فأما عمرو بن عبيد فيكنى أبا عثمان، مولى لبنى العدوية، من بنى تميم، قال الجاحظ: هو عمرو بن عبيد بن باب. وباب نفسه من سبى كابل؛ من سبى عبد الرحمن بن سمرة، وكان باب مولى لبنى العدويّة قال: وكان أبوه عبيد شرطيا، وكان عمرو متزهدا، فكانا إذا اجتازا معا على الناس قالوا: هذا شرّ الناس أبو خير الناس، فيقول عبيد: صدقتم؛ هذا إبراهيم، وأنا تارخ.
قال عليّ بن الجعد: وهو عبيد بن باب، وكان بوّابا للحكم بن أيوب، قال: وكان باب مكاريا، له دكّان معروف يقال له دكّان باب، وكان فارسيا، وللفرزدق معه خبر مشهور تركنا ذكره لشهرته وفحش فيه.
وذكر أبو الحسين الخيّاط أن مولد عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء جميعا فى سنة ثمانين، قال: ومات عمرو بن عبيد فى سنة مائة وأربع وأربعين؛ وهو ابن أربع وستين سنة.
روى أنّ عمرا استأذن على المنصور، فدخل عليه الربيع (٤) فقال له: بالباب رجل
_________________
(١) حاشية ت (من نسخة): «ممن دعاهم».
(٢) وانظر ترجمة واصل فى (معجم الأدباء ١٩: ٢٤٦ - ٢٤٧، وابن خلكان ٢: ١٧٠، وفوات الوفيات ٢: ٣٩٥ - ٣٩٦، ولسان الميزان ٦: ٢١٤ - ٢١٥، وعيون التواريخ وشذرات الذهب- وفيات سنة ١٣١).
(٣) ساقط من م.
(٤) هو الربيع بن يونس بن محمد، حاجب أبى جعفر المنصور، ووزيره بعد أبى أيوب المورياني. توفى سنة ١٧٠، (وانظر ترجمته وأخباره فى ابن خلكان ١: ١٨٥ - ١٨٦).
[ ١٦٩ ]
قال: إنى عمرو بن عبيد، وكانت على المنصور جبّة يمانية محقّقة (١)؛ فقال: ويلك يا ربيع! عمرو بالباب؟ قال: نعم، قال: هات لى قميصا أبيض، فأتاه به، فألقاه عليه، ثم قال: در من خلفى؛ فغط الجبة وازرر عليّ- قال الربيع: ولم أكن أرى أحدا يوقّره المنصور حتى رأيت عمرو بن عبيد- فدخل عليه رجل آدم مربوع الكدنة (٢)، بين عينيه أثر السجود، حسن الأدب، حسن اللسان؛ كأنه لم يزل مع الملوك فى توقيره للخليفة، وإعظامه إياه، قال:
فسلّم، فاجتذبه المنصور ليجلس معه فأبى، وطرح نفسه بين يديه، فساء له واحتفى (٣) به، فلما أراد عمرو القيام قال له: عظنى يا أبا عثمان وأوجز، قال له: إنّ ما فى يدك لست بوارثه عن أحد، وإنما هو شيء صار إليك، وقد كان فى يد غيرك قبلك، ولو دام لك لبقى فى يد الأول، والسلام. وروى الأصمعىّ قال: قال مطر الوراق لعمرو بن عبيد: إنى لأرحمك مما يقول الناس فيك، فقال عمرو: أتسمعني (٤) أقول فيهم شيئا؟ قال: لا، قال: فإياهم فارحم!
/ وقال خالد بن صفوان لعمرو بن عبيد: لم لا تأخذ منّى فتقضى دينا إن كان عليك، وتصل رحمك؟ فقال له عمرو: أما دين فليس عليّ، وأما صلة رحمى فلا يجب عليّ، وليس عندى. قال: فما يمنعك أن تأخذ منّى؟ قال: يمنعنى أنه لم يأخذ أحد من أحد شيئا إلّا ذلّ له، وأنا والله أكره أن أذلّ لك.
