ومما يشهد لذلك ما أخبرنا به أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنا الحسن بن محمد قال حدّثني جدّى يحيى بن الحسن العلوىّ قال حدّثنا الحسين بن محمد بن طالب قال: حدّثني غير واحد من أهل الأدب أن عليّ بن الحسين ﵉ حجّ فاستجهر (٤) الناس جماله، وتشوّفوا له، وجعلوا يقولون: من هذا؟ فقال الفرزدق:
_________________
(١) ت، د، حاشية الأصل (من نسخة): «فى المتن، قال المرتضى ﵁: يجب الوقوف على الطير»، ثم يبدأ «بهمه» ليعلم الغرض». والزجر هنا: التيمن أو التشاؤم بالطير وغيره.
(٢) السانح من الطير: ما مر من مياسرك إلى ميامنك، والبارح عكسه، وكان العرب يتيامنون بالسانح، ويتشاءمون بالبارح، والأعضب: مكسور القرن، وفى ت، ف بعد هذا البيت: «فقال: إلى من طربت لا أم لك! فقال الكميت ».
(٣) فى حاشيتى الأصل، ف: «أعنى بنى هاشم، أو إلى بنى هاشم».
(٤) حواشى الأصل، ت، ف: «يقال: جهرت الرجل واستجهرته؛ إذا رأيته عظيم المرآة، وما أحسن جهر فلان! أى ما يجتهر من هيئته وحسن منظره؛ وقيل: اجتهر؛ أى حملهم بجