إن سأل سائل فقال: ما وجه التّكرار فى سورة الكافرين، وما الّذي حسّن إعادة النفى لكونه عابدا ما يعبدون؛ وكونهم عابدين ما يعبد، وذكر ذلك مرة واحدة يغنى. وما وجه التكرار أيضا فى سورة الرحمن لقوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ؛ [سورة الرحمن]، الجواب، يقال له: قد ذكر ابن قتيبة فى معنى التّكرار فى سورة الكافرين وجها، وهو أن قال: القرآن لم ينزل دفعة واحدة؛ وإنما كان نزوله شيئا بعد شيء، والأمر فى ذلك ظاهر، فكأن المشركين أتوا النبي صلى الله عليه وآله فقالوا له: استلم (١) بعض أصنامنا حتى نؤمن بك؛ ونصدّق بنبوتك، فأمره الله تعالى بأن يقول لهم: لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ. وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ، ثم غبروا مدة من الزمان وجاءوه/ فقالوا له: اعبد بعض آلهتنا، واستلم بعض أصنامنا يوما أو شهرا أو حولا، لنفعل مثل ذلك بإلهك، فأمره الله تعالى بأن يقول لهم:
وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ؛ أى إن كنتم لا تعبدون إلهى إلا بهذا الشرط فإنكم لا تعبدونه أبدا.
وقد طعن بعض الناس على هذا التأويل بأن قال: إنه يقتضي شرطا وحذفا لا يدل عليه ظاهر الكلام، وهو شرطه فى قوله: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ؛ وإذا كان ما نفاه عن نفسه من عبادته ما يعبدون مطلقا غير مشروط، فكذلك ما عطفه عليه. وهذا الطعن غير صحيح، لأنه لا يمتنع إثبات شرط بدليل، وإن لم يكن فى ظاهر الكلام، ولا يمتنع
عطف المشروط على المطلق بحسب قيام الدلالة.
وعن هذا السؤال ثلاثة أجوبة؛ كلّ واحد منها أوضح مما ذكره ابن قتيبة.
_________________
(١) * لم يذكر فى الأصل، وأثبته عن ت.
(٢) حاشية ف: «من استلام الحجر، وهو التمسح، ويقال: استلأم الحجر، والأصل ترك الهمز» لأنه من السلمة؛ وهى الحجر؛ إلا أن استلأم الحجر جرى فى كلامهم مهموزا».
[ ١٢٠ ]
أولها ما حكى عن أبى العباس ثعلب أنه قال: إنما حسن التكرار؛ لأن تحت كلّ لفظة معنى ليس هو تحت الأخرى، وتلخيص الكلام: قل: يا أيها الكافرون: لا أعبد ما تعبدون الساعة وفى هذه الحال، ولا أنتم عابدون ما أعبد فى هذه الحال أيضا، فاختصّ الفعلان منه ومنهم بالحال، وقال من بعد: ولا أنا عابد ما عبدتم فى المستقبل، ولا أنتم عابدون ما أعبد فيما تستقبلون، فاختلف (١) المعانى وحسن التكرار لاختلافها، ويجب أن تكون السورة على هذا الجواب (٢) مختصة بمن المعلوم من حاله (٣) أنه لا يؤمن. وقد ذكر مقاتل وغيره أنها نزلت فى أبى جهل والمستهزئين، ولم يؤمن من الذين نزلت فيهم أحد؛ والمستهزءون هم: العاص ابن وائل السّهمىّ، والوليد بن المغيرة، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، وعدىّ ابن قيس.
والجواب الثانى وهو جواب الفراء أن يكون التكرار للتأكيد؛ كقول المجيب مؤكدا:
بلى بلى، والممتنع مؤكدا: لا لا؛ ومثله قول الله تعالى: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ. ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ؛ [التكاثر: ٢، ٣]، وأنشد الفراء:
وكائن وكم عندى لهم من صنيعة أيادى ثنّوها عليّ وأوجبوا
وأنشد أيضا:
كم نعمة كانت لكم كم كم وكم
وقال آخر:
/ نغق الغراب ببين لبنى غدوة كم كم وكم بفراق لبنى ينغق
[٤] وقال آخر:
_________________
(١) ط: «فاختلفت المعانى».
(٢) ساقطة من ط، م.
(٣) ساقطة من ت، م.
