روى عن النبي ﵌ أنّه قال: «من تعلّم القرآن ثم نسيه لقى الله تعالى وهو أجذم».
قال أبو عبيد القاسم بن سلّام (٤) مفسّرا لهذا الحديث فى كتابه غريب الحديث: الأجذم:
المقطوع اليد، واستشهد بقول المتلمّس (٥):
وما كنت إلا مثل قاطع كفّه بكفّ له أخرى فأصبح أجذما
وقد خطّأ عبد الله بن مسلم بن قتيبة (٦) أبا عبيد فى تأويله هذا الخبر وقال: الأجذم وإن
_________________
(١) هى قراءة شاذة أيضا، عن خارجة عن نافع؛ (وانظر المصدر السابق).
(٢) حاشية الأصل: «قوله أمرنا، بالتشديد: كثرنا، وآمرنا، بالتخفيف: جعلناهم أمراء؛ وإن شئت فالعكس من ذلك، والصحيح العكس».
(٣) ت، د، حاشية الأصل (من نسخة): «يستدعى به إلى الفعل».
(٤) هو أبو عبيد القاسم بن سلام، اللغوى الفقيه المحدث، ولد بهراة، ثم ذهب إلى بغداد، ودرس بها الأدب والحديث والفقه، وولى القضاء بطرسوس؛ وخرج منها إلى مكة، وسكنها حتى مات سنة ٢٢٤. وكتابه غريب الحديث جمع فيه ما فى كتب أبى عبيدة وقطرب والأخفش والنضر بن شميل، وذكر أحاديث كل رجل من الصحابة على حدة. قال ابن الأثير: «جمع كتابه المشهور فى غريب الحديث والآثار، الّذي صار أولا؛ وإن كان أخيرا؛ لما حواه من الأحاديث والآثار الكثيرة والمعانى اللطيفة والفوائد الجمة؛ فصار فيه القدوة فى هذا الشأن، أفنى فيه عمره؛ حتى إنه قال فيما يروى: إنى جمعت كتابى هذا فى أربعين سنة، وهو كان خلاصة عمرى». ومنه نسخة مصورة بدار الكتب المصرية منقولة عن نسخة مخطوطة بمكتبة كبرى لى بالآستانة. (وانظر إنباه الرواة ٣: ١٢ - ٢٣، والنهاية لابن الأثير ١: ٤ - ٥. وكشف الظنون ١٢٠٤).
(٥) هو جرير بن عبد المسيح الضبعى، والبيت من قصيدة له أولها: يعيّرنى أمّى رجال ولا أرى أخا كرم إلّا بأن يتكرّما وهى فى (ديوانه ١٦٩، والأصمعيات ٦٤ - ٦٥، ومختارات ابن الشجرى ٢٨ - ١٩)؛ وخبر القصيدة فى (الخزانة ٤: ٢١٥ - ٢١٦).
(٦) هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينورى، ولد ببغداد ونشأ-
[ ٥ ]
كان المقطوع اليد؛ فإنّ هذا المعنى لا يليق بهذا الموضع. قال: لأنّ العقوبات من الله تعالى لا تكون إلا وفقا للذّنوب وبحسبها، واليد لا مدخل لها فى نسيان القرآن، فكيف تعاقب فيه! واستشهد بقوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة: ٢٧٥]، وزعم أن تأويل الآية أن الرّبا إذا أكلوه ثقل فى بطونهم، وربا فى أجوافهم؛ فجعل قيامهم مثل قيام (١) من يتخبّطه الشيطان تعتّرا وتخبّلا. واستشهد أيضا بما روى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «رأيت ليلة أسرى بى قوما تقرض شفاههم، وكلّما قرضت وفت، فقال لى جبريل: هؤلاء خطباء أمّتك، تقرض (٢) شفاههم؛ لأنهم يقولون ما لا يفعلون». قال:
والأجذم فى الخبر إنما هو المجذوم؛ وإنما جاز أن يسمّى المجذوم أجذم؛ لأن الجذام يقطّع أعضاءه ويشذّ بها؛
والجذم هو القطع.
قال الشريف المرتضى ﵁: قد أخطأ الرجلان جميعا، / وذهبا عن الصواب ذهابا بعيدا، وإن كان غلط ابن قتيبة أفحش وأقبح؛ لأنه علّل غلطه، فأخرجه إلى أغاليط كثيرة؛ ونحن نبيّن معنى الخبر ثم نتكلّم على ما أورداه.
