ومما يشهد لذلك ما أخبرنا به عليّ بن محمد الكاتب عن أبى بكر محمد بن يحيى الصولىّ عن أبى حفص الفلّاس
عن عبد الله بن سوّار/ عن معاوية بن عبد الكريم عن أبيه قال:
دخلت على الفرزدق، فجعلت أحادثه، فسمعت صوت حديد يتقعقع، فتأملت الأمر، فإذا هو مقيّد الرّجل (٢)، فسألته عن السبب فى ذلك، فقال: إنى آليت على نفسى ألّا أنزع القيد من رجلى، حتى أحفظ القرآن.
وأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانيّ قال أخبرنى أبو ذرّ القراطيسىّ قال حدثنا ابن أبى الدّنيا قال حدّثني الرّياشىّ عن الأصمعىّ عن سلام بن مسكين قال: قيل للفرزدق؛ علام تقذف المحصنات؟ فقال: والله، لله أحبّ إلى من عينىّ هاتين، أفتراه يعذّبنى بعدها (٣)! .
وروى أنّه تعلّق بأستار الكعبة، وعاهد الله على ترك الهجاء والقذف اللّذين كان ارتكبهما، وقال:
ألم ترنى عاهدت ربّى وإنّنى لبين وتاج قائما ومقام (٤)
_________________
(١) حاشية ت (من نسخة): «حال».
(٢) حاشية ت (من نسخة): «الرجلين».
(٣) حاشية ف: «ذكر المبرد فى كتابه قال: دخل لبطة بن الفرزدق على أبيه وهو محبوس فى سجن مالك بن المنذر بن الجارود؛ ومالك عامل على البصرة لخالد بن عبد الله القسرى؛ فقال له: يا أبت؛ هذا عمر بن يزيد الأزدى ضرب آنفا ألف سوط ومات، فشد على حمار، فقال الفرزدق: كأنك والله بمثل هذا الحديث قد تحدثت به عن أبيك- والحسن إذ ذاك محبوس عنده- فقال له: يا أبا فراس، فما عندك إن كان ذلك؟ فقال: والله يا أبا سعيد، لله أحب إلى من سمعى وبصرى، ومن مالى وولدى، ومن أهلى وعشيرتى؛ أفتراه يخذلني! فقال الحسن: كلا والله يا أبا فراس». وانظر الخبر فى (الكامل- بشرح المرصفى ٢: ٧٦ - ٧٧).
(٤) فى حاشيتى الأصل، ف: «الرتاج: الباب المغلق، والباب العظيم أيضا قائما، حال بما يدل عليه لبين» وفى ت، د: «قائم».
[ ٦٣ ]
على حلفة لا أشتم الدّهر مسلما ولا خارجا من فىّ زور كلام (١)
أطعتك يا إبليس سبعين حجة فلمّا انقضى عمرى وتمّ تمامى (٢)
فزعت إلى ربّى وأيقنت أنّنى ملاق لأيّام الحتوف حمامى (٣)
وروى الصّولى عن الحسين بن الفيّاض عن إدريس بن عمران قال: جاءنى الفرزدق، فتذاكرنا رحمة الله وسعتها؛ فكان أوثقنا بالله، فقال له رجل: ألك هذا الرجاء والمذهب وأنت تقذف المحصنات، وتفعل ما تفعل! فقال: أترونني لو أذنبت إلى أبوىّ، أكانا يقذفانى
_________________
(١) حواشى الأصل، ت، ف: «قال مولانا السيد: خارجا، تقديره: ولا يخرج خروجا؛ وذهب عيسى بن عمر إلى أنه فى موضع الحال؛ لأن قوله: لا أشتم نصب على الحال؛ كأنه قال: عاهدت لا شاتما ولا خارجا. وقال أبو سعيد: تقديره: عاهدت على أن أحلف لا شاتما ولا خارجا؛ وهو حال من التاء فى عاهدت، أو المحذوف من المصدر؛ وهو الفاعل. وسيبويه يجعل لا أشتم جواب القسم؛ ولا موضع له من الإعراب، والقسم عاهدت. فقوله: ولا خارجا، أى لا يخرج خروجا؛ وهو معطوف على لا أشتم». وفى حاشية ف أيضا: «ذكر المبرد فى كتابه الكامل فى قوله: * ولا خارجا من فىّ زور كلام* إنما وضع اسم الفاعل موضع المصدر، أراد: لا أشتم الدهر مسلما، ولا يخرج خروجا من فىّ زور كلام؛ لأنه على هذا أقسم، والمصدر يقع فى موضع اسم الفاعل؛ يقال: ماء غور، أى غائر؛ كما قال الله تعالى: إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْرًا؛ ويقال: رجل عدل، أى عادل، فعلى هذا جاء المصدر على فاعل؛ كما جاء اسم الفاعل على المصدر؛ يقال: قم قائما؛ فيوضع موضع قولك: قم قياما؛ قال: وكان عيسى بن عمر يقول: إنما قوله لا أشتم حال، فأراد: عاهدت ربى فى هذه الحال، وأنا غير شاتم ولا خارج من فىّ ولم يذكر الّذي عاهد عليه». وانظر (الكامل- بشرح المرصفى ٢: ٨١ - ٨٣).
