قال مهلهل بن ربيعة يرثى أخاه كليبا (٤):
_________________
(١) ف، حاشية ت (من نسخة): «عبادتاهما».
(٢) ت، ف: «بها.
(٣) حاشية ت (من نسخة): «التكرار».
(٤) من قصيدة مشهورة، مطلعها: أليلتنا بذى حسم أنيرى إذا أنت انقضيت فلا تحورى وهى فى (أمالى القالى ٢: ١٢٩ - ١٣٣) وفى حواشى الأصل، ت، ف: «قبل هذا البيت: وهمّام بن مرّة قد تركنا عليه القشعمان من النّسور
[ ١٢٣ ]
على أن ليس عدلا من كليب إذا طرد [اليتيم عن الجزور] (١)
على أن ليس عدلا من كليب إذا ما ضيم جيران المجير
على أن ليس عدلا من كليب إذا رجف العضاه من الدّبور (٢)
على أن ليس عدلا من كليب إذا خرجت مخبّأة الخدور
على أن ليس عدلا من كليب إذا ما أعلنت نجوى الأمور
على أن ليس عدلا من كليب إذا خيف المخوف من الثّغور
على أن ليس عدلا من كليب غداة تلاتل الأمر الكبير (٣)
على أن ليس عدلا من كليب إذا ما خام جار المستجير (٤)
وقالت ليلى الأخيليّة ترثى توبة بن الحميّر:
/ لنعم الفتى يا توب كنت إذا التقت صدور الأعالى واستشال الأسافل (٥)
ونعم الفتى يا نوب كنت ولم تكن لتسبق يوما كنت فيه تحاول (٦)
_________________
(١) حاشية الأصل (من نسخة): «اللئيم». وفى حواشى الأصل، ت، ف: «قال مهلهل فى هذه القطعة قبل هذا البيت مرثية أخيه؛ وهو الّذي ثارت لأجله حرب البسوس؛ وكان سبب تلك الحرب أن كليبا رمى ضرع ناقة البسوس، فانتظم ضرعها، فقتل كليب، وبقيت الحرب فيهم أربعين سنة، وكان فى أواخر تلك الحروب يوم التحلاق، وعلى أن ليس عدلا؛ يعنى: ليس همام عدلا من كليب؛ ويقال: عندى غلام عدل غلامك [بكسر العين] وهذا المال عدل غلامك [بالفتح]؛ أى قيمته؛ قال الفراء: العدل [بالفتح]: ما عادل الشيء من غير جنسه، والعدل [بالكسر] المثل».
(٢) رجف: تحرك حركة شديدة، والعضاه: كل شجر له شوك؛ وفى حاشية الأصل: «أى كان الزمان شتاء».
(٣) التلاتل: الشدائد، وفى ت، ف: «بلابل»، وفى الأصل ذكر الوجهان معا، وفى الحاشية: «البلابل: الفتن، والتلاتل: الشدائد، وفى شعره بالتاء».
(٤) خام: جبن، وفى نسخة بحواشى الأصل، ت، ف: «خار».
(٥) حاشية ت (من نسخة): «فى ديوانها: «العوالى»، وهى رواية ف أيضا.
(٦) ف، ونسخة بحاشيتى الأصل، ت: «تجاول»، وفى حواشى الأصل، ت، ف: «فى نسخة شعرها: ونعم الفتى يا توب كنت قديمة على الخيل تمريها ونعم المنازل وقديمة؛ أى مدة قديمة، ويجوز أن تكون قديمة بمعنى مقدامة. وتمريها، تحلبها الجرية.
[ ١٢٤ ]
ونعم الفتى يا توب كنت لخائف أتاك لكى يحمى ونعم المجامل (١)
ونعم الفتى يا توب جارا وصاحبا ونعم الفتى يا توب حين تفاضل (٢)
لعمرى لأنت المرء أبكى لفقده بجدّ ولو لامت عليه العواذل
[لعمرى لأنت المرء أبكى لفقده ويكثر تسهيدى له لا أوائل] (٣)
لعمرى لأنت المرء أبكى لفقده ولو لام فيه ناقص الرائى جاهل (٤)
لعمرى لأنت المرء أبكى لفقده إذا كثرت بالملحمين التلاتل (٥)
أبى لك ذمّ الناس يا توب كلما ذكرت أمور محكمات كوامل
أبى لك ذمّ الناس يا توب كلّما ذكرت سماح حين تأوى الأرامل
فلا يبعدنك الله يا توب إنّما لقيت حمام الموت والموت عاجل
ولا يبعدنك الله يا توب إنها كذاك المنايا عاجلات وآجل
ولا يبعدنك الله يا توب والتقت عليك الغوادى المدجنات الهواطل (٦)
فخرجت فى هذه الأبيات من تكرار إلى تكرار لاختلاف المعانى التى عددناها على نحو ما ذكرناه (٧).