[ ١٢١ ]
أردت لنفسى بعض الأمور فأولى لنفسى أولى لها! (١)
والجواب الثالث- وهو أغربها- أننى لا أعبد الأصنام التى تعبدونها، ولا أنتم عابدون ما أعبد؛ أى: أنتم غير عابدين الله الّذي أنا عابده إذ أشركتم به، واتخذتم الأصنام وغيرها معبودة من دونه أو معه، وإنما يكون يكون عابدا له من أخلص له العبادة دون غيره، وأفرده بها؛ وقوله: وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ؛ أى لست أعبد عبادتكم، وما فى قوله: ما عَبَدْتُّمْ فى موضع المصدر كما قال تعالى: وَالْأَرْضِ وَما طَحاها: وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها؛ [الشمس: ٦، ٧]، أراد: وطحيه إياها وتسويته لها، وقوله تعالى: ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ؛ [غافر: ٧٥]، يريد: بفرحكم ومرحكم؛ قال الشاعر:
يا ربع سلّامة بالمنحنى بخيف سلع جادك الوابل (٢)
إن تمس وحشا فبما قد ترى وأنت معمور بها آهل (٣)
أراد فبرؤيتك معمورا آهلا، ومعنى قوله: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ، أى لستم عابدين عبادتى على نحو ما ذكرناه، فلم يتكرر الكلام إلا لاختلاف المعانى.
وتلخيص ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله قال للكفار لا أعبد آلهتكم، ومن تدعونه من دون الله، ولا أنتم عابدون إلهى، فإن زعمتم أنكم عابدون إلهى فأنتم كاذبون، إذ كنتم من غير الجهة التى أمركم بها تعبدونه، فأنا لا أعبد مثل عبادتكم، ولا أنتم ما دمتم على ما أنتم عليه تعبدون مثل عبادتى.
_________________
(١) حواشى الأصل، ت، ف: «أولى لك: كلمة تحذير، قال الأصمعىّ: معناه قاربك ما تكره، والولى: القرب، وقد وليه يليه. وقال ثعلب: أصح ما ذكر فى «أولى» قول الأصمعىّ، وقد قيل فيه غير ذلك، وكان محمد بن الحنفية ﵇ إذا مات جار له يقول: أولى لى! كدت أكون السواد المخترم».
(٢) المنحنى: حيث ينحنى السيل؛ أى يميل. والخيف: ما انحدر عن الجبل وارتفع عن المسيل، وبه سمى خيف متى. وسلع: يطلق على جملة مواضع فى ديار باهلة وأسد.
(٣) وحشا: خاليا، وبما ترى؛ أى بما كنت قد ترى، وآهل: ذو أهل؛ وفى حاشية ف: «وأنت معمور بها، يجوز أن يتعلق «بها» بمعمور وبآهل جميعا». وفى د، م: «به آهل».
[ ١٢٢ ]
فإن قيل: أما اختلاف المعبودين فلا شبهة فيه، فما الوجه فى اختلاف العبادة؟ قلنا:
إنه صلى الله عليه وآله كان يعبد من يخلص له العبادة ولا يشرك به شيئا، وهم يشركون، فاختلفت عباداتهما (١)، ولأنه أيضا كان يتقرّب إلى معبوده بالأفعال الشرعية التى تقع على وجه العبادة، وهم لا يفعلون تلك الأفعال، ويتقربون بأفعال غيرها، يعتقدون جهلا أنها عبادة وقربة.
/ فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ، وظاهر هذا الكلام يقتضي إباحتهم المقام على أديانهم؟ قلنا فى هذا ثلاثة أجوبة: أولها أن ظاهر الكلام وإن كان ظاهره إباحة فهو وعيد ومبالغة فى النهى والزجر؛ كما قال تعالى: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ؛ [فصلت: ٤٠]. وثانيها أنه أراد لكم جزاء دينكم، ولي جزاء دينى، فحذف الجزاء لدلالة الكلام عليه، وثالثها أنه أراد لكم جزاؤكم ولي جزائى؛ لأن نفس الدين هو الجزاء؛ قال الشاعر:
إذا ما لقونا لقيناهم ودنّاهم مثل ما يقرضونا
فأما التكرار فى سورة الرحمن فإنما حسن للتقرير بالنّعم المختلفة المعدّدة، فكلما ذكر نعمة أنعم بها قرّر عليها (٢)، ووبّخ على التكذيب بها؛ كما يقول الرجل لغيره: ألم أحسن إليك بأن خولتك الأموال! ألم أحسن إليك بأن خلّصتك من المكاره! ألم أحسن إليك بأن فعلت بك كذا وكذا! فيحسن منه التكرير (٣) لاختلاف ما يقرره به، وهذا كثير فى كلام العرب وأشعارهم