وأما عليّ بن الخليل فذكر محمد بن داود قال: كان عليّ بن الخليل- وهو مولى يزيد بن مزيد الشّيبانىّ، ويكنى أبا الحسن، وهو كوفىّ- متّهما بالزّندقة، فطلبه الرشيد عند قتله الزنادقة، فاستتر طويلا، ثم قصد الرّقة (٣) وبها الرشيد، فمدحه ومدح الفضل بن الربيع.
وروى (٤) أنّه لما قعد الرشيد للمظالم بالرّقة حضر شيخ حسن الهيئة، حسن الخضاب، معه قصيدة، فأشار بها، فأمر الرشيد بأخذها منه، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا أحسن قراءة لها من غيرى، / فأذن لى فى قراءتها، ففعل، فقال: إنى شيخ كبير، ولا آمن
_________________
(١) حواشى الأصل، ت، ف: «حمله السيد ﵁ على أن قوله: «فغشى » كلام مستأنف، وأن الغشيان واقع، والبيت الّذي ذكر أنه نظر إليه يدل على ذلك؛ ومراد الشاعر غير هذا والله أعلم؛ وهو أن يكون «تغشى» منصوبا بإضمار أن بعد الفاء التى تجيء بعد النفى، ويكون غشيان الناس إياهم منفيا».
(٢) يحفد: يخدم، وفى م: «يحمد»، والبيت من قصيدة قالها فى الحبس حين حبسه المتوكل؛ وهى فى ديوانه ص ٤٥، والمحاسن والأضداد ٤٣، وأولها: قالت حبست فقلت ليس بضائرى حبسى وأىّ مهنّد لا يغمد.
(٣) الرقة: مدينة مشهورة على الجانب الأيسر للفرات بولاية حلب؛ وهى وطن ربيعة الرقى الشاعر المشهور.
(٤) الخبر فى (الأغانى ١٣: ١٣ - ١٤).
[ ١٤٦ ]
الاضطراب إذا قمت، فإن رأيت أن تأذن لى فى الجلوس فعلت، فقال: اجلس، فجلس، ثم أنشأ يقول:
يا خير من وخدت بأرحله نجب الرّكاب بمهمه جلس (١)
تطوى السّباسب فى أزمّتها طىّ التّجار عمائم البرس (٢)
لمّا رأتك الشّمس طالعة سجدت لوجهك طلعة الشّمس
خير الخلائف (٣) أنت كلّهم فى يومك الماضى وفى أمس
وكذاك لا تنفكّ خيرهم تمسى وتصبح فوق ما تمسى
من عصبة طابت أرومتها أهل العفاف ومنتهى القدس
فوق النّجوم فروع نبعتهم ومع الحضيض منابت الغرس
إنّى رحلت إليك من فزع كان التّوكّل عنده ترسى
ما ذاك إلّا أنّنى رجل أصبو إلى بقر من الإنس
بقر أوانس لا قرون لها يقتلن بالتّطويل والحبس
وأجاذب الفتيان بينهم صهباء مثل مجاجة الورس
للماء فى حافاتها حبب نظم كطىّ صحائف الفرس (٤)
والله يعلم فى بنيّته ما إن أضعت إقامة الخمس
فقال له هارون: من أنت؟ قال: عليّ بن الخليل الّذي يقال إنه زنديق، قال: أنت آمن، وكتب إلى حمدويه ألّا يعرض له.
ومن تركنا ذكره من هؤلاء أكثر ممن ذكرناه، وإنما اعتمدنا من كان بهذه البليّة
_________________
(١) وخدت: أسرعت، ونجب: جمع نجيب، وهو وصف للناقة الخفيفة السريعة، والمهمّة: البلد الفقر، والجلس: الغليظ من الأرض.
(٢) السباسب: جمع سبسب؛ وهى الفلاة، والتجار: جمع تجر، وتجر: جمع تاجر؛ كقولهم: صاحب وصحب وصحاب، والبرس: القطن.
(٣) م: «الخلائق».
(٤) حاشية الأصل: «ذكر س: الحباب طرائق الماء، والحبب ما يعلو المائعات من النفاخات».
[ ١٤٧ ]
أشهر، وأمره فيها أظهر، وأوردنا مع ذلك قليلا من كثير، وجملة من تفصيل.