إن سأل سائل عن قوله ﵎: وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ؛ [يوسف ١٨].
فقال: كيف وصف الدم بأنه كذب، والكذب من صفات الأقوال لا من صفات الأجسام؟
وأىّ معنى لوصفه الصبر بأنّه جميل؟ ومعلوم أنّ صبر يعقوب ﵇ على فقد ابنه يوسف لا يكون إلا جميلا؟ ولم ارتفع الصبر؟ وما المقتضى لرفعه؟
والجواب، يقال له: أمّا الْكَذِبَ فمعناه أنه مكذوب فيه وعليه، مثل قولهم: هذا ماء سكب وشراب صبّ؛ يريدون مصبوبا ومسكوبا؛ ومثله: ماء غور، ورجل صوم، وامرأة نوح (١)، قال الشاعر:
تظلّ جيادهم نوحا عليهم مقلّدة أعنّتها صفونا (٢)
أراد بقوله: «نوحا» أى نائحة عليهم، ومثله: ما لفلان معقول؛ يريدون عقلا، وما له على هذا الأمر مجلود، يريدون جلدا (٣)، قال الشاعر:
_________________
(١) * ورد هذا العنوان فى ت، ف، ولم يرد فى سائر الأصول.
(٢) فى حاشيتى الأصل، ف: «الوصف بالمصدر يفيد قوة ذلك الفعل؛ كقولهم: رجل صوم؛ يعنى أنه لكثرة صومه كأنه صار بكليته صوما، ومن ذلك: ماء سكب وصب».
(٣) صفونا: جمع صافن؛ والصافن من الخيل: القائم على ثلاث قوائم، وقد أقام الرابعة على طرف الحافر، والبيت لعمرو بن كلثوم، من المعلقة، وروايته فيها: تركنا الخيل عاكفة عليه مقلّدة أعنّتها صفونا (وانظر المعلقات- بشرح التبريزى: ٢١٧).
(٤) فى حاشيتى الأصل، ف: «بين السيد ﵁ أنه كما يكون بمعنى المفعول؛ فقد يكون المفعول بمعنى المصدر؛ وهما متداخلان فى هذا المعنى؛ فإذا كان المفعول بلفظ المصدر فلأن المفعول الحقيقى هو المصدر، ألا ترى أنك إذا قلت: ضربت زيدا ففعلك على الحقيقة هو الضرب لا زيدا، وإذا جاء المصدر بمعنى الفاعل فلأنه سبب له؛ والفعل له طرفان: أحدهما إلى المفعول، والآخر إلى الفاعل».
[ ١٠٥ ]
/ حتّى إذا لم يتركوا لعظامه لحما ولا لفؤاده معقولا
وأنشد أبو العباس ثعلب:
قد والّذي سمك السّماء بقدرة بلغ العزاء وأدرك المجلود
وقال الفرّاء وغيره: يجوز فى النحو: «بدم كذبا» بالنصب على المصدر؛ لأنّ جاؤُ فيه معنى كذبوا كذبا، كما قال تعالى: وَالْعادِياتِ ضَبْحًا [العاديات: ١] فنصب ضبحا (١) على المصدر؛ لأن العاديات بمعنى الضابحات، وإنما كان دما مكذوبا فيه؛ لأن إخوة يوسف [ذبحوا سخلة، ولطخوا قميص يوسف بدمها، وجاءوا أباهم بالقميص، وادّعوا أكل الذئب له، فقال لهم يعقوب] (٢): يا بنيّ، لقد كان هذا الذئب رفيقا حين أكل ابنى، ولم يخرّق قميصه؛ قالوا: بل قتله اللصوص، قال: فكيف قتلوه وتركوا قميصه، وهم إلى قميصه أحوج منهم إلى قتله! . وقد قيل: إنه كان فى قميص يوسف ثلاث آيات: حين قد قميصه من دبر، وحين ألقى على وجه أبيه فارتد بصيرا، وحين جاءوا عليه بدم كذب؛ فتنبه أبوه على أنّ الذئب لو أكله لخرّق قميصه (٣).
وو أما وصف الصبر بأنه جميل، فلأن الصبر قد يكون جميلا وغير جميل، وإنما يكون جميلا إذا قصد به وجه الله، وفعل للوجه الّذي وجب، فلما كان فى هذا الموضع واقعا على الوجه المحمود صحّ وصفه بذلك. وقد قيل إنه أراد صبرا لا شكوى فيه ولا جزع، ولو لم يصفه بذلك لظنّ مصاحبة الشكوى أو الجزع له. وأما ارتفاع قوله: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ فقد قيل إن المعنى: فشأنى صبر جميل، أو الّذي أعتقده صبر جميل (٤). وقال قطرب: معناه فصبرى صبر جميل؛ وأنشدوا:
_________________
(١) الضبح: صوت يسمع من جوف الفرس حال العدو.
(٢) ت: «يوسف ﵇».
(٣) فى حاشيتى ت، ف: «قال السيد المرتضى ﵁: وقد قرئ: بِدَمٍ كَذِبٍ وهو الدم المسفوح».
(٤) فى حاشيتى ت، ف: «يجوز أن يكون «صبر» مبتدأ وخبره محذوف، ويحتمل أن يكون «صبر» مبتدأ و«جميل» خبره»، وفى حاشية ف أيضا: «وهو وإن كان نكرة يقوم مقام المعرفة؛ وذلك أن أى صبر كان فهو المراد».
[ ١٠٦ ]
شكا إلى جملى طول السّرى يا جملى ليس إلى المشتكى
الدّرهمان كلّفانى ما ترى (١) صبر جميل فكلانا مبتلى
معناه: فليكن منك صبر جميل. وقد روى أن فى قراءة أبىّ: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ بالنصب، وذلك يكون على الإغراء (٢)، والمعنى فاصبرى يا نفس صبرا جميلا، قال ذو الرّمة:
ألا إنما ميّ- فصبرا- بليّة وقد يبتلى الحرّ الكريم فيصبر (٣)
وقال الآخر:
أبى الله أن تبقى لحىّ بشاشة فصبرا على ما شاءه الله لى صبرا