_________________
(١) كذا فى الأصل، ف؛ وفى ت: «المحامل»، وفى حاشيتها: «المحامل؛ من الحمالة؛ وهى الدية».
(٢) ف، وحاشية ت (من نسخة): «تناضل»، وحاشية الأصل (من نسخة): تقاتل».
(٣) زيادة من م وحاشيتى ط، ف.
(٤) م: «ناقص العقل».
(٥) ت: «البلابل»، وفى حاشية ف: «الملتحم: الّذي أشرف على القتل؛ فكأنه جعل لحما، والتلاتل: جمع تلتلة، وهى مضاعف من الرباعي، يقال: تلة وتلتلة؛ كما يقال: كبة وكبكبة؛ قال تعالى: فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ، والتلاتل: الأمور العظام».
(٦) المدجنات: السحائب المظلمة، والهطلان: تتابع المطر والدمع.
(٧) حاشية ف: «فى الجليس والأنيس: من أعجب ما روى فى قصتهما أن ليلى الأخيلية بعد موت توبة تزوجت، ثم إن زوجها بعد ذلك مرّ بقبر توبة وليلى معه، فقال لها: يا ليلى؛ هل تعرفين هذا القبر؟ فقالت: لا، فقال: هذا قبر توبة فسلمى عليه، فقالت: امض لشأنك؛ فما تريد من توبة وقد بليت عظامه؟ -
[ ١٢٥ ]
وقال الحارث بن عباد-:
قرّبا مربط النّعامة منّى لقحت حرب وائل عن حيال (١)
ثم كرر قوله: «قرّبا مربط النعامة» فى أبيات كثيرة من القصيدة للمعنى الّذي ذكرناه.
وقالت ابنة عم للنعمان بن بشير ترثى زوجها:
وحدّثني أصحابه أنّ مالكا أقام ونادى صحبه برحيل
وحدّثني أصحابه أنّ مالكا ضروب بنصل السّيف غير نكول
وحدّثني أصحابه أنّ مالكا جواد بما فى الرّحل غير بخيل
وحدّثني أصحابه أنّ مالكا خفيف على الحدّاث غير ثقيل
وحدّثني أصحابه أنّ مالكا صروم كماضى الشّفرتين صقيل
وهذا المعنى أكثر من أن نحصيه. وهذا هو الجواب عن التكرار فى سورة المرسلات بقوله تعالى: فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ.
_________________
(١) قال: أريد تكذيبه؛ أليس هو الّذي يقول: ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت عليّ ودونى تربة وصفائح لسلّمت تسليم البشاشة أو زقا إليها صدى من جانب القبر صائح فو الله، لابرحت أو تسلمى عليه؛ فقالت: «السلام عليك يا توبة ورحمك الله، وبارك لك فيما صرت إليه؛ فإذا طائر قد خرج من القبر حتى ضرب صدرها، فشهقت شهقة فماتت، فدفنت إلى جانب قبره، فنبتت على قبره شجرة، وعلى قبرها شجرة، فطالتا والتفتا».
(٢) مربط؛ ضبطت بالقلم فى الأصل، بالفتح والكسر معا، وفى حاشية ف: «ما كان على فعل يفعل، بالضم فالمصدر والموضع منه مفعل بالفتح، وما كان على فعل يفعل بالكسر فالمصدر مفعل، بالفتح، والموضع مفعل، بالكسر، وما كان على يفعل بالفتح فكلاهما فيه بالفتح». وفى حاشية الأصل: «الحيال: ألا تحمل الناقة أو الفرس؛ يعنى أن الحرب لقحت بعد أن كانت لا تحمل». وقد ورد هذا البيت فى (أمالى القالى ٣: ٢٦)، وبعده: لم أكن من جناتها علم اللّ هـ وإنّى بحرّها اليوم صال قربا مربط النعامة منى إن بيع الكرام بالشّسع غال.
[ ١٢٦ ]
فإن قيل: إذا كان الّذي حسّن التكرار فى سورة الرحمن ما عدّده من آلائه، ونعمه فقد عدّد فى جملة ذلك ما ليس بنعمة، وهو قوله: يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ [آية: ٣٥]، وقوله: هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (١) [آية: ٤٣، ٤٤]. فكيف يحسن أن يقول بعقب هذا: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ وليس هذا من الآلاء والنعم؟ قلنا: الوجه فى ذلك أن فعل العقاب وإن لم يكن نعمة فذكره ووصفه والإنذار به من أكبر النعم، لأن فى ذلك زجرا عمّا يستحقّ به العقاب وبعثا على ما يستحق به الثواب، فإنما أشار بقوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ، بعد ذكر جهنم والعذاب فيها إلى نعمته بوصفها والإنذار بعقابها، وهذا مما لا شبهة (٢) فى كونه نعمة.