/ فى الحديث أن قيس بن عاصم قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: «هذا سيّد أهل الوبر»؛ فقلت: يا رسول الله، ما المال الّذي ليست عليّ فيه تبعة من طالب ولا ضيف؟ فقال ﵇: «نعم المال أربعون، والكثر ستون، وويل لأصحاب المئين! إلا من أعطى الكريمة، ومنح الغزيرة (٤)، ونحر السّمينة، فأكل وأطعم القانع والمعترّ» - وفى رواية أخرى: «إلا من أعطى من رسلها، وأطرق فحلها، وأفقر ظهرها، ومنح غزيرتها، وأطعم القانع والمعترّ»؛ قلت: يا رسول الله: ما أكرم هذه الأخلاق وأحسنها! إنه لا يحلّ بالوادى الّذي فيه إبلى من كثرتها. فقال: «فكيف (٥) تصنع فى العظيمة» (٦)؟
قلت: أعطى البكر، وأعطى الناب. قال: «فكيف تصنع فى المنحة؟»، قلت: إنى لأمنح المائة. قال: «فكيف (٥) تعطى الطّروقة؟»، قلت: يغدو الناس بإبلهم فلا يورّع
_________________
(١) هذا البيت ورد فى ت، وحاشية ف.
(٢) حاشية ف: «معنى الإغراء أن يغريه القائل بالتزام الّذي أشار إليه؛ كقولهم: عليك به».
(٣) ديوانه: ٢٢٥.
(٤) الغزيرة كثيرة اللبن.
(٥) ت، د، حاشية ف (من نسخة): «كيف».
(٦) ف، حاشية الأصل (من نسخة) «العطية».
[ ١٠٧ ]
رجل عن جمل يخطمه (١) فيمسكه ما بدا له، حتى يكون هو الّذي يردّه. وفى الرواية الأخرى قال:
«فكيف تصنع فى الإطراق؟»، قلت: يغدو الناس فمن شاء أن يأخذ برأس بعير ذهب به.
قال: «فكيف تصنع فى الإفقار؟»، قلت: إنى لأفقر الناب المدبرة والضّرع (٢) الصغيرة، قال: «فكيف تصنع فى المنيحة؟» قلت: إنى لأمنح فى السنة المائة، قال: «فمالك أحبّ إليك أم مال مواليك؟» (٣)، قلت: لا، بل مالى، قال: «فإنّ مالك ما أكلت فأفنيت، وأعطيت فأمضيت». وفى الرواية الأخرى: «ولبست فأبليت، وسائره لمواليك»، قلت:
لا جرم! والله لئن رجعت لأقلّنّ عددها. فلما حضره الموت جمع بنيه فقال: يا بنيّ خذوا عنى، فإنكم لن تأخذوا عن أحد هو أنصح لكم منى، لا تنوحوا عليّ فإن رسول الله صلى الله عليه وآله لم ينح عليه، وقد سمعته ينهى عن النياحة، وكفّنونى فى ثيابى التى كنت أصلّي فيها، وسوّدوا أكابركم، فإنكم إذا سوّدتم أكابركم لم يزل لأبيكم فيكم خليفة، وإذا سوّدتم أصاغركم هان أكابركم على الناس، وزهدوا فيكم، وأصلحوا من (٤) عيشكم؛ فإن فيه غنى عن طلب إلى الناس، وإياكم والمسألة؛ فإنها آخر (٥) كسب المرء، وإذا دفنتمونى فأخفوا قبرى عن بكر بن وائل، فقد كانت بيننا خماشات فى الجاهلية، فلا آمن سفيها منهم أن يأتى/ أمرا يدخل عليكم عيبا (٦) فى أبيكم (٧).
_________________
(١) ت، وحاشية ف (من نسخة): «يختطمه.
(٢) رواية ابن الأثير فى النهاية (ضرع): إنى لأفقر البكر الضرع، والناب المدبر، أى أعيرهما للركوب؛ يعنى الجمل الضعيف، والناقة الهرمة».
(٣) حاشية ف: «المولى من يليك؛ من ابن العم والمعتق؛ ويليك؛ أى يقريك، وأصل الولى القرى.
(٤) م: «وأصلحوا عيشكم»، وحاشية ف (من نسخة): «وأصلحوا من أمر عيشكم».
(٥) ف، ونسخة بحاشيتى الأصل، ت «أخس».
(٦) من نسخة بحاشيتى ت، ف: «عيثا».
(٧) الخبر بهذه الرواية فى (الفائق ٣: ١٣٥)، وفى رواية أخرى فيه أيضا: «وإذا مت فغيبوا قبرى من بكر بن وائل، فإنى كنت أناوشهم فى الجاهلية- وروى: أهاوشهم- وروى أغاولهم».
