وشيبه بهذا المعنى خبر لبيد (٣) المشهور فى هجائه (٤) البقلة، التى امتحن بهجائها، واختبر بذمها، فقال فيها أبلغ ما يقال فى مثلها، وذلك أن عمارة وأنسا وقيسا والربيع بنى زياد العبسيين وفدوا على النعمان بن المنذر، ووفد
عليه العامريون بنو أم البنين (٥)، وعليهم أبو البراء عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب، وهو ملاعب الأسنّة، وكان العامريون ثلاثين رجلا،
_________________
(١) حواشى الأصل، ت، ف: «كان النظام شاعرا فصار متكلما، وبالعكس منه أبو نواس».
(٢) من نسخة بحاشية ت: «بعيد».
(٣) فى حاشيتى الأصل، ف: «كان لبيد صحابيا مخضرما، وبقى بعد رسول الله صلى الله عليه وآله زمانا، وكان مستبصرا حسن الطريقة، وكان لا يقول الشعر بعد إسلامه ويقول: عوضنى الله البقرة وآل عمران والمخضرم: الّذي أدرك الجاهلية والإسلام». وانظر الخبر ضمن ترجمة لبيد وذكر نسبه وأخباره فى (الأغانى ١٤ - ٩٠ - ٩٨، والخزانة ٤: ١١٧، ومجالس ثعلب ٤٤٩ - ٤٥٠، وشعراء النصرانية ٧٩٠، والعمدة ١: ٢٧، والحيوان ٥: ١٧٣).
(٤) من نسخة بحاشية ت: «وهجائه».
(٥) هى فاطمة بنت الخرشب الأنمارية؛ إحدى المنجبات من العرب؛ وكان يقال لبنيها الكملة؛ روى أن عبد الله بن جدعان لقيها وهى تطوف بالكعبة؛ فقال لها: نشدتك الله برب هذه البنية! أى بنيك أفضل؟ قالت: الربيع؛ لا بل عمارة؛ لا بل أنس؛ ثكلتهم إن كنت أدرى أيهم أفضل»، (وانظر الأغانى ١٦: ١٩).
[ ١٨٩ ]
وفيهم لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب، وهو يومئذ غلام له ذؤابة، وكان الربيع ابن زياد العبسىّ ينادم النعمان، ويكثر عنده، ويتقدم على من سواه، وكان يدعى الكامل، لشطاطه (١) وبياضه وكماله.
فضرب النعمان قبّة على أبى براء، وأجرى عليه وعلى من كان معه النّزل، فكانوا يحضرون النعمان لحاجتهم، فافتخروا يوما بحضرته، فكاد العبسيون يغلبون العامريين، وكان الربيع إذا خلا بالنعمان طعن فيهم، وذكر معايبهم؛ ففعل ذلك مرارا لعداوته لبنى جعفر؛ لأنهم كانوا أسروه، فصدّ النعمان عنهم حتى نزع القبة عن أبى براء، وقطع/ النّزل، ودخلوا عليه يوما فرأوا منه جفاء، وقد كان قبل ذلك يكرمهم، ويقدّم مجلسهم، فخرجوا من عنده غضابا، وهمّوا بالانصراف، ولبيد فى رحالهم يحفظ أمتعتهم، ويغدو بإبلهم فيرعاها، فإذا أمسى انصرف بها.
فأتاهم تلك الليلة وهم يتذاكرون أمر الربيع، فقال لهم: ما كنتم (٢) تتناجون؟ فكتموه، وقالوا له: إليك عنا، فقال: أخبرونى، فلعلّ لكم عندى فرجا، فزجروه، فقال: والله لا أحفظ لكم متاعا، ولا أسرح لكم بعيرا (٣) أو تخبرونى؟ وكانت أم لبيد عبسية فى حجر الربيع، فقالوا له: خالك قد غلبنا على الملك، وصدّ (٤) عنا وجهه، فقال: هل تقدرون أن تجمعوا بينى وبينه غدا حين يقعد الملك فأرجز به رجزا ممضّا مؤلما، لا يلتفت إليه النعمان بعده أبدا؟ قالوا له: وهل عندك ذلك؟ قال: نعم، قالوا: فإنّا نبلوك بشتم (٥) هذه البقلة- وقدامهم بقلة دقيقة القضبان، قليلة الورق،
لاصقة فروعها بالأرض، تدعى التّربة- فاقتلعها من الأرض وأخذها بيده، وقال: «هذه البقلة التّربة التّفلة الرذلة، التى لا تذكى نارا، ولا تؤهل دارا، ولا تستر جارا، عودها ضئيل، وفرعها ذليل، وخيرها قليل، بلدها شاسع ونبتها خاشع، وآكلها
_________________
(١) حاشية الأصل: «الشطاط هو استواء القامة وحسنها، والشطط: الخلاف والجدل».
