روى محمد بن الحنفيّة رحمة الله عليه عن أبيه أمير المؤمنين ﵇ قال: كان قد كثّر على مارية القبطيّة أم إبراهيم فى ابن عم لها قبطىّ كان يزورها، ويختلف إليها، فقال لى النبي صلى الله عليه وآله: «خذ هذا السيف وانطلق، فإن وجدته عندها فاقتله». قلت:
يا رسول الله، أكون فى أمرك إذا أرسلتنى كالسّكّة (١) المحمّاة، أمضى لما أمرتنى، أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟ فقال لى النبي صلى الله عليه وآله: «بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب». فأقبلت متوشّحا (٢) بالسيف، فوجدته عندها، فاخترطت السيف، فلما أقبلت نحوه عرف أنى أريده، فأتى نخلة فرقى إليها، ثم رمى بنفسه على قفاه، وشغر برجليه، فإذا إنه أجبّ أمسح، ماله ممّا للرجال قليل ولا كثير، قال: فغمدت السيف ورجعت إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبرته، فقال: «الحمد لله الّذي يصرف (٣) عنّا أهل البيت».
قال سيدنا الشريف المرتضى أدام الله علوّه: فى هذا الخبر أحكام وغريب، ونحن نبدأ بأحكامه، ثم نتلوها بغريبه.
فأول ما فيه أن لقائل أن يقول: كيف يجوز أن يأمر الرسول ﵇ بقتل رجل على التّهمة (٤) بغير بينة ولا ما يجرى مجراها؟ والجواب عن ذلك أن القبطىّ جائز أن يكون من أهل/ العهد الذين أخذ عليهم أن تجرى فيهم (٥)
أحكام المسلمين، وأن يكون الرسول ﵇ تقدم إليه بالانتهاء عن الدخول إلى مارية، فخالف وأقام على ذلك، وهذا نقض للعهد، وناقض
_________________
(١) فى حاشيتى الأصل، ف: «السكة: الحديدة التى تكون على طرف آلة الفدان، والفدان آلة الأكرة».
(٢) توشحت بالسيف؛ إذا تقلدته.
(٣) حاشية ت من نسخة: «صرف»، ود: «صرف عنا الرجس أهل البيت»، وط، م: «يصرف عنا الرجس أهل البيت».
(٤) فى حواشى الأصل، ت، ف: «التهمة؛ بالتحريك هو الصحيح».
(٥) حاشية ت (من نسخة): «عليهم».
[ ٧٧ ]
العهد من أهل الكفر مؤذن بالمحاربة؛ والمؤذن بها مستحقّ للقتل.
فأما قوله: «بل [الشاهد يرى ما لا يرى الغائب] (١)» فإنما عنى به رؤية العلم لا رؤية البصر لأنه لا معنى فى هذا الموضع لرؤية البصر، فكأنه عليه وآله السلام قال: بل الشاهد يعلم؛ ويصحّ له من وجه الرأى والتدبير ما لا يصحّ للغائب؛ ولو لم يقل ذلك لوجب قتل الرجل على كل حال، وإنما جاز منه ﵊ أن يخيّر بين قتله والكفّ عنه، ويفوض الأمر فى ذلك إلى أمير المؤمنين ﵇ من حيث لم يكن قتله من الحدود والحقوق، التى لا يجوز العفو عنها، ولا يسع إلا إقامتها، لأن ناقض العهد ممّن إلى الإمام القائم بأمر (٢) المسلمين إذا قدر عليه قبل التوبة أن يقتله، أو أن يمنّ عليه.
ومما فيه أيضا من الأحكام اقتضاؤه أن مجرد أمر الرسول صلى الله عليه وآله لا يقتضي الوجوب، لأنه لو اقتضى ذلك لما حسنت مراجعته ولا استفهامه؛ وفى حسنها ووقوعها موقعها دلالة (٣) على أنها لا تقتضى ذلك.
