلأن بشارا كان مولى لهم، وذكره بنى سدوس لأن بشارا كان ينزل فيهم. فأما لقب بشّار بالمرعّث فقد قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها أنه لقّب بذلك لبيت قاله وهو:
قال ريم مرعّث فاتر الطّرف والنّظر
لست والله قاتلى (٥) قلت أو يغلب القدر
والقول الثانى أنّه كان لبشّار ثوب له جيبان: أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، فكان إذا أراد لبسه يضمّه عليه ضمّا، من غير أن يدخل رأسه فيه، فشبّه استرسال الجيبين وتدلّيهما بالرّعاث، وهى القرطة، فقيل: المرعّث، وقال أبو عبيدة: إنّما سمّى المرعّث لأنه كان يلبس فى صباه رعاثا، وهذا هو القول الثالث.
وكان بشّار مقدما فى الشعر جدا حتى إن كثيرا من الرّواة يلحقه بمن تقدّم عصره عليه
_________________
(١) ت، د، حاشية الأصل (من نسخة): «المكنى».
(٢) المغيرية: فرقة من غلاة الشيعة، أصحاب المغيرة بن سعيد العجلى، وكان مولى لخالد بن عبد الله القسرى، وادعى النبوة لنفسه. (وانظر مفاتيح العلوم ٢٠، والفرق بين الفرق ٢٢٩).
(٣) حاشية ت (من نسخة): «وما ذكر».
(٤) ساقط من م.
(٥) ت، ج، ش: «نائلى».
[ ١٤٠ ]
من المجوّدين. وأخبرنا المرزبانىّ عن محمد بن يحيى الصولىّ قال حدثنا محمد بن الحسين اليشكريّ (١) قال: قيل لأبى حاتم: من أشعر الناس؟ قال الّذي يقول:
ولها مبسم كغرّ الأقاحى وحديث كالوشى وشى البرود
نزلت فى السّواد من حبّة القل ب ونالت زيادة المستزيد
عندها الصّبر عن لقائى وعندى زفرات يأكلن صبر الجليد
- يعنى بشارا؛ قال: وكان يقدّمه على جميع الناس، ولما قال بشار:
بنى أميّة هبّوا طال نومكم إنّ الخليفة يعقوب بن داود (٢)
ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا خليفة الله بين الزّقّ والعود (٣)
فبلغ ذلك المهدىّ فوجد عليه، وكان ذلك سبب قتله (٤).
_________________
(١) من نسخة بحاشيتى ت، ف: «محمد الحسن السكرى».
(٢) هو أبو عبد الله يعقوب بن داود وزير المهدى، (وانظر أخباره وتفصيل أسباب قتله، فى الفخرى ١٦٠ - ١٦٣).
(٣) ت، ج، د، ف: «الناى والعود».
(٤) حواشى الأصل، ت، ف: «كان حماد عجرد قال فى بشار: له مقلة عمياء واست بصيرة إلى الأير من تحت الثّياب تشير فقال بشار: - وكتب بها إلى العباس بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس، وكان حماد يعلم ولده: يا أبا الفضل لا تنم وقع الذّئب فى الغنم إنّ حمّاد عجرد إن رأى سوأة هجم بين فخذيه حربة فى غلاف من الأدم كلّما غبت ساعة مجمج الميم بالقلم فقال العباس: ما لي ولبشار! اصرفوا حمادا عنى، فقال حماد: لقد فرق بينى وبين رزقى بشعره، وسوف أفرق بينه وبين حياته بشعر أقوله، فقال: بنى أميّة هبّوا طال نومكم إنّ الخليفة يعقوب بن داود ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا خليفة الله بين الزّقّ والعود ونسبهما إلى بشار، فبلغ ذلك المهدى فقتله «وكان مقتل بشار سنة ١٦٧. (وانظر ترجمته ومراجعها فى الشعر والشعراء: ٧٣٣ - ٧٣٦).
[ ١٤١ ]