وأمّا صالح بن عبد القدّوس فكان متظاهرا بمذاهب الثّنوية، ويقال إن أبا الهذيل العلّاف ناظره فقطعه، ثم قال له: على أىّ شيء تعزم يا صالح؟ فقال: أستخير الله وأقول بالاثنين، فقال أبو الهذيل: فأيهما استخرت لا أمّ لك! !
وروى أنّ أبا الهذيل ناظره فى مسألة مشهورة فى الامتزاج الّذي ادّعوه بين النور والظلمة فأقام عليه الحجة فانقطع، وأنشأ يقول:
أبا الهذيل هداك الله يا رجل فأنت حقّا لعمرى معضل جدل
وروى أنّه رؤى يصلى صلاة تامة الرّكوع والسجود، فقيل له: ما هذا ومذهبك معروف! قال: سنّة البلد، وعادة الجسد، وسلامة الأهل والولد.
ويقال إنّه لما أراد المهدىّ قتله على الزندقة دحا إليه بكتاب وقال له: اقرأ هذا، قال:
وما هو؟ قال: كتاب الزّندقة، قال صالح: أو تعرفه أنت يا أمير المؤمنين إذا قرأته؟ قال:
لا، قال: أفتقتلني على ما لا تعرف! قال: فإنى أعرفه، قال صالح: فقد عرفته ولست بزنديق؛ وكذلك أقرؤه ولست بزنديق
_________________
(١) حاشية الأصل (من نسخة): «لم تبتكر ولم ترح».
(٢) البهم: جمع بهمة؛ وهو الشجاع.
[ ١٤٤ ]
وذكر محمد بن يزيد المبرّد قال: ذكر بعض الرواة أنّ صالحا لما نوظر فيما قذف به من الزندقة بحضرة المهدىّ
قال له المهدىّ: ألست القائل فى حفظك ما أنت عليه:
ربّ سرّ كتمته فكأنّى أخرس أو ثنى لسانى خبل
/ ولو أنّى أبديت للنّاس علمى لم يكن لى فى غير حبسى أكل
قال صالح: فإنى أتوب وأرجع، فقال له المهدىّ: هيهات! ألست القائل:
والشّيخ لا يترك أخلاقه حتّى يوارى فى ثرى رمسه
إذا ارعوى عاوده جهله (١) كذى الضّنى عاد إلى نكسه (٢)
ثم قدّم فقتل، ويقال إنه صلبه على الجسر ببغداذ.
ومن شعره (٣) وهو فى الحبس:
خرجنا من الدّنيا ونحن من أهلها فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى
إذا دخل السّجّان يوما لحاجة عجبنا وقلنا جاء هذا من الدّنيا
ونفرح بالرّؤيا فجلّ حديثنا إذا نحن أصبحنا الحديث عن الرّؤيا (٤)
_________________
(١) ف، حاشية ت (من نسخة): «عاد إلى جهله».
(٢) حاشية الأصل: «عاد إلى نكسه؛ أى عاد إلى غيه رجوع الناقة من المرض».
(٣) وردت هذه المقطوعة فى إنباه الرواة ١: ٦٢، ومعجم الأدباء ٣: ١٥٥، منسوبة إلى صالح ابن عبد القدوس، وفى المحاسن والأضداد ٤٥ - ٤٦ منسوبة إلى عبد الله بن معاوية، وفى عيون الأخبار ١: ٨١ - ٨٢، من غير عزو، وورد منها البيت الأول والثانى فى رسالة الغفران ١٤٢ منسوبين لولد صالح، وفى مقدمة اللزوميات: ٢٧ منسوبين لرجل كان فى السجن على عهد ملوك بنى العباس، يقال إنه من ولد صالح بن عبد القدوس، ومطلعها: إلى الله أشكو إنّه موضع الشّكوى وفى يده كشف المضرّة والبلوى.
(٤) حواشى الأصل، ت، ف: «هذا المعنى للأحنف العكبرىّ وإن كان قريب اللفظ: وأعلم فى المنام بكلّ خير فأصبح لا أراه ولا يرانى وإن أبصرت شرّا فى منامى لقيت الشّرّ من قبل الأذان.
[ ١٤٥ ]
فإن حسنت لم تأت عجلى وأبطأت وإن قبحت لم تحتبس وأتت عجلى
طوى دوننا الأخبار سجن ممنّع له حارس تهدا العيون ولا يهدا
قبرنا ولم ندفن فنحن بمعزل من النّاس لا نخشى، فنغشى ولا نغشى
ألا أحد يأوى لأهل محلّة مقيمين فى الدّنيا وقد فارقوا الدّنيا
قال سيدنا الشريف المرتضى ذو المجدين أدام الله علوّه: وأظنّ أن ابن الجهم لحظ قول صالح: «فنغشى ولا نغشى (١)» فى قوله يصف الحبس:
بيت يجدّد للكريم كرامة ويزار فيه ولا يزور ويحفد (٢)