فأما حمّاد عجرد فشهرته فى الضّلالة/ كشهرة الحمّادين، وكان يرمى مع ذلك بالتّثنية.
أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنى عليّ بن عبد الله الفارسىّ قال أخبرنى أبى قال حدّثني ابن مهرويه (٣) قال حدثنى عليّ بن عبد الله بن سعد قال حدّثني السّرىّ بن الصّباح الكوفىّ قال: دخلت على بشّار بالبصرة، فقال لى: يا أبا عليّ، أما إنّى قد أوجعت صاحبكم، وبلغت منه- يعنى حمّاد عجرد- فقلت: بماذا يا أبا معاذ؟ فقال: بقولى فيه:
يا ابن نهيا رأس عليّ ثقيل واحتمال الرّأسين خطب جليل
فادع غيرى إلى عبادة ربّين فإنى بواحد مشغول
فقلت لم (٤) أدعه فى عماه؟ ثم قلت له: قد بلغ حمادا هذا الشعر، وهو يرويه على خلاف هذا قال: فما يقول؟ قلت يقول:
فادع غيرى إلى عبادة ربّين فإنى عن واحد مشغول
قال فلما سمعه أطرق وقال: أحسن والله ابن الفاعلة! ثم قال: إننى لا أحتشمك، فلا تنشد أحدا هذين البيتين؛ وكان إذا سئل عنهما بعد ذلك قال: ما هما لى!
_________________
(١) انظر ترجمته ومراجعها فى (إنباه الرواة ١: ٣٣٠ - ٣٣٢).
(٢) حواشى الأصل، ت، ف: «يتقارضان: يتجازيان؛ ويقال ذلك فى الخير والشر جميعا، أى يقرض بعضهم بعضا الهجاء».
(٣) ص: «مهرويه»، بفتح الميم وسكون الهاء وضم الراء وبعدها واو ساكنة وياء مفتوحة».
(٤) م: «لن أدعه».
[ ١٣٣ ]
وأخبرنا المرزبانىّ قال أخبرنى عليّ بن هارون عن عمه يحيى بن عليّ عن عمر بن شبّة قال حدّثني خلّاد الأرقط قال قال بشار: بلغنى أن رجلا كان يقرأ القرآن وحمّاد ينشد الشعر، فاجتمع الناس على القارئ فقال حمّاد: علام تجتمعون؟ فو الله ما أقول (١) أحسن مما يقول! فمقته الناس على هذا.
وروى ابن شبّة عن أبى عبيدة قال: كان حمّاد عجرد يعيّر بشارا بالقبح؛ لأنه كان عظيم الجسم، مجدورا، طويلا، جاحظ العينين، قد تغشّاهما لحم أحمر؛ فلما قال حماد فيه:
والله ما الخنزير فى نتنه بربعه فى النّتن أو خمسه
بل ريحه أطيب من ريحه ومسّه ألين من مسّه
ووجهه أحسن من وجهه ونفسه أفضل من نفسه
وعوده أكرم من عوده وجنسه أكرم من جنسه
/ فقال بشار: ويلى على الزّنديق! لقد نفث بما فى صدره، قيل: وكيف ذاك؟ قال:
ما أراد الزّنديق إلا قول الله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ؛ [التين: ٤]، فأخرج الجحود بها مخرج هجائى، وهذا خبث من بشار وتغلغل شديد لطيف.
وأول من جعل نفى الإلحاد تأكيدا للوصف به، وأخرج ذلك مخرج المبالغة مساور الوراق فى حمّاد عجرد فقال:
لو أنّ مانى وديصانا وعصبتهم جاءوا إليك لما قلناك زنديق
أنت العبادة والتّوحيد مذ خلقا وذا التّزندق نيرنج مخاريق (٢)