ومما فيه أيضا من الأحكام دلالته على أنه لا بأس بالنظر إلى عورة الرجل عند الأمر ينزل فلا يوجد من النظر إليها بدّ إمّا لحدّ يقام، أو لعقوبة تسقط، لأن العلم بأنه أمسح أجبّ لم يكن إلا عن تأمّل ونظر، وإنما جاز التأمل والنظر لتبيين: هل هو ممّن يكون منه ما قرف به أولا، والواجب على الإمام فيمن شهد عليه بالزنا، وادّعى أنه مجبوب أن يأمر بالنظر إليه، وتبيين أمره، وبمثله أمر النبي صلى الله عليه وآله فى قتل مقاتلة بنى قريظة، لأنه أمر أن ينظروا إلى مؤتزر، وكلّ من أشكل عليهم أمره، فمن وجدوه قد أنبت قتلوه، ولولا جواز النظر إلى العورة عند الضرورة لما قامت شهادة الزنا؛ لأن من رأى رجلا مع امرأة واقعا عليها متى لم يتأمل أمرهما حقّ التأمل لم تصحّ
شهادته، ولهذا قال النبي
_________________
(١) حاشية ت (من نسخة): «بل لا يرى الشاهد ما يرى الغائب».
(٢) حاشية ت (من نسخة): «بأمور».
(٣) ط: «وفى حسنها ووقعها دلالة ..»، م: «وفى حسنها ووقعها موقعها».
[ ٧٨ ]
صلى الله عليه وآله لسعد بن عبادة، وقد سأله عمّن وجد مع امرأته رجلا، أيقتله؟ / فقال صلى الله عليه وآله: لا، حتى يأتى بأربعة شهداء، ولو لم يكن للشهداء إذا حضروا تعمّد النظر إلى عورتيهما لإقامة الشهادة كان حضورهم كغيبتهم، ولم تقم شهادة الزّنا؛ لأن من شرطها مشاهدة العضو فى العضو كالميل فى المكحلة.
فإن قيل: كيف جاز لأمير المؤمنين الكفّ عن القتل، ومن أى جهة آثره لما وجده أجبّ، وأىّ تأثير لكونه أجبّ فيما استحقّ به القتل وهو نقض العهد؟ قلنا: إنه ﵇ لما فوّض إليه الأمر فى القتل والكفّ كان له أن يقتله على كلّ حال، وإن وجده أجبّ؛ لأنّ كونه بهذه الصفة لا يخرجه من نقض العهد، وإنما آثر الكفّ الّذي كان إليه، ومفوّضا إلى رأيه، لإزالة التهمة والشك الواقعين فى أمر مارية، ولأنه أشفق من أن يقتله، فيتحقّق الظنّ ويلحق بذلك العار، فرأى ﵇ أن الكفّ أولى لما ذكرناه.
فأمّا غريب الحديث (١) فقوله: «شغر [برجليه» يريد رفعهما] (٢)، وأصله فى وصف الكلب إذا رفع رجله للبول، فأما نكاح الشّغار (٣) - وقد قيل الشّغار بالفتح- فهو أن يزوّج الرجل من هو ولىّ لها من بنت أو أخت غيره، على أن يزوجه بنته أو أخته بغير مهر. وكان أحد العرب فى الجاهلية يقول للآخر: شاغرنى؛ أى زوّجنى حتى أزوّجك؛ وأظنه مأخوذا من الشّغر الّذي هو رفع الرجل، لأن النكاح فيه معنى الشّغر، فسمّى هذا العقد شغارا ومشاغرة، لإفضائه فى كل واحد من المزوّجين (٤) إلى معنى الشّغر، وصار اسما لهذا النكاح كما قيل فى الزنا سفاح، لأن الزانيين يتسافحان الماء، أى يسكبانه، والماء هو النّطفة، ويمكن أن يكون أيضا الماء الّذي يغتسلان به، فكنّى بذلك عن الزناء (٥) ثم صار اسما له وعلما عليه.
_________________
(١) حاشية ت (من نسخة): «الخبر».
(٢) حاشية ت (من نسخة): «برجليه يريد رفعهما».
(٣) ت، ف: «الشغار، بالكسر».
(٤) ت، ف: «المتزوجين».
(٥) حاشية ف: «الزنا والزناء كلاهما صحيح».