أما معنى الخبر فهو ظاهر لمن كان له أدنى معرفة بمذاهب العرب فى كلامها؛ وإنما أراد ﵇ بقوله: يحشر أجذم؛ المبالغة فى وصفه بالنقصان عن الكمال، وفقد ما كان عليه بالقرآن من الزينة والجمال. والتشبيه له بالأجذم من حسن التشبيه وعجيبه؛ لأن اليد من الأعضاء الشريفة التى لا يتمّ كثير من التصرّف ولا يوصل إلى كثير من المنافع إلا بها؛ ففاقدها
_________________
(١) بها، وأقام بالدينور مدة فنسب إليها، وحدت ببغداد عن إسحاق بن راهويه وطبقته، وروى عنه ولده أحمد وابن درستويه؛ توفى سنة ٢٧٦؛ وكتابه فى غريب الحديث ذكره ابن الأثير فقال: «فصنف كتابه المشهور فى غريب الحديث والآثار؛ حذا فيه حذو أبى عبيد، ولم يودعه شيئا من الأحاديث المودعة فى كتاب أبى عبيد؛ إلا ما دعت إليه حاجة من شرح وبيان واستدراك، فجاء كتابه مثل كتاب أبى عبيد أو أكبر». (وانظر إنباه الرواة ٢: ١٤٣ - ١٤٧، والنهاية لابن الأثير ١ - ٥، وكشف الظنون ١٢٠٤).
(٢) ساقطة من ف.
(٣) كذا ضبطت بالقلم فى الأصل، وفى ت، ش: «تقرض» بضم التاء وفتح القاف وتشديد الراء المفتوحة.
[ ٦ ]
يفقد ما كان عليه من الكمال، وتفوته المنافع والمرافق التى كان يجعل يده ذريعة إلى تناولها؛ وهذه حال ناسى القرآن ومضيّعه (١) بعد حفظه، لأنه يفقد ما كان لا بسا له من الجمال، ومستحقا له من الثواب، وهذه عادة للعرب فى كلامهم معروفة؛ يقولون فيمن فقد ناصره ومعينه (٢):
فلان بعد فلان أجدع، وقد بقى بعده أجذم؛ قال الفرزدق يرثى مالك بن مسمع (٣):
تضعضع طودا وائل بعد مالك وأصبح منها معطس العزّ أجدعا (٤)
وإنما أراد المعنى الّذي ذكرناه. وللعرب ملاحن فى كلامها (٥)، وإشارات إلى الأغراض، وتلويحات بالمعانى، متى لم يفهمها ويسرع إلى الفطنة بها من تعاطى تفسير كلامهم، وتأويل خطابهم كان ظالما نفسه، متعديا طوره.
ونعود إلى الكلام على ما ذكره الرجلان؛ أما أبو عبيد فإن خطأه من حيث لم يفطن للغرض فى الخبر، وضلّ عن وجهه، وإلا فالأجذم هو الأقطع لا محالة كما قال؛ إلّا أنه لا يليق بهذا الموضع، وإذا حمل عليه لم يفد شيئا؛ وإن
كانت (٦) شبهته التى أوقعته فى هذا التأويل ظنّه أن ذلك يكون على سبيل العقوبة له على نسيان القرآن فليس كما ظن، لأنّ الجذم (٧) أولا ليس بعقوبة؛ لأن الله تعالى قد يجذم (٨) أولياءه والصالحين من عباده، ويقطّع أعضاءهم بالأمراض، وقد يبتدئ خلق من هو ناقص الأعضاء؛ فليس بلازم فى الجذم أن يكون عقوبة. ثم لو كان يستحقّ ناسى القرآن عقوبة على نسيانه لكان حفظ القرآن بأسره فرضا واجبا وحتما لازما (٩)؛ لأن العقوبة لا تستحق بترك ما ليس بواجب، وليس
_________________
(١) كذا ضبطت بالقلم فى الأصل، ت، وفى ش: «ومضيعه»، بكسر الضاد وبعدها ياء ساكنة.
(٢) فى نسخة بحاشيتى الأصل، ت: «ومغيثه».