(٢) حاشية الأصل: «مالكم».
(٣) من نسخة بحاشيتى ت: «إبلا».
(٤) حاشية ت (من نسخة): «وأصدعنا».
(٥) حاشية ت (من نسخة): «فاشتم».
[ ١٩٠ ]
جائع، والمقيم عليها قانع؛ أقصر البقول فرعا، وأخبثها مرعى وأشدها قلعا، فحربا (١) لجارها وجدعا! ألقوا بي (٢) أخا بنى عبس، أرجعه عنكم بتعس ونكس، وأتركه من أمره فى لبس». فقالوا له: نصبح ونرى فيك رأينا.
فقال لهم عامر: انظروا إلى غلامكم هذا، فإن رأيتموه نائما فليس أمره بشيء، إنما تكلّم بما جرى على لسانه، وإن رأيتموه ساهرا فهو صاحبكم، فرمقوه بأبصارهم، فوجدوه قد ركب رحلا يكدم واسطته؛ حتى أصبح فلما أصبحوا، قالوا: أنت والله صاحبه، فحلقوا رأسه، وتركوا له ذؤابتين، وألبسوه حلّة، وغدوا به معهم، فدخلوا على النعمان فوجدوه يتغدّى ومعه الربيع، ليس معه غيره، والدار والمجالس مملوءة، بالوفد فلما فرغ من الغداء أذن للجعفريين فدخلوا عليه، والربيع إلى جانبه، فذكروا للنعمان حاجتهم، فاعترض الربيع فى كلامهم، فقام لبيد: وقد دهن أحد شقّى رأسه، وأرخى إزاره، وانتعل نعلا واحدة- وكذلك/ كانت الشعراء تفعل فى الجاهلية إذا أرادت الهجاء- فمثل بين يديه، ثم قال:
يا ربّ هيجا هى خير من دعه (٣) إذ لا تزال هامتى مقزّعه
نحن بنى أمّ البنين الأربعة ونحن خير عامر بن صعصعه
المطعمون الجفنة المدعدعة (٤) والضّاربون إلهام تحت الخيضعة
_________________
(١) حاشية الأصل (من نسخة): «فحربا» [بفتح الراء]، وفى حاشية ت (من نسخة): «فخزيا».
(٢) حاشية ت (من نسخة): «فألقوا».
(٣) الأرجوزة فى ديوانه ١: ٧ - ٨، وقبل هذا البيت فى رواية ثعلب: * لا تزجر الفتيان عن سوء الرّعة* والرعة: حالة الأحمق التى رضى بها.
(٤) كذا فى ت، وفى الأصل، د ف: «المذعذعة» بالذال المعجمة. وفى حاشية الأصل: «حقه «المدعدعة» بالدال غير المعجمة؛ وهى المملوءة، والدعدعة تحريك المكيال ونحوه ليسع الشيء، ودعدعت الشيء ملأته، وجفنة مدعدعة أى مملوءة، قال لبيد أيضا يصف ماءين ألقيا من السيل: فدعدعا سرّة الرّكاء كما دعدع ساقى الأعاجم الغربا - والركاء: واد معروف، أما الذعدعة؛ فهو التفريق؛ ولم يسمع فى معنى الملء بالذال، والله أعلم».
[ ١٩١ ]
مهلا أبيت اللّعن لا تأكل معه إنّ استه من برص ملمّعه
وإنه يدخل فيها إصبعه يدخلها حتّى يوارى أشجعه
كأنه يطلب شيئا ضيّعه
فلما فرغ لبيد التفت النعمان إلى الربيع يرمقه شزرا، وقال: كذلك أنت؟ قال: كذب والله ابن الحمق اللئيم! فقال النعمان: أفّ لهذا الطعام، لقد خبّث عليّ طعامى! فقال الربيع: أبيت اللعن! أما إنى قد فعلت بأمه- لا يكنى، وكانت فى حجره- فقال لبيد: أنت لهذا الكلام أهل، أما إنها من نسوة غير فعل، وأنت المرء قال هذا فى يتيمته (١).
قال سيدنا أدام الله علوّه: وجدت فى رواية أخرى: أما إنها من نسوة فعل، وإنما قال ذلك لأنها كانت من قوم الربيع، فنسبها إلى القبيح، وصدّقه عليه تهجينا له ولقومه.
