إن سأل سائل عن قوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ، وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ، وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا، وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ؛ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ؛ [البقرة: ١٧٧].
فقال: كيف ينفى كون تولية الوجوه إلى الجهات من البرّ، وإنما يفعل ذلك فى الصلاة، وهى برّ لا محالة؟ وكيف خبّر عن البرّ «بمن» والبرّ كالمصدر، و«من» اسم محض؟ وعن أىّ شيء كنّى بالهاء فى قوله تعالى: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ؟ وما المخصوص بأنها كناية عنه وقد تقدمت أشياء كثيرة؟ وعلى أىّ شيء ارتفع الْمُوفُونَ؟ وكيف نصب الصَّابِرِينَ، وهم معطوفون على الموفين؟ وكيف وحّد الكناية فى مواضع وجمعها فى أخر؟ فقال: مَنْ آمَنَ وآتَى الْمالَ وأَقامَ الصَّلاةَ، ثم قال:
وَالْمُوفُونَ، والصَّابِرِينَ؟ .
يقال له: فيما ذكرته أوّلا جوابان:
أحدهما أنّه أراد تعالى: ليس الصّلاة هى البرّ كلّه؛ لكنه ما عدّد فى الآية من ضروب الطاعات وصنوف الواجبات، فلا تظنوا أنكم إذا توجّهتم إلى الجهات بصلاتكم، فقد أحرزتم البرّ بأسره، وحزتموه بكماله، بل يبقى عليكم بعد ذلك معظمه وأكثره.
والجواب الثانى أن النّصارى لما توجّهوا إلى المشرق، واليهود إلى بيت المقدس، واتخذوا
[ ٢٠٠ ]
هاتين الجهتين قبلتين، واعتقدوا فى الصلاة إليهما أنهما/ برّ وطاعة خلافا على الرسول صلى الله عليه وآله أكذبهم الله تعالى فى ذلك، وبيّن أن ذلك ليس من البر، إذ كان منسوخا بشريعة النبي صلى الله عليه وآله؛ التى تلزم الأسود والأبيض، والعربى والعجمىّ، وأن البرّ هو ما تضمنته الآية.
فأما إخباره «بمن» ففيه وجوه ثلاثة:
أولها أن يكون معنى «البرّ» هاهنا البارّ وذا البرّ، وجعل أحدهما فى مكان الآخر؛ والتقدير:
ولكنّ البارّ من آمن بالله؛ ويجرى ذلك مجرى قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْرًا؛ [الملك: ٣٠]، يريد غائرا، ومثل قول الشاعر:
ترتع ما رتعت حتّى إذا ادّكرت فإنما هى إقبال وإدبار (١)
أراد أنها مقبلة مدبرة، ومثله:
تظلّ جيادهم نوحا عليهم مقلّدة أعنّتها صفونا (٢)
أراد نائحة عليهم، ومثله قول الشاعر:
هريقى من دموعهما سجاما ضباع (٣) وجاوبى نوحا قياما
والوجه الثانى أن العرب قد تخبر عن الاسم بالمصدر والفعل، وعن المصدر بالاسم، فأمّا إخبارهم عن المصدر بالاسم فقوله تعالى: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، وقول العرب: إنما البرّ الّذي يصل الرحم ويفعل كذا وكذا، وأما إخبارهم عن الاسم بالمصدر والفعل فمثل قول الشاعر:
لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللّحى ولكنّما الفتيان كلّ فتى ند (٤)
_________________
(١) البيت الخنساء؛ ديوانها: ٧٨، والكامل- بشرح المرصفى ٨: ١٧٦، واللسان ١٩: ١٣٥، وتاج العروس ٨: ٧٣، وخزانة الأدب ١: ١٣٨، وهو فى وصف بقرة وحشية، وقبله: فما عجول على بو تطيف به لها حنينان إصغار وإكبار.
(٢) البيت لعمرو بن كلثوم؛ من المعلقة- بشرح التبريزى: ٢١٧؛ وانظر ص ١٠٥ من هذا الجزء.
(٣) ضباع: اسم امرأة؛ وأصله: «ضباعة».
(٤) فى حاشيتى الأصل، ف: «مقرر-
[ ٢٠١ ]
فجعل «أن تنبت» وهو مصدر خبرا عن الفتيان.
والوجه الثالث أن يكون المعنى: ولكن البرّ برّ من آمن؛ فحذف البرّ الثانى، وأقام «من» مقامه؛ كقوله تعالى: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ؛ [البقرة: ٩٣]، أراد:
حبّ العجل، قال الشاعر:
وكيف تواصل من أصبحت خلالته كأبي مرحب (١)
أراد: كخلالة أبى مرحب؛ وقال النابغة:
/ وقد خفت حتّى ما تزيد مخافتى على وعل فى ذى المطارة عاقل (٢)
أراد على مخافة وعل. وتقول العرب: بنو فلان يطؤهم الطريق، أى أهل الطريق.
