روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «إنّ أحبّ الأعمال إلى الله ﷿ أدومها (٢) وإن قلّ؛ فعليكم من الأعمال بما تطيقون؛ فإنّ الله لا يملّ حتّى تملوا».
وفى وصفه (٣) - ﵇- الله تعالى بالملل وجوه أربعة:
أوّلها أنه أراد نفى الملل عنه، وأنه لا يملّ أبدا، فعلّقه بما لا يقع على سبيل التبعيد كما قال الله تعالى: وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ؛ [الأعراف ٤٠].
وقال الشاعر:
فإنّك سوف تحكم أو تناهى (٤) إذا ما شبت أو شاب الغراب (٥)
_________________
(١) د، ف، وحاشية ت (من نسخة): «عليهم».
(٢) فى حاشيتى الأصل، ف: «كان فى الأصل المقروء على المصنف «أدومها» [بضم الواو] والمعروف أدومها [بفتح الواو]».
(٣) ف، وحاشية ت (من نسخة): «فى صفته».
(٤) حاشية الأصل: «تناهى: تبلغ الشيخوخة».
(٥) حواشى الأصل، ت، ف: «البيت للنابغة الذبيانى، وقبله: فإنّ يك عامر قد قال جهلا فإنّ مطيّة الجهل الشّباب يهجو عامر بن الطفيل، يقول: هو معذور فإنه شاب، ثم قال: سوف تحكم إذا شخت؛ أو لعلك لا تحكم أبدا؛ حتى يشيب الغراب، وذلك لا يكون أبدا» وتحكم، أى تصير حكيما، وفعل، بضم العين: يجيء لما يدخل على الإنسان فيصير كالطبع؛ كقولك: سفه يسفه سفاهة، ولم يكن سفيها فسفه. وتحكم من حكم يحكم [بضم الكاف] حكمة؛ إذا صار حكيما». وانظر الديوان: ١٤ - ١٥.
[ ٥٥ ]
أراد أنك لا تحكم أبدا. فإن قيل: ومن أين قلتم: إن ما علقه به لا يقع حتى حكمتم بأنه أراد نفى الملل على سبيل التأبيد؟ قلنا: معلوم أنّ الملل لا يشمل البشر فى جميع آرابهم (١) وأوطارهم، وأنهم لا يعرون من حرص ورغبة وأمل وطمع، فلهذا جاز أن يعلّق ما علم تعالى أنه لا يكون بمللهم.
والوجه الثانى أن يكون المعنى أنه لا يغضب عليكم ويطرحكم حتى تتركوا العمل له، وتعرضوا عن سؤاله، والرغبة فى حاجتكم إلى جوده؛ فسمّى الفعلين مللا؛ وإن لم يكونا على الحقيقة كذلك؛ على مذهب العرب فى تسميتها الشيء باسم غيره إذا وافق معناه فى بعض الوجوه، قال عدىّ بن زيد العبادىّ:
ثمّ أضحوا لعب الدّهر بهم وكذاك الدّهر يؤدى بالرّجال (٢)
وقال عبيد بن الأبرص الأسدىّ:
سائل بنا حجر ابن أمّ قطام إذ ظلّت به السّمر الذّوابل تلعب (٣)
فنسبا اللّعب إلى الدهر والقنا تشبيها؛ وقال ذو الرّمة:
وأبيض موشيّ القميص نصبته على خصر مقلات سفيه جديلها (٤)
فسمّى اضطراب زمامها، وشدة تحركه سفها؛ لأن السفه فى الأصل هو الطيش وسرعة الاضطراب/ والحركة، وإنما وصف ناقته بالذكاء والنشاط. فأما قوله: «وأبيض موشيّ القميص» فإنما عنى به سيفه، وقميصه: جفنه، والمقلات: الناقة التى لا يعيش لها ولد.
والوجه الثالث أن يكون المعنى أنه تعالى لا يقطع عنكم فضله وإحسانه حتى تملّوا من سؤاله، ففعلهم ملل على الحقيقة، وسمّى فعله تعالى مللا، وليس بملل على الحقيقة للازدواج
_________________
(١) حاشية الأصل: «آرابهم: جمع أرب؛ وهو الحاجة».
(٢) البيت فى (الأغانى ٢: ٣٣)؛ وفى حاشية الأصل: «أودى، إذا هلك».
(٣) ديوانه: ٦؛ والرواية فيه: «السمر النواهل».
(٤) ديوانه ٥٥٣، وفى حاشيتى الأصل، ف: «الجديل: زمام من الأديم».
[ ٥٦ ]
ومشاكلة اللفظين (١) فى الصورة، وإن اختلفا فى المعنى، ومثل هذا قوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ؛ [البقرة: ١٩٤]، وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها؛ [الشورى: ٤٠]. ومثله قول الشاعر- وهو عمرو بن كلثوم التغلبىّ.
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا (٢)
وإنما أراد المجازاة على الجهل، لأن العاقل لا يفخر بالجهل ولا يتمدّح به.
والوجه الرابع أن يكون الراوى وهم وغلط من الضمّ (٣) إلى الفتح: وأن يكون قوله «يملّ» بالضمّ لا بالفتح، وعلى هذا يكون له معنيان: أحدهما أنه لا يعاقبكم بالنار حتى تملوا عبادته (٤) وتعرضوا عن طاعته، لأن الملّة هى مشتوى الخبز؛ يقال: ملّ الرجل الخبزة (٥) وغيرها يملّها ملّا إذا اشتواها فى الملّة. وقيل: إنّ الجمر لا يقال له ملّة حتى يخالطه رماد؛ والمعنى الثانى أن يكون أراد أنّه لا يسرع إلى عقابكم (٦)، بل يحلم عنكم ويتأنّى بكم حتى تملّوا حلمه، وتستعجلوا عذابه، بركوبكم المحارم وتتابعكم (٧) فى المآثم (٨).
***
_________________
(١) ت، وحاشية ف (من نسخة): «اللفظتين».
(٢) من المعلقة ص ٢٣٨ بشرح التبريزى.
(٣) فى الأصل: «فى الفتح إلى الضم»، وفى ت، د، ف: «من الفتح إلى الضم»، والتصويب من حواشى الأصل، ت، ف.
(٤) ت، د، ف: «من عبادته».
(٥) الخبزة: العجينة توضع فى الملة حتى تنضج، وفى حاشية الأصل (من نسخة): «الخبز».
(٦) من نسخة بحاشيتى الأصل، ت: «رفقا بكم».
(٧) فى حاشيتى الأصل، ف: «التتابع: التمادى فى الشر؛ يقال: تتابع فى الخير، وتتابع فى الشر».
(٨) حاشية ف: «قيل فى هذا الخبر إن معناه أن الله لا يمل وإن تملوا؛ ومثله قول الراجز: نحن بنى ضبّة لا نفرّ حتى نرى جماجما تخرّ يريد: لا نفر وإن خرت جماجمنا؛ أى لا نفر أصلا. وقول الشاعر فى بعض الروايات: ولم تشاركك عندى بعد غانية لا والّذي أصبحت عندى له نعم حتى أمرّ على الشّقراء معتسفا خلّ النقا بمروح لحمه زيم فسر ذلك على أنه لم يشاركك لا وهو حتى أمرّ على الشقراء، ولا يريد أنه إذا حل ذلك الموضع شاركتك غانية».
[ ٥٧ ]