[ ١٠٨ ]
فأما قوله: «الكثر ستّون» فمعناه الكثير، تقول العرب: نسأل الله الكثر، ونعوذ به من القلّ؛ أى نسأله الكثير، ونعوذ به من القليل؛ وقال الشاعر:
فإنّ الكثر أعيانى قديما ولم أقتر لدن أنّى غلام (١)
وقال الآخر:
وقد يقصر القلّ الفتى دون همّه وقد كان لولا القلّ طلّاع أنجد (٢)
والكريمة، يعنى بها كرائم ماله. و«أمنح الغزيرة»، أى أعطيها من يحلبها ويردّها، ومن ذلك الحديث: «العارية مؤدّاة، والمنحة (٣) مردودة، والزعيم [غارم، والدّين مقضىّ] (٤)» فالمنحة الناقة أو الشاة يدفعها الرجل إلى من يحلبها وينتفع بلبنها ثم يردها عليه، والزعيم:
الكفيل، ويقال له أيضا القبيل (٥) والصّبير والحميل، ومنه قوله تعالى: وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ؛ [يوسف: ٧٢]، قال الشاعر:
فلست بآمر فيها بسلم ولكنّى على نفسى زعيم (٦)
وقال آخر:
قلت كفّى لك رهن بالرّضا فازعمى يا هند قالت قد وجب (٧)
معناه اكفلى، ويروى: «فاقبلى»، من القبيل الّذي هو الكفيل أيضا.
_________________
(١) البيت فى اللسان (كثر)، ونسبه إلى رجل من ربيعة، وفى حاشيتى ت، ف: «أى لم أكن قبل مكثرا ولا مقترا، يصف حاله بالتوسط، والإقتار: الفقر».
(٢) البيت فى اللسان (قلل، ونسبه إلى خالد بن علقمة الدارمىّ، وأنشد قبله: ويل أمّ لذّات الشّباب معيشه مع الكثر يعطاه الفتى المتلف النّدى.
(٣) حاشية ت (من نسخة): «المنيحة»، وهى والمنحة بمعنى.
(٤) حاشية ت (من نسخة): «والدين مقضى، والزعيم غارم».
(٥) القبيل: الكفيل والعريف، وقد قبل يقبل قبالة؛ أى يكفل.
(٦) حاشية ف: «معناه لا أملك إلا نفسى».
(٧) البيت لعمر بن أبى ربيعة؛ وهو فى ديوانه ٣٧٨، وفى حاشية ف: «أى ضمنت وحلفت على نفسى ألا أجاوز رضاك، فافعلى مثله».
[ ١٠٩ ]
وقال الفرّاء: القانع هو الّذي يأتيك فيسألك؛ فإن أعطيته قبل، والمعترّ: الّذي يجلس عند الذبيحة، ويمسك عن السؤال، كأنّه يعرّض فى المسألة ولا يصرّح بها، يقال قنع الرجل قناعة إذا رضى، وقنع قنوعا إذا سأل.
فأما قوله: «لا جرم» فقال قوم: معنى جرم كسب، وقالوا فى قوله تعالى: لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ [النحل: ٦٢]، أنّ «لا» ردّ على الكفار، ثم ابتدأ فقال: جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ بمعنى كسب قولهم أنّ لهم النار، وقال الشاعر:
نصبنا رأسه فى رأس جذع بما جرمت يداه وما اعتدينا (١)
أى: بما كسبت. وقال آخرون: معنى «جرم» حقّ، وتأول الآية بمعنى حقّق قولهم أن لهم النار؛ وأنشدوا:
ولقد طعنت أبا عيينة طعنة جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا
أراد: حقّقت فزارة، وروى الفرّاء «فزارة»، بالنصب على معنى كسبت (٢) الطعنة فزارة الغضب/، وقال الفراء: لا جرم فى الأصل مثل لا بدّ، ولا محالة، ثم استعملته العرب فى معنى حقا، وجاءت فيه بجواب الأيمان، فقالوا: لا جرم لأقومنّ؛ كما قالوا: والله لأقومنّ، وفيها لغات، يقال: لا جرم، ولا جرم، بضم الجيم وتسكين الراء، ولا جر، بحذف الميم، ولا ذا جرم؛ قال الشاعر:
إنّ كلابا والدى لا ذا جرم (٣) لأهدرنّ اليوم هدرا فى النّعم (٤)
* هدر المعنّى (٥) ذى الشّقاشيق اللهم (٦) *
_________________
(١) البيت فى اللسان (جرم)، ونسبه إلى أبى أسماء بن الضريبة.
(٢) د: «أكسبت».
(٣) البيت فى اللسان (جرم) من غير عزو.
