قال سيدنا المرتضى أدام الله علوّه: وأظن أن أبا العيناء تنبّه على فضّ الكتاب وقراءته بخبر طرفة بن العبد والمتلمّس الضّبعىّ (١)، وذاك أنهما وفدا على عمرو بن هند ونادماه، واحتظيا به، ثم أفضى الأمر إلى أن هجاه كلّ واحد منهما وعرض به بالشعر المشهور (٢) فحنق عليهما، وهمّ بقتلهما، ثم أشفق من ذلك، وأراد قتلهما بيد
غيره، وكان على طرفة أحنق، فعلم أنه إن قتله هجاه المتلمّس: فكتب لهما كتابا إلى البحرين، وقال لهما: إنى قد كتبت لكما بصلة، فاشخصا لقبضها؛ فخرجا من عنده، والكتابان فى أيديهما، فمرّا بشيخ جالس على ظهر الطريق، متكشّفا يتبرز، ومعه كسرة خبز يأكل منها، ويتناول القمل من ثيابه فيقصعه، فقال أحدهما لصاحبه: ما رأيت أعجب من هذا الشيخ! فسمع الشيخ مقالته فقال: وما ترى من عجبى (٣)! أدخل طيّبا، وأخرج خبيثا، وأقتل عدوا، وإنّ أعجب منى لمن يحمل حتفه بيده، وهو لا يدرى! فأوجس المتلمّس فى
_________________
(١) فى حاشيتى الأصل، ت: «هو من بنى ضبيعة بن ربيعة، واسمه جرير بن عبد العزى، وقيل ابن عبد المسيح».
(٢) انظر تفصيل الخبر وأبيات الهجاء فى (الأغانى ٢١: ١٢٧، والشعر والشعراء ١٣١ - ١٣٢، و١٣٧ - ١٣٨، ومعجم البلدان ٧: ٢٠٨، والخزانة ١: ٤١٢ - ٤١٧. ٤٤٦، و٣: ٧٣ ومجمع الأمثال ١: ٣٥٠ - ٣٥٢ وديوان طرفة: ٥ - ٦، وديوان المتلمس ١٧٢ - ١٧٦).
(٣) م: «عجب».
[ ١٨٣ ]
نفسه خيفة، وارتاب بكتابه، ولقيه غلام من أهل الحيرة، فقال له: أتقرأ يا غلام؟ قال:
نعم، ففضّ خاتم كتابه، ودفعه إلى الغلام فقرأه، فإذا فيه: «إذا أتاك المتلمّس فاقطع يديه ورجليه، واصلبه حيا».
فأقبل على طرفة فقال له: تعلّمن (١) والله لقد كتب فيك بمثل هذا، فادفع كتابك إلى الغلام يقرؤه عليك، فقال: كلّا، ما كان ليجسر على قومى بمثل هذا، ولم يلتفت إلى قول المتلمّس، فألقى المتلمّس كتابه فى نهر الحيرة، وقال:
قذفت بها بالثّنى من جنب كافر كذلك أقنو كلّ قطّ مضلّل (٢)
رضيت لها بالماء لمّا رأيتها يجول بها التيار فى كلّ جدول
كافر: نهر بالحيرة، وأقنو: اقتنى، والقطّ: الكتاب: والتيّار: معظم الماء وكثرته.
وقال المتلمّس أيضا:
من مبلغ الشّعراء عن أخويهم نبأ فتصدقهم بذاك الأنفس (٣)
أودى الّذي علق الصّحيفة منهما ونجا حذار حبائه المتلمّس
ألقى صحيفته ونجّت كوره وجناء مجمرة المناسم عرمس (٤)
عيرانة طبخ الهواجر لحمها فكأنّ نقبتها أديم أملس (٥)
أطريفة بن العبد إنّك حائن أبساحة الملك الهمام تمرّس!
ألق الصّحيفة لا أبا لك إنّه يخشى عليك من الحباء النّقرس
_________________
(١) من نسخة بحواشى الأصل، ت، ف: «تعلم».
