قال الشريف المرتضى قدّس الله روحه: إن [سأل سائل عن قول الله تعالى] (١):
وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا. [الإسراء: ١٦].
فى هذه (٢) الآية وجوه من التأويل؛ كلّ منها يبطل الشبهة الدّاخلة على المبطلين فيها؛ حتى عدلوا بتأويلها عن وجهه، وصرفوه عن بابه.
أولها: أنّ الإهلاك قد يكون حسنا، وقد يكون قبيحا؛ فإذا كان مستحقّا أو على سبيل الامتحان كان حسنا، وإنما يكون قبيحا إذا كان ظلما؛ فتعلّق الإرادة به لا يقتضي تعلّقها به على الوجه القبيح، ولا ظاهر للآية (٣) يقتضي ذلك؛ وإذا علمنا بالأدلّة تنزّه القديم تعالى عن القبائح علمنا أنّ الإرادة لم تتعلّق إلا بالإهلاك الحسن؛ وقوله تعالى:
أَمَرْنا مُتْرَفِيها المأمور به محذوف؛ وليس يجب أن يكون المأمور به هو الفسق، وإن وقع بعده الفسق؛ ويجرى هذا مجرى (٤) قول القائل: أمرته فعصى، ودعوته فأبى.
والمراد أننى أمرته بالطّاعة، ودعوته إلى الإجابة والقبول.
ويمكن أن يقال على هذا الوجه: ليس موضع الشبهة ما تكلّمتم عليه؛ وإنما موضعها أن يقال: أىّ معنى لتقدّم الإرادة؟ فإن كانت متعلّقة بإهلاك مستحقّ بغير الفسق المذكور فى الآية فلا معنى لقوله تعالى: وَإِذا أَرَدْنا أَمَرْنا؛ لأن أمره بما يأمر به لا يحسّن إرادته
_________________
(١) ت، د، ف: «قال الله جل من قائل».
(٢) حاشية ت (من نسخة): «لهذه».
(٣) ش: «ولا ظاهر الآية».
(٤) ت، د، حاشية الأصل (من نسخة): «وإنما يجرى»، وفى حاشية الأصل أيضا (من نسخة أخرى): «وإنما هذا يجرى».
[ ١ ]
للعقاب المستحقّ بما تقدّم من الأفعال، وإن كانت الإرادة متعلّقة بالإهلاك المستحقّ بمخالفة الأمر المذكور فى الآية فهذا الّذي تأبونه، لأنه يقتضي أنه تعالى مريد لإهلاك من لم يستحقّ العقاب.
والجواب عن ذلك أنه تعالى لم يعلّق الإرادة إلّا بالإهلاك (١) المستحقّ بما تقدّم من الذنوب؛ والّذي حسّن قوله تعالى: وإذا أردنا أمرنا هو أنّ فى تكرار الأمر بالطاعة والإيمان إعذارا إلى العصاة، وإنذارا لهم، وإيجابا وإثباتا (٢) للحجّة عليهم/؛ حتى يكونوا متى خالفوا وأقاموا على العصيان والطّغيان بعد تكرار (٣) الوعيد والوعظ والإنذار ممّن يحقّ عليه القول، وتجب عليه (٤) الحجّة؛ ويشهد بصحة (٥) هذا التأويل قوله تعالى قبل هذه الآية: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا. [الإسراء: ١٥].
والوجه الثانى فى تأويل الآية أن يكون قوله تعالى: أَمَرْنا مُتْرَفِيها من صفة القرية وصلتها، ولا يكون جوابا لقوله تعالى: وَإِذا أَرَدْنا، ويكون تقدير الكلام:
وإذا أردنا أن نهلك قرية من صفتها أنّا أمرنا مترفيها ففسقوا فيها (٦)، وتكون «إذا» على هذا الجواب لم يأت لها
جواب ظاهر فى الآية، للاستغناء عنه بما فى الكلام من الدّلالة عليه (٧)؛ ونظير هذا قوله تعالى فى صفة الجنة: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ
_________________
(١) ت، ف: «بإهلاك مستحق».