(٤) لأهدرن: لأصوتن؛ من الهدير، وهو تردد صوت البعير فى حنجرته.
(٥) حاشية ت (من نسخة): «المغنى».
(٦) حواشى الأصل، ت، ف: المعنى: الّذي يدخل العنة من الإبل؛ وهى الحظيرة؛ وذلك أن الفحل اللئيم إذا هاج حبس حتى لا يضرب فى النوق الكرام، ومنه قول الوليد بن عقبة: قطعت الدهر كالسّدم المعنّى تهدّر فى دمشق فلا تريم -
[ ١١٠ ]
والناب: الناقة الهرمة، وجمعها نيب، ومثلها الشارف، قال الشاعر:
لا أفتأ الدّهر أبكيهم بأربعة ما اجترّت النّيب أو حنّت إلى بلد (١)
ويقال للبعير أيضا إذا كبر عوذ، وللأنثى عودة، قال الشاعر:
عود على عود من القدم الأول يموت بالتّرك ويحيا بالعمل (٢)
وهذا من أبيات المعانى، ومعناه بعير عود على طريق متقادم، وسمّى الطريق بأنه عود لتقادمه تشبيها بالبعير، وقوله:
* يموت بالترك ويحيا بالعمل*
أراد أنه إذ سلك وطرق ظهرت أعلامه، ووضحت طرقه، واهتدى سالكه لسلوكه، ولم يضلّ عن قصده، فكان هذا كالحياة له، وإذا لم يسلك طمست آثاره، وامّحت (٣) معالمه، فلم يهتد فيه راكب لقصد، وكان ذلك كالموت له.
فأما «الخماشات» فهى الجنايات والجراحات،: قال ذو الرّمة يذكر الحمار والأتن:
رباع لها مذ أورق العود عنده خماشات ذحل ما يراد امتثالها (٤)
_________________
(١) وأصله «المعنن»؛ فقلبت إحدى النونات ياء، كقولك: تغنيت، وفى التنزيل: وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها، والشقاشق: جمع شقشقة؛ وهى كالرئة تخرج من فم البعير إذا هاج واغتلم، واللهم: الّذي يلتهم كل شيء؛ أى يبتلع، وفرس لهم: سريع؛ كأنه يلتهم الأرض.
(٢) فى حاشيتى الأصل، ف: لا أفتأ؛ أى لا أزال أبكيهم بأربعة؛ أى بأربعة شئون؛ وهى مجارى الدمع من الدماغ؛ ومثله قول الآخر: * جودى بأربعة على الجرّاح* وقيل بأربعة آماق من موق العين، واجترت: إذا أكلت الجرة». والجرة: ما يخرجه البعير من بطنه ليبتلعه.
(٣) البيتان فى اللسان (عود)، ونسبهما إلى بشير بن النكث.
(٤) من نسخة بحاشيتى ت، ف: «أنهجت»؛ أى بليت.
(٥) ديوانه: ٥٣٣؛ وفى حاشيتى ت، ف: «الرباع من الغنم ما له أربع سنين، ومن الحافر ماله خمس سنين، ومن الخف ماله سبع سنين والجمع ربع، وقد أربع».
[ ١١١ ]
يريد بقوله: «ما يراد امتثالها»، أى ما يراد اقتصاصها، يقال: أمثلنى من هذا الرجل، وأقدنى وأقصّنى بمعنى واحد.
فأما قوله: «لا يورّع»، أى لا يحبس، ولا يمنع، يقال ورّعت الرجل توريعا إذا منعته وكففته، والورع هو المتحرج (١) المانع نفسه مما تدعوه إليه، يقال ورع ورعا ورعة؛ قال لبيد:
أكلّ يوم هامتى مقزّعه (٢) لا يمنع الفتيان من حسن الرّعة (٣)
ويقال: ما ورّع أن فعل كذا وكذا، أى ما كذب (٤)، فأما الورع بالفتح فهو الجبان.
وأما الطّروقة/ فهى التى قد حان لها أن تطرق، وهى الحقّة. وقوله فى الرواية الأخرى «إلا من أعطى من رسلها» فالرّسل اللبن. والإفقار: هو أن يركبها الناس، ويحملهم على ظهورها، مأخوذ من فقر الظهر، والإطراق: للفحول هو أن يبذلها لمن ينزيها على إناث إبله. وذكر الإطراق فى هذه الرواية أحبّ إلى من الطّروقة لأنه قد تقدم من قوله: «إنه يعطى الناب والبكر والضرع والمائة» فلا معنى لإعادة ذكر الطّروقة. وقوله فى الجواب «يغدو الناس فلا
يورّع رجل عن جمل يخطمه فيمسكه قائدا له (٥) ثم يردّه» لا يحتمل غير الإطراق، ولا يليق بمعنى الطّروقة.