وحكى عن بعضهم: أطيب النّاس الزّبد، أى أطيب ما يأكل (٣) الناس الزّبد، وكذلك قولهم: حسبت صباحى زيدا، أى صباح زيد، وروى عن ابن عباس فى قوله تعالى:
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ؛ [النور: ٦١]، أى ليس على من أكل مع الأعمى حرج، وفى قوله تعالى: رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ، [الكهف: ٢٢]، وذكروا أنه كان راعيا تبعهم.
فأما من كنى عنه بالهاء فى قوله تعالى: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى ففيه وجوه أربعة:
_________________
(١) - فى الصناعة أن يكون المبتدأ والخبر هو هو؛ أو ما يقوم مقام ذلك ويجرى مجراه؛ وهو احتراز من قولك مثلا: أبو يوسف أبو حنيفة؛ يعنى يقوم مقامه؛ فإذا كان كذلك فالواجب أن يكون الجزءان من المبتدأ والخبر جثتين أو حدثين؛ حتى لا ينخرم هذا الأصل الّذي أصلوه؛ فإذا وجدت شيئا من ذلك قد اختلف فإنما هو على ضرب من الاحتمال والمجاز؛ كقولك: الهلال الليلة؛ لأن التقدير حدوث الهلال الليلة؛ كأن التقدير: حدوث الهلال وقع الليلة؛ فالواقع هو الحدوث، والحدوث هو الواقع. والبيت المستشهد به، التقدير فيه: لعمرك ما فتوة الفتيان، فخذف المضاف وأقام المضاف مقامه، والتقدير: ما فتوة الفتيان نبتة اللحى».
(٢) خلالته: مودته، وأبو مرحب كناية عن الظل، والبيت للنابغة الجعدى، وقبله: وبعض الأخلّاء عند البلا ء والرّزء أروغ من ثعلب وانظر اللسان (رحب).
(٣) ديوانه: ٦٤، ومعجم البلدان ٨: ٨٤. وذو المطارة: اسم جبل؛ وعاقل: متحصن، وفى حواشى الأصل، ت، ف: «يمكن أن تجعل «ما» فى البيت زيادة، والتقدير: حتى تزيد: ويمكن أن يكون على القلب؛ أى ما تزيد مخافة وعل على مخافتى؛ وهو كثير، والوعل: الضأن الوحشى».
(٤) حاشية ت (من نسخة): «ما أكل الناس».
[ ٢٠٢ ]
أولها: أن تكون الهاء راجعة على المال الّذي تقدم ذكره، ويكون المعنى: وآتى المال على حبّ المال، وأضيف الحب إلى المفعول، ولم يذكر الفاعل: كما يقول للقائل: اشتريت طعامى كاشتراء طعامك، والمعنى كاشترائك طعامك.
والوجه الثانى أن تكون الهاء راجعة إلى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، فيكون المصدر مضافا إلى الفاعل، ولم يذكر المفعول لظهور المعنى ووضوحه.
والوجه الثالث أن ترجع الهاء إلى الإيتاء الّذي دلّ آتَى عليه، والمعنى: وأعطى المال على حبّ الإعطاء، ويجرى ذلك مجرى قول القطامىّ:
هم الملوك وأبناء الملوك لهم (١) والآخذون به والسّاسة الأول (٢)
فكنّى بالهاء عن الملك، لدلالة قوله: «الملوك» عليه، ومثله قول الشاعر:
إذا نهى السّفيه جرى إليه وخالف والسّفيه إلى خلاف (٣)
أراد: جرى إلى السّفه الّذي دلّ ذكر السفيه عليه.
والوجه الرابع: أن تكون الهاء ترجع إلى الله تعالى؛ لأن ذكره تعالى قد تقدم، فيكون المعنى: وآتى المال على حبّ الله ذوى القربى واليتامى. فإن قيل: فأىّ فائدة فى ذلك، وقد علمنا الفائدة فى إيتاء المال مع محبته والضّنّ به، وأن العطية تكون أشرف وأمدح، فما الفائدة فيما ذكرتموه؟ وما معنى محبة الله، والمحبة عندكم هى الإرادة، والقديم تعالى لا يصح أن يراد؟ .
قلنا: أما المحبة عندنا فهى الإرادة، إلّا أنهم يستعملونها كثيرا مع حذف متعلّقها مجازا وتوسعا، فيقولون: فلان يحب زيدا، إذا أراد منافعه، ولا يقولون: زيد/ يريد عمرا؛ بمعنى
_________________
(١) حاشية ت (من نسخة): «هم».