(٢) ساقطة من ت، د، ف.
(٣) ت، د: «تكرر».
(٤) ساقطة من ف.
(٥) ت، ف: «لصحة».
(٦) فى ت، وحاشية الأصل: «ويكون كأنه قال تعالى: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً مأمورا مترفوها كررنا القول عليهم، وأعدنا الوعظ لهم، وأمرناهم ثانيا فَفَسَقُوا فِيها، فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ. والله أعلم بالمراد».
(٧) فى ت، ق، حاشية الأصل،: «يمكن أن يتمحل «لإذا» فى الآية جواب، وهو أن تجعل الفاء فى قوله تعالى: فَدَمَّرْناها زائدة، وتجعل «دمرنا» جوابا لإذا، ولا خلاف فى مورد الفاء زائدة فى كلام العرب؛ حكى ابن جنى عن أبى على قال: حكى أبو الحسن عنهم: «أخوك فوجد» بمعنى أخوك وجد. ومن ذلك قولهم: زيدا فاضربه، وعمرا فأكرم، وعلى هذا قوله تعالى: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ، ويكون معنى الآية على هذا إخبارا عن عزة الله تعالى وقدرته على جميع ما أراد تعالى. وحجة الفاء زائدة، فى بيت الكتاب: لا تجزعى إن منفسا أهلكته وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعى الفاء فى «فاجزعى» زائدة».
[ ٢ ]
لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ. وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ.
[الزمر: ٧٣ - ٧٤]، ولم يأت «لإذا» جواب فى طول الكلام للاستغناء عنه (١).
ويشهد أيضا بصحة (٢) هذا الجواب قول الهذلىّ:
حتّى إذا أسلكوهم (٣) فى قتائدة شلّا كما تطرد الجمّالة الشّردا (٤)
فحذف جواب إذا، ولم يأت به، لأن هذا البيت آخر القصيدة (٥).
والوجه الثالث: أن يكون ذكر الإرادة فى الآية مجازا أو اتساعا وتنبيها على المعلوم من حال القوم وعاقبة أمرهم، وأنهم متى أمروا فسقوا وخالفوا؛ وذكر الإرادة يجرى هاهنا مجرى قولهم: إذا أراد التاجر أن يفتقر أتته النوائب
من كل جهة، وجاءه الخسران من كل طريق، وقولهم: إذا أراد العليل أن يموت خلّط فى مآكله، وتسرّع إلى كل ما تتوق
_________________
(١) حاشية الأصل: «كأن التقدير: إذا جاءوها حضروها وفتحت؛ أوهموا بدخولها، وما أشبه ذلك، والله أعلم».
(٢) كذا فى الأصل، حاشية ت (من نسخة)؛ وفى ت، ف: «لصحة».
(٣) د، ف، حاشية ت (من نسخة): «سلكوهم». وسلك لغة فى أسلك، وأورده صاحب الكشاف بهذه الرواية عند تفسير قوله تعالى: فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ.
(٤) حواشى الأصل، ت، د، ف: «البيت لعبد مناف بن ربع الهذلى؛ فى آخر قصيدته التى أولها: ماذا يغير ابنتى ربع عويلهما لا ترقدان ولا بوسى لمن رقدا قتائدة: موضع، والجمالة: أصحاب الجمال، كالبغالة والحمارة، وانتصاب «شلا» على المصدر، ودل على فعل مضمر يحصل بظهوره جواب «حتى إذا سلكوهم» المنتظر، وتلخيصه: حتى إذا أسلكوهم هذا الموضع شلوهم شلا، يشبه طرد الشرد من الجمال إذا تزاحمت على الماء؛ وهذا كما يقال: طردوهم طرد غرائب الإبل. ومعنى أسلكوهم جعلوا لهم مسلكا، والسلك: إدخال شيء فى شيء تسلكه فيه، ومنه ما سَلَكَكُمْ. وروى أبو عبيدة: «الشرد» (بفتح الشين والراء)، وقال: تقول: إبل شرد وجلب وطرد». وانظر الكلام على هذا البيت فى (ديوان الهذليين ٢: ٤٢، وأدب الكاتب ٤٢٤، والاقتضاب ٤٠٢).
