قال الله تعالى (١): وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥].
وقد ظنّ قوم من غفلة الملحدين وجهّالهم أن الجواب عمّا سئل عنه فى هذه الآية لم يحصل، وأن الامتناع منه إنما هو لفقد العلم به، وأن قوله تعالى: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا تبكيت وتقريع لم يقعا موقعهما؛ وإنما هو (٢) على سبيل المحاجزة والمدافعة عن الجواب.
وفى هذه الآية وجوه من التّأويل تبطل ما ظنّوه، وتدلّ على ما جهلوه؛ أولها:
أنّه تعالى إنما عدل عن جوابهم لعلمه بأنّ ذلك ادعى لهم إلى الصلاح فى الدّين، وأن الجواب لو صدر منه إليهم لازدادوا فسادا وعنادا؛ إذ كانوا بسؤالهم متعنّتين (٣) لا مستفيدين؛ وليس هذا بمنكر؛ لأنّا نعلم فى كثير من الأحوال ممن (٤) يسألنا عن الشّيء أنّ العدول عن جوابه أولى وأصلح فى تدبيره.
وقد قيل إن اليهود قالت لكفار قريش: سلوا محمدا؛ عن الرّوح فإن أجابكم فليس بنبىّ؛ وإن لم يجبكم فهو نبىّ؛ فإنّا نجد فى كتبنا (٥) ذلك؛ فأمره الله بالعدول عن ذلك ليكون علما له ودلالة على صدقه، وتكذيبا لليهود الرادّين عليه؛
وهذا جواب أبى عليّ محمد بن عبد الوهاب الجبّائىّ (٦).
_________________
(١) * ف: «مجلس ثان»، وفى حاشيتى الأصل، ف: «هذا المجلس مما افتتح به الكتاب، على ما وجد فى بعض النسخ».
(٢) ف: «إن سأل سائل عن قوله تعالى».
(٣) ف: «هما».
(٤) فى ت، حاشية الأصل (من نسخة): «معنتين»، وفى حاشية ف: «أعنت: أتى بالعنت».
(٥) فى ت، حاشية الأصل (من نسخة): «فيمن».
(٦) حاشية ت (من نسخة): «كتابنا».
(٧) حاشية ف: «أبو على من قرية يقال-
[ ١١ ]
وثانيها أن القوم إنما سألوه عن الرّوح: هل هى محدثة مخلوقة أو ليست (١) كذلك؟
فأجابهم إنها من أمر ربى، وهو جوابهم عما سألوه (٢) عنه بعينه؛ لأنّه لا فرق بين أن يقول فى الجواب: إنها محدثة مخلوقة، وبين قوله إنها من أمر ربّى؛ لأنه إنما أراد أنها من فعله وخلقه، وسواء على هذا الجواب أن تكون الرّوح التى سألوا عنها هى التى بها قوام الجسد أم عيسى ﵇، أم جبرئيل صلى الله عليه. وقد سمّى الله تعالى جبرئيل روحا، وعيسى أيضا مسمّى بذلك فى القرآن.
وثالثها أنهم سألوا عن الرّوح الّذي هو القرآن، وقد سمّى الله القرآن روحا فى مواضع من الكتاب؛ وإذا كان السؤال عن القرآن فقد وقع الجواب موقعه، لأنه قال لهم:
الروح (٣) الّذي هو القرآن من أمر ربّى، ومما (٤) أنزله على نبيه صلى الله عليه؛ ليجعله دلالة وعلما على صدقه، وليس من فعل المخلوقين، ولا ممّن يدخل فى إمكانهم؛ وهذا جواب الحسن البصرىّ.
ويقويه قوله/ تعالى بعد هذه الآية: وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ، ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا. [الإسراء: ٨٦]. فكأنّه قال تعالى: إن القرآن من أمرى وفعلى (٥) وممّا أنزلته علما على نبوّة رسولى، ولو شئت لرفعته وأزلته وتصرّفت فيه؛ كما يتصرّف الفاعل فيما يفعله.
_________________
(١) - لها جباء؛ وهى من رستاق كارور من ناحية الأهواز، ويقال لأهل هذه الناحية الربعيون؛ لأنهم كانوا استنفروا ليقاتلوا الحسين ﵇، فجاءوا وقد فرغ من أمره، فطلبوا الأجرة، فقال ابن زياد: إنكم لم تبلوا بلاء، وأعطى كل واحد منهم ربع دينار. قال دامت أيامه: أخبرنى بذلك العراقى العلوى البصرى». وكانت وفاة أبى على هذا فى سنة ٣٠٦. (وانظر ترجمته فى ابن خلكان: ٤٨٠ - ٤٨١).
(٢) ف، حاشية الأصل (من نسخة): «أم ليست».
(٣) ت، ف: «سألوا عنه».
(٤) حاشية الأصل (من نسخة): «إن الروح».
(٥) ش: «وما أنزله».
(٦) حاشية الأصل: «ليس فى الآية دليل على قوله: " وفعلى"؛ كتب هذا الشيخ عبد الرحيم البغدادى ﵀ على حواشى نسخة السيد الإمام».
[ ١٢ ]