(٢) ديوانه: ١٧٦.
(٣) الأبيات فى ديوانه ١٩١ - ١٩٢، والخزانة ٣: ٧٣ والأغانى ٢١: ١٢٧ وأخواهم: طرفة والملمس.
(٤) الوجناء: الناقة الصلبة؛ مشتقة من الوجين؛ وهى الأرض الصلبة، ومجمرة: مجتمعة، والمناسم: جمع منسم، ومنسما خف البعير كالظفرين فى مقدمه؛ بهما يستبان أثر البعير الضال. والعرمس فى الأصل: الصخرة؛ شبهت بها الناقة؛ ورواية الديوان: ألقى صحيفته ونجّت كوره عنس مداخلة الفقارة عرمس.
(٥) العيرانة: الناقة الصلبة التى تشبه عير الوحش لقوتها، والنقبة هاهنا: اللون.
[ ١٨٤ ]
النقرس هاهنا: الداهية، ومضى طرفة بكتابه إلى البحرين، فأمر به المعلّى بن حنش (١) العبدىّ فقتل؛ فقال المتلمس (٢):
عصانا (٣) فما لاقى رشادا وإنّما تبيّن (٤) فى أمر الغوىّ عواقبه
فأصبح محمولا على ظهر آلة تمجّ نجيع الجوف منه ترائبه
فإلّا تجلّلها يعالوك فوقها وكيف توقّى (٥) ظهر ما أنت راكبه!
ولحق المتلمّس ببلاد الشام، وهجا عمرا، وبلغه أن عمرا يقول: لئن وجده بالعراق ليقتلنّه، فقال:
آليت حبّ العراق الدّهر أطعمه والحبّ يأكله بالقرية السّوس (٦)
وجرى المثل بصحيفة المتلمّس، فقال الفرزدق يذكر الشعراء الذين أورثوه أشعارهم (٧):
وهب القصائد لى النّوابغ إذ (٨) مضوا وأبو يزيد وذو القروح وجرول
وأخو بنى قيس وهنّ قتلنه ومهلهل الشّعراء ذاك الأوّل
يعنى بالنوابغ: النابغة الذّبيانى والجعدىّ، ونابغة بنى شيبان، ويعنى: بأبى يزيد المخبّل السعدىّ، وجرول هو الحطيئة، وذو القروح امرؤ القيس، وأخو بنى قيس هو طرفة. ومعنى قوله: «وهن قتلنه»، يعنى: القصائد التى هجا بها عمرو بن هند، ويقال إن صاحب المتلمس وطرفة فى هذه القصة هو النعمان بن المنذر، وذلك أشبه بقول طرفة:
أبا منذر كانت غرورا صحيفتى ولم أعطكم فى الطّوع مالى ولا عرضى (٩)
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك (١٠) بعض الشّرّ أهون من بعض
وأبو منذر هو النعمان بن المنذر، وكان النعمان بعد عمرو بن هند، وقد مدح طرفة النعمان فلا يجوز أن يكون عمرو قتله، فيشبه أن تكون القصّة مع النعمان.
_________________
(١) من نسخة بحواشى الأصل، ت، ف: «حنيش.
(٢) ديوانه: ١٩٣ - ١٩٤.
(٣) حاشية ت (من نسخة): «عصانى».
(٤) حاشية ت (من نسخة): «يبين».
(٥) ش: «توقى»، بكسر القاف المشددة.
(٦) ديوانه: ١٨٠؛ و«حب»، منصوب على نزع الخافض؛ والبيت من شواهد (الكتاب ١: ١٧)، ومن نسخة بحاشيتى الأصل: «فى القرية».
(٧) ديوانه ٢: ٧٢٠.
(٨) حاشية الأصل: «من نسخة»: «كلهم».
(٩) ديوانه: ٤٨.
(١٠) حاشية الأصل: «حنانيك؛ أى تحننا بعد تحنن».
[ ١٨٥ ]