ويقال إن ابن لهيعة أتى عمرو بن عبيد فى المسجد الحرام، فسلّم عليه، وجلس إليه، وقال له يا أبا عثمان ما تقول فى قوله تعالى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ؛ [النساء: ١٢٩]؟ فقال: ذلك فى محبّة القلوب التى لا يستطيعها العبد ولم يكلّفها (٥)، فأما العدل بينهن فى القسمة من النفس والكسوة والنفقة فهو مطيق لذلك، وقد كلّفه بقوله
_________________
(١) حاشية الأصل: «محققة، يعنى أن نسبتها إلى اليمن صحيحة». وفى م: «محققة».
(٢) الكدنة: غلظ اللحم على الجسم.
(٣) حاشية ت (من نسخة): «وأحفى به».
(٤) ت: «أفسمعتني».
(٥) ت: «ولا تكلفها».
[ ١٧٠ ]
تعالى: فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فيما تطيقون فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ؛ بمنزلة من ليست أيّما، ولا ذات زوج. فقال ابن لهيعة: هذا والله هو الحق.
ويقال إن عمرو بن عبيد أتى يونس بن عبيد يعزّيه عن ابن له، فقال له: إن أباك كان أصلك، وإن ابنك كان فرعك، وإن امرأ ذهب أصله وفرعه لحرىّ أن يقلّ بقاؤه. وقيل إن عبد الله بن عبد الأعلى أخذ هذا المعنى فقال:
صحبتك قبل الرّوح إذ أنا نطفة تصان فما يبدو لعين مصونها
أرى المرء دينا للمنايا وما لها مطال إذا حلّت بنفس ديونها
فماذا بقاء الفرع من بعد أصله ستلقى الّذي لاقى الأصول غصونها
وأول من سبق إلى هذا المعنى امرؤ القيس فى قوله:
فبعض اللّوم عاذلتى فإنى ستغنينى التّجارب وانتسابى (١)
إلى عرق الثّرى وشجت عروقى وهذا الموت يسلبنى شبابى
وأخذ ذلك لبيد فى قوله:
فإن أنت لم تصدقك نفسك فانتسب لعلّك تهديك القرون الأوائل (٢)
فإن لم تجد من دون عدنان والدا ودون معدّ فلنزعك العواذل (٣)
/ وأخذه أيضا فى قوله:
تودّ ابنتاى أن يعيش أبوهما وهل أنا إلّا من ربيعة أو مضر! (٤)
ونظر إليه محمود الوارق وإبراهيم بن العباس الصولىّ؛ أما محمود ففى قوله:
إذا ما انتسبت إلى آدم فلم يك بينكما من أب
وجازت سنوك بك الأربعين وصرت إلى الجانب الأجنب
_________________
(١) ديوانه: ١٣٣.
(٢) ديوانه: ٨٨.
(٣) حاشية الأصل: «وجد بخط ابن السكيت ﵀: فلتزعك، ولتزعك (بضم الزاى فى الثانية وفتحها فى الأولى)؛ وهو من زاع يزوع بمعنى وزع، وفلترعك من الروع، ووزع من الكف».
(٤) ديوانه: ١: ٢٨.
[ ١٧١ ]
ودبّ البياض خلال السّواد فأصبحت فى شية الأشهب
وكيف تؤمّل طول الحياة إذا كان حلمك لم يعزب
وأما إبراهيم ففى قوله:
نعى نفسى إلى أبى وخبّر أين منقلبى (١)
لموعظة رآها فى أبيه كما رأيت أبى
وكأن أبا نواس لحظ هذا المعنى فى قوله:
وما النّاس إلّا هالك وابن هالك وذو نسب فى الهالكين عريق (٢)
إذا امتحن الدّنيا لبيب تكشّفت له عن عدوّ فى ثياب صديق
_________________
(١) ديوانه ١٦٨ - ١٦٩.
(٢) ديوانه: ١٩٢.
[ ١٧٢ ]