(٢) د، ومن نسخة بحواشى الأصل، ت، ف: «تسعين»، وفى حاشية الأصل، ف: «أى بلغت غايتى؛ ونسبة التمام إلى التمام ترد على معنى التأكيد كما قال الشاعر: «فجن جنونها»، والجنون لا يجن، وإنما المرء يجن؛ وكما قال: جنونك مجنون ولست بواجد طبيبا يداوى من جنون جنونى.
(٣) ش، ف: «فررت»، والأبيات فى (ديوانه ٢: ٧٧٠).
[ ٦٤ ]
فى تنوّر، وتطيب أنفسهما بذلك؟ قلنا: لا، بل كانا يرحمانك، قال: فأنا والله برحمة ربّى أوثق منى برحمتهما.
وأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنا محمد بن إبراهيم (١) قال حدثنا عبد الله بن أبى سعد (٢) الورّاق قال حدّثني محمد بن محمد بن سليمان الطّفاوىّ (٣) قال: حدثنى أبى عن جدى قال: شهدت الحسن البصرىّ فى جنازة النّوار (امرأة الفرزدق) - وكان الفرزدق حاضرا- فقال له الحسن وهو عند القبر: يا أبا فراس، ما أعددت لهذا المضجع؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله مذ ثمانون سنة، فقال له الحسن: هذا العمود فأين الطّنب! . وفى رواية أخرى أنه قال له: نعم ما أعددت، ثم قال الفرزدق فى الحال:
/ أخاف وراء القبر- إن لم يعافنى- أشدّ من الموت التهابا وأضيقا (٤)
إذا جاءنى يوم القيامة قائد عنيف وسوّاق يسوق الفرزدقا
لقد خاب من أولاد آدم من مشى إلى النّار مغلول القلادة أزرقا (٥)
يقاد إلى نار الجحيم مسربلا سرابيل قطران لباسا محرّقا
قال: فرأيت الحسن يدخل بعضه فى بعض، ثم قال: حسبك. ويقال إن رجلا رأى الفرزدق بعد موته فى منامه، فقال له ما فعل بك ربّك؟ فقال: عفا عنى بتلك الأبيات (٦).
_________________
(١) حاشية ت (من نسخة): «محمد بن محمد بن إبراهيم».
(٢) د، ونسخة بحواشى الأصل، ت، ف: «سعيد».
(٣) حاشية الأصل: «الطفاوى: منسوب إلى طفاوة؛ وهم قوم».
(٤) الأبيات فى ديوانه ٢: ٥٧٨، مع اختلاف فى الرواية وترتيب الأبيات؛ وفى نسخة بحواشى الأصل، ف، ت: «أشد من القبر»؛ وهى رواية الديوان.
(٥) ف: «مشدود الفلائد»، وهى رواية الديوان.
(٦) حاشية ف: «زعم بعض النميمية أن الفرزدق رئى فى النوم فقيل له: ما صنع ربك؟ فقال: غفر لي؛ قيل له: بأى شيء؟ قال: بالكلمة التى نازعنيها الحسن البصرى على شفير القبر». وفيها أيضا: «فى الكامل، كان الفرزدق يخرج من منزله فيرى بنى تميم والمصاحف فى حجورهم فيسر بذلك ويجذل له-
[ ٦٥ ]