(٥) حاشية الأصل: «جواب الشرط جزء لا يتم المشروط دونه؛ فإذا حذف كان أهول للكلام، كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ الآية، وكقول القائل: لو رأيت عليا بصفين، وكقولهم: لو ذات سوار لطمتنى».
[ ٣ ]
إليه نفسه؛ ومعلوم أن التاجر لم يرد فى الحقيقة شيئا، ولا العليل (١) أيضا، لكن لمّا كان المعلوم من حال هذا الخسران، ومن حال هذا الهلاك حسن هذا الكلام، واستعمل ذكر الإرادة لهذا الوجه (٢). وكلام العرب وحى وإشارات واستعارات ومجازات (٣). ولهذه الحال كان كلامهم فى المرتبة العليا من الفصاحة؛ فإنّ الكلام متى خلا من الاستعارة (٤)، وجرى كلّه على الحقيقة كان بعيدا من الفصاحة، بريّا من البلاغة، وكلام الله تعالى أفصح الكلام.
/ والوجه الرابع: أن تحمل الآية على التّقديم والتأخير؛ فيكون تلخيصها: إذا أمرنا مترفى قرية بالطاعة فعصوا واستحقوا العقاب أردنا إهلاكهم؛ والتقديم والتأخير فى الشعر وكلام العرب كثير. ومما يمكن أن يكون شاهدا
لصحة هذا التأويل من القرآن قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ [المائدة: ٦]، والطهارة إنّما تجب قبل القيام إلى الصلاة، وقوله تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ [النساء: ١٠٢]، وقيام الطائفة معه يجب أن يكون قبل إقامة الصلاة؛ لأن إقامتها هى (٥) الإتيان بجميعها على الكمال.
فأما قراءة من قرأ الآية بالتّشديد فقال: أَمْرِنا (٦)، وقراءة من قرأها بالمدّ
_________________
(١) كذا فى الأصل، د، وحاشية ت (من نسخة)، وفى ت، ف: «المريض».
(٢) فى حاشيتى الأصل، ت: «تصوير المجاز فى الآية على أن التقدير: إذا قرب هلاك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا؛ وكذلك قولهم: إذ أراد المريض التقدير: إذا قرب موت المريض خلط، وكذلك التاجر إذا قرب افتقاره أتته النوائب؛ وهذا كقوله تعالى: فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ؛ أى يقرب أن ينقض؛ وإنما كنى بالإرادة عن القرب فى هذه المواضع لأن المريد للشيء، المخلى بينه وبينه- ولا مانع هناك- ما أقرب ما يقع مراده، والله أعلم».
(٣) حاشية الأصل: «الإرادة قد تستعمل فى الجماد فضلا عن العقلاء؛ كقوله تعالى: جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ؛ وكقول الراعى النميرى: فى مهمه قلقت به هاماتها قلق الفئوس إذا أردن نصولا.
(٤) كذا فى الأصل، وحاشية ت (من نسخة)، وفى ت: «وإن كان الكلام متى خلا من الاستعارة»، وفى ف: «فإن كان الكلام متى خلا من الاستعارات».
(٥) حاشية ت (من نسخة): «هو الإتيان».
(٦) هى قراءة شاذة، عن أبى عثمان النهدى، والليث عن أبى عمرو، وأبان عن عاصم. (وانظر القراءات الشاذة لابن خالويه ٧٥)
[ ٤ ]
والتخفيف فقال: أَمَرْنا (١) فلن يخرج معنى قراءتيهما عن الوجوه التى ذكرناها (٢)؛ إلا الوجه الأول؛ فإنّ معناه لا يليق إلا بأن يكون ما تضمنته الآية هو الأمر الّذي يستدعى به الفعل (٣).