[ ٧٩ ]
ومن الشّغر الّذي هو رفع الرجل قول زياد لابنة معاوية، وكانت عند ابنه، فافتخرت يوما عليه، وتطاولت، فشكاها إلى أبيه زياد، فدخل عليها بالدّرّة يضربها، ويقول لها أشغرا وفخرا! وأما قول الفرزدق:
شغّارة تقذ الفصيل برجلها فطّارة لقوادم الأبكار (١)
/ فإنه من غريب شعره، وفسره قال: معنى «شغارة» أنها ترفع رجلها للبول، وقوله: «تقذ الفصيل برجلها»، أى تركله وتدفعه عن الدنوّ إلى الرّضاع، ليتوفّر اللبن على الحلّب، وأراد «بتقذه» (٢)، أى تبالغ فى إيلامه وضربه، ومنه الموقوذة (٣)؛ فأما قوله: «فطّارة لقوادم الأبكار»، فالفطر هو الحلب بثلاث أصابع، والقوادم هى الأخلاف، وإنما خصّ الأبكار بذلك؛ لأنّ صغر أخلافها يمنع من حلبها ضبّا (٤)، والضبّ هو الحلب بالأصابع الأربع (٥)؛ فكأنه لا يمكن فيها لقصر أخلافها إلا الفطر؛ ومعنى البيت تعييره نساء جرير بأنهنّ راعيات، وذلك مما تعيّر به العرب النساء؛ ألا ترى إلى قوله قبل هذا البيت:
كم عمّة لك يا جرير وخالة فدعاء قد حلبت عليّ عشارى (٦)
كنا نحاذر أن تضيع لقاحنا ولها إذا سمعت دعاء يسار (٧)
ثم تلا ذلك بقوله: شغارة
قال سيدنا المرتضى أدام الله علوه: وعندى أن قوله «شغّارة» كناية عن رفع رجلها للزنا، وهو أشبه بأن يكون مراده فى هذا الموضع، ألا ترى أنه قد وصفها بالوله، وترك
_________________
(١) ديوانه ٢: ٤٥٢.
(٢) ف حاشية ت (من نسخة): «تقذ».
(٣) فى حاشيتى الأصل، ف: «الموقوذة: الشاة التى يرميها الراعى بالعصا فتموت».
(٤) حاشية الأصل (من نسخة): «ضفا؛ والضعف هو الحلب».
(٥) م: «الأربع كلها».
(٦) فى حاشيتى الأصل، ف. «الفدع: اعوجاج فى الزند، وعلى تتعلق بمحذوف، كأنه قال: متخففة عليّ، أو قائمة عليّ»، والعشار: جمع عشراء؛ وهى الناقة التى أتى عليها من وضعها عشرة أشهر».
(٧) فى حاشيتى الأصل، ف: «اللقاح: جمع لقحة؛ وهى الناقة الحديثة العهد بالنتاج».
[ ٨٠ ]
حفظ اللّقاح عند سماعها دعاء يسار؛ ويسار اسم لراع؛ فكأنه قد وصفها بالوله إلى الزّنا والإسراع إليه، وترك حفظ ما استحفظته من اللّقاح؛ فالأشبه أن يكون قوله: «شغّارة» - مع كونه عقيب البيت الّذي ذكرناه- محمولا على ما أشرنا إليه.
فأما قولهم: ذهبوا شغر بغر فليس من هذا فى شيء وإنما يراد به أنهم ذهبوا متفرّقين متشتتين، ومثله ذهبوا عباديد وعبابيد، وشعاليل وشعارير وأيادى (١) سبا؛ كلّ ذلك بمعنى واحد.
وأما قوله: «فإذا أنه أجبّ»، فيعنى به المقطوع الذكر؛ لأن الجبّ هو القطع؛ ومنه بعير أجبّ إذا كان مقطوع السّنام: وقد ظن بعض من تأول هذا الخبر أن الأمسح هاهنا هو القليل لحم الألية، كالأرصع والأرسح والأزلّ (٢)، وهذا غلط، لأن الوصف بذلك لا معنى له فى الخبر، وإنما أراد تأكيد الوصف له بأنه/ أجبّ، والمبالغة فيه، لأن قوله: «أمسح» يفيد أنه مصطلم (٣) الذّكر، ويزيد على معنى أجبّ زيادة ظاهرة.