(٣) هو ملك بن مسمع الجحدرى؛ من بكر بن وائل، كان سيد ربيعة فى زمانه، وتوفى سنة ٧٣. (المعارف: ١٨٤، وجمهرة الأنساب: ٣٠١، والإصابة ٦: ١٦٤).
(٤) ديوانه: ٤١٤.
(٥) حاشية ف (من نسخة): «كلامهم».
(٦) ت: «وإن كان».
(٧) حاشية ت (من نسخة): «الجذام».
(٨) نسخة أبى السعادات الشجرى: «يجذّم» يضم الياء وفتح الجيم وتشديد الذال المكسورة؛ وضبطت فى ت بالوجهين معا، وفى حواشى الأصل، ت، ف: «الجذم القطع، وقد جذم (بكسر الذال) يجذم جذما فهو أجذم، أى مقطوع اليد».
(٩) حاشية الأصل: «الملازمة ممنوعة».
[ ٧ ]
حفظ جميع القرآن كذلك.
وأما ابن قتيبة فإنه غلط من حيث لم يفطن للوجه/ فى الخبر الّذي ذكرناه؛ من حيث ظنّ أن العقوبة لا تكون إلا فى محلّ الذّنب، وهذا القول يوجب عليه ألّا يجلد ظهر الزانى، وتختص العقوبة بفرجه، وكذلك القاذف كان يجب أن يعاقب فى لسانه دون سائر أعضائه؛ والخبر الّذي استشهد به حجّة عليه، لأنا نعلم أنّ اللسان أقوى خطأ فى باب الكلام من الشّفة، فلم لم يخصّ بالعقوبة (١) وحلّت بالشفاء دونه؟ ثم غلطه فى تأويل الآية التى أوردها أقبح من كل ما تقدّم؛ لأنه توهّم أنّ ما تضمنته الآية من تخبّط آكل الربا وتعثّره عند القيام إنما هو فى الدنيا من حيث يثقل ما أكله فى معدته فيمنعه من النّهوض؛ ونحن نعلم ضرورة خلاف ذلك، ونجد كثيرا من آكلى الربا أخفّ نهوضا،
وأسرع قياما وتصرّفا من غيرهم؛ ممّن لم يأكل الربا قطّ؛ والمعنى فى الآية ما ذكره المفسّرون من أنّ ما وصفهم الله تعالى به يكون عند قيامهم من قبورهم، فيلحقهم العثار والزّلل والتّخبّل على سبيل العقوبة لهم، وليكون ذلك أيضا أمارة لمن يعاقبهم (٢) من الملائكة والخزنة على الفرق بين الولىّ والعدوّ، ومستحقّ الجنة ومستحقّ النار. وليس بمعروف ولا ظاهر أن الأجذم هو المجذوم؛ وردّ ابن قتيبة معناه واشتقاقه إلى الجذم الّذي هو القطع يوجب عليه أن يكون كلّ داء يقطّع الجسد ويفرّق أوصاله؛ كالجدرىّ والأكلة (٣) وغيرهما يسمّى جذاما، ويسمى من كان عليه أجذم، وهذا باطل.
وأما قول الشاعر (٤):
حرّق قيس عليّ البلا د حتّى إذا اضطرمت أجذما
فليس من هذا الباب؛ بل هو من الإجذام الّذي هو الإسراع؛ فكأنه قال: لما اضطرمت
_________________
(١) ف: «فلم لم تختص العقوبة به».
(٢) ف، وحاشية ت (من نسخة): «ويعاينهم».
(٣) فى نسخة بحواشى الأصل، ت، ف: «الأكلة، بالكسر: الحكة، والأكلة، بالضم: اللقمة».
(٤) هو الربيع بن زياد العبسى، من أبيات فى (الحماسة بشرح التبريزى ٢: ٦١ - ٦٣)، واللسان (جذم).
[ ٨ ]
أسرع عنى، وتباعد منى. والإجذام، بالذال المعجمة والدال غير المعجمة جميعا: الإسراع؛ فأما قول عنترة فى وصف الذّباب (١):
هزجا يحكّ ذراعه بذراعه قدح المكبّ على الزّناد الأجذم
الأجذم من صفة المكبّ (٢) لا من صفة الزّناد؛ فكأنه (٣) قال: قدح المكبّ الأجذم على الزّناد، وهذا من حسن التشبيه وواقعه (٤).