فأمر الملك بهم جميعا فأخرجوا، وأعاد على أبى براء القبة، وانصرف الربيع إلى منزله، فبعث إليه النعمان بضعف ما كان يحبوه به، وأمره بالانصراف إلى أهله، فكتب إليه: وأنى قد تخوّفت أن يكون قد وقع فى صدرك ما قال لبيد، ولست برائم حتى تبعث إلى من يجردنى، ليعلم من حضرك من الناس إنى لست كما قال، فأرسل إليه: إنك لست صانعا بانتفائك مما قال لبيد شيئا، ولا قادرا على ردّ ما زلّت به الألسن، فالحق بأهلك؛ ثم كتب إليه النعمان فى جملة أبيات جوابا عن أبيات (٢) كتبها إليه الربيع مشهورة:
_________________
(١) من نسخة بحاشيتى الأصل، ت: «ربيبته».
(٢) الأبيات برواية صاحب الأغانى: لئن رحلت جمالى إنّ لى سعة ما مثلها سعة عرضا ولا طولا بحيث لو وزنت لخم بأجمعها لم يعدلوا ريشة من ريش سمويلا ترعى الروائم أحرار البقول بها لا مثل رعيكم ملحا وغسويلا فابرق بأرضك يا نعمان متّكئا مع النّطاسىّ يوما وابن توفيلا.
[ ١٩٢ ]
قد قيل ذلك إن حقا وإن كذبا فما اعتذارك من شيء إذا قيلا! (١)
وأخبرنا بهذا الخبر أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدّثنا محمد بن الحسن بن دريد قال أخبرنا/ أبو حاتم عن أبى عبيدة، وأخبرنا به أيضا المرزبانىّ قال حدثنى محمد بن أحمد الكاتب قال:
حدثنا أحمد بن عبيد بن ناصح النحوىّ قال: أخبرنا محمد بن زياد بن زبّان عن الكلبىّ عن عبد الله بن مسلم البكّاوىّ (٢) - وكان قد أدرك الجاهلية.- وفى حديث كل واحد زيادة على الآخر، ولم نأت بجميع الخبر على وجهه، بل أسقطنا منه ما لم نحتج إليه، وأوردنا ما أوردنا منه بألفاظه.
قال سيدنا الشريف المرتضى أدام الله علوّه: أما قوله: «نحن بنى أم البنين» فإنه نصب على المدح، والعرب تنصب على المدح والذم جميعا. وأم البنين هى بنت عمرو بن عامر بن ربيعة ابن صعصعة، وكانت تحت مالك بن جعفر بن كلاب، فولدت له منه عامر بن مالك ملاعب الأسنّة، وطفيل بن مالك فارس قرزل، وهو أبو عامر بن الطّفيل، وقرزل فرس كانت له، وربيعة بن مالك أبا لبيد، وهو ربيع المقترين، ومعاوية بن مالك معوّد الحكّام، وإنما سمى معوّد الحكام بقوله:
أعوّد مثلها الحكّام بعدى إذا ما الحقّ فى الأشياع نابا
_________________
(١) البيت من مقطوعة ذكرها صاحب الأغانى؛ وهى: شرّد برحلك عنى حيث شئت ولا تكثر عليّ ودع عنك الأباطيلا فقد ذكرت بشيء لست ناسيه ما جاورت مصر أهل الشام والنيلا فما اتقاؤك منه بعد ما جزعت هوج المطىّ به نحو ابن سمويلا قد قيل ذلك إن حقّا وإن كذبا فما اعتذارك من قول إذا قيلا! فالحق بحيث رأيت الأرض واسعة وانشر بها الطرف إن عرضا وإن طولا.
(٢) حاشية الأصل (من نسخة): «البكائى».
[ ١٩٣ ]
وولدت عبيدة الوضّاح؛ فهؤلاء خمسة، وقال لبيد: «أربعة»، لأن الشعر لم يمكّنه من ذلك (١).
وأما الجفنة المدعدعة (٢) فهى المملوءة. وأما الخيضعة، فإن الأصمعىّ يذكر أن لبيدا قال: «تحت الخضعة»؛ يعنى الجلبة، فسوّته الرواة. وقيل: إن الخيضعة أصوات وقع السيوف، والخيضعة أيضا البيضة التى تلبس على الرأس، والخيضعة الغبار، والقول يحتمل كلّ ذلك.
وأما: «أبيت اللعن»، فإن أبا حاتم قال: سألت الأصمعىّ عنه فقال: معناه أبيت أن تأتى من الأمور ما تلعن عليه.
وأما: «الأشاجع»؛ فهى العروق والعصب الّذي على ظهر الكفّ.
وقد روى: * أكل يوم هامتى مقزّعة*
والقزع: تساقط بعض الشعر والصوف وبقاء بعضه، يقال: كبش أقزع ونعجة قزعاء.