(٢) جمهرة الأشعار: ٣١٦؛ وهو آخر قصيدته التى مطلعها: إنا محيّوك فاسلم أيّها الطّلل وإن بليت وإن طالت بك الطّول.
(٣) حاشية ت (من نسخة): «الخلاف». وحاشية الأصل (من نسخة): «اختلاف».
[ ٢٠٣ ]
أنه يريد منافعه، لأن التعارف جرى فى استعمال الحذف والاختصار فى المحبة دون الإرادة، وإن كان المعنى واحدا.
وقد ذكر أن لقولهم: زيد يحب عمرا مزية على قولهم: يريد منافعه، لأن اللفظ الأول ينبئ عن أنه لا يريد إلا منافعه، وأنه لا يريد شيئا من مضاره، والثانى لا يدلّ على ذلك، فحصلت له مزية؛ وعلى هذا المعنى نصف الله تعالى بأنه يحب أولياءه والمؤمنين من عباده؛ والمعنى فيه أنه يريد لهم ضروب الخير، من التعظيم والإجلال والنعم؛ فأما وصف أحدنا بأنه يحب الله تعالى فالمعنى فيه أنه يريد تعظيمه وعبادته والقيام بطاعته، ولا يصحّ المعنى الّذي ذكرناه فى محبة العباد بعضهم بعضا؛ لاستحالة المنافع عليه. ومن جوّز عليه تعالى الانتفاع لا يصحّ أيضا أن يكون محبّا له على هذا المعنى، لأنه باعتقاده ذلك قد خرج من أن يكون عارفا به، فمحبته فى الحقيقة لا تتعلّق به ولا تتوجه إليه؛ كما تقول فى أصحاب التشبيه: إنّهم إذا عبدوا من اعتقدوه إلها فقد عبدوا غير الله تعالى.
فأما الفائدة فى إعطاء المال مع محبة الله تعالى فهى ظاهرة؛ لأن إعطاء المال متى قارنته إرادة وجه الله وعبادته وطاعته استحقّ به الثواب، ومتى لم يقترن به ذلك لم يستحق الفاعل به ثوابا، وكان ضائعا. وتأثير ما ذكرناه أبلغ من تأثير حبّ المال والضّنّ به؛ لأن المحبّ للمال/ الضنين به متى بذله وأعطاه، ولم يقصد به الطاعة والعبادة والقربة لم يستحق به شيئا من الثواب؛ وإنما يؤثّر حبّه للمال فى زيادة الثواب؛ متى حصل ما ذكرناه من قصد القربة والعبادة، ولو تقرب بالعطية، وهو غير ضنين بالمال، ولا محبّ له لاستحقّ الثواب. وهذا الوجه لم نسبق (١) إليه فى هذه الآية، وهو أحسن ما قيل فيها.
وقد ذكر وجه آخر؛ وهو أن تكون الهاء راجعة إلى مَنْ آمَنَ أيضا، وينتصب ذوى القربى بالحبّ، ولا يجعل «لآتى» منصوبا لوضوح المعنى، ويكون تقدير الكلام:
وأعطى المال فى حال (٢) حبه ذوى القربى واليتامى، على محبّته إياهم؛ وهذا الوجه ليس فيه
_________________
(١) حاشية ت (من نسخة): «لم يسبق».
(٢) ت «على حبه»، وفى حاشية ت أيضا (من نسخة): «على حال حبه».
[ ٢٠٤ ]
مزية فى باب رجوع الهاء التى وقع عنها (١) السؤال، وإنما يتبين مما تقدم بتقدير انتصاب ذوى القربى بالحب، وذلك غير ما وقع السؤال عنه؛ والأجوبة الأول أقوى وأولى.
فأما قوله: وَالْمُوفُونَ، ففى رفعه وجهان:
أحدهما أن يكون مرفوعا على المدح؛ لأنّ النعت إذا طال وكثر رفع بعضه، ونصب بعضه على المدح؛ ويكون المعنى: وهم الموفون بعهدهم، قال الزجّاج: وهذا أجود الوجهين.
والوجه الآخر أن يكون معطوفا على مَنْ آمَنَ، ويكون المعنى: ولكنّ ذا البرّ وذوى البرّ المؤمنون والموفون بعهدهم.
فأما نصب الصَّابِرِينَ ففيه وجهان:
أحدهما المدح، لأن مذهبهم فى الصفات والنعوت إذا طالت أن يعترضوا بينها (٢) بالمدح أو الذم، ليميّزوا الممدوح أو المذموم ويفردوه، فيكون غير متبع لأول الكلام؛ من ذلك قول الخرنق بنت بدر بن هفّان:
لا يبعدن قومى الّذين هم سمّ العداة وآفة الجزر (٣)
النّازلين بكلّ معترك والطّيّبين معاقد الأزر
فنصبت ذلك على المدح، وربما رفعوهما جميعا، على أن يتبع آخر الكلام أوله؛ ومنهم من ينصب «النازلين» ويرفع «الطيبين»، وآخرون يرفعون «النازلين» وينصبون «الطيبين»؛ والوجه فى النصب والرفع ما ذكرناه، ومن ذلك قول الشاعر، أنشده الفراء:
إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة فى المزدحم
وذا الرّأى حين تغمّ الأمور بذات الصّليل وذات اللّجم
فنصب «ليث الكتيبة وذا الرأى» على المدح. وأنشد الفرّاء أيضا:
_________________
(١) ت وحاشية الأصل (من نسخة): «عنها».
(٢) ش، حاشية ت (من نسخة): «فيها».
(٣) ديوانها: ١٢، واللآلئ ٥٤٨، ونوادر أبى زيد ١٠٨، والكامل- بشرح المرصفى ٦: ١٥٨.
[ ٢٠٥ ]
فليت التى فيها النّجوم تواضعت على كلّ غثّ منهم وسمين
غيوث الحيا فى كلّ محل ولزبة أسود الشّرى يحمين كلّ عربن (١)
ومما نصب على الذم قوله:
سقونى الخمر ثمّ تكنّفونى عداة الله من كذب وزور (٢)
والوجه الآخر فى نصب: الصَّابِرِينَ أن يكون معطوفا على ذوى القربى، ويكون المعنى: وآتى المال على/ حبّه ذوى القربى والصابرين؛ قال الزجّاج: وهذا لا يصلح إلّا أن يكون وَالْمُوفُونَ رفع (٣) على المدح للمضمرين، لأن ما فى الصلة لا يعطف عليه بعد العطف على الموصول، وكان يقوى الوجه الأول.
وأما توحيد الذّكر فى موضع وجمعه فى آخر؛ فلأن مَنْ آمَنَ لفظه لفظ الوحدة، وإن كان فى المعنى للجميع (٤) فالذّكر الّذي أتى بعده موحّدا أجرى على اللفظ، وما جاء من الوصف بعد ذلك على سبيل الجمع مثل قوله تعالى: وَالْمُوفُونَ، وَالصَّابِرِينَ فعلى المعنى.
وقد اختلفت قراءة القرّاء (٥) السبعة فى رفع الراء ونصبها من قوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ، فقرأ حمزة وعاصم فى رواية حفص لَيْسَ الْبِرَّ بنصب الراء، وروى هبيرة عن حفص عن عاصم أنه كان يقرأ بالنصب والرفع، وقرأ الباقون بالرفع، والوجهان جميعا حسنان؛ لأنّ كلّ واحد من الاسمين: اسم ليس وخبرها معرفة، فإذا اجتمعا فى التعريف
_________________
(١) اللزبة: الشدة، والشرى: مأسدة بناحية الفرات.
(٢) البيت لعروة بن الورد، ديوانه: ٤٨؛ وهو فى (الكتاب ١: ٢٥٢)؛ من أبيات يصف فيها ما كان من فعل قوم امرأته حين احتالوا عليه وسقوه الخمر؛ حتى أجابهم إلى مفاداتها؛ وكانت سبية عنده؛ (وانظر الخبر والأبيات فى الأغانى ٣: ٧٥ - ٧٧ - طبعة دار الكتب المصرية).
(٣) ش، وحاشية ت (من نسخة): «رفعا».
(٤) من نسخة بحاشيتى ت، الأصل: «للجمع».
(٥) ت: «القراءة».
[ ٢٠٦ ]
تكافئا فى جواز كون أحدهما اسما والآخر خبرا؛ كما تتكافأ النكرات (١).
وحجة من رفع «البرّ» أنه: لأن يكون «البرّ» (٢) الفاعل أولى؛ لأنّه ليس يشبه الفعل، وكون الفاعل بعد الفعل أولى من كون المفعول بعده؛ ألا ترى أنّك إذا قلت: قام زيد، فإن الاسم يلى الفعل. وتقول: ضرب غلامه زيد، فيكون التقدير فى الغلام التأخير، فلولا أن الفاعل أخصّ بهذا الموضع لم يجز هذا؛ كما لم يجز فى الفاعل: ضرب غلامه زيدا، حيث لم يجز فى الفاعل تقدير التأخير؛ كما جاز فى المفعول به، لوقوع الفاعل موقعه المختص به.
وحجة من نصب «البرّ» أن يقول: كون الاسم أن وصلتها أولى لشبهها بالمضمر فى أنها لا توصف، كما لا يوصف المضمر؛ فكأنه اجتمع مضمر ومظهر؛ والأولى إذا اجتمعا أن يكون المضمر الاسم من حيث كان أذهب فى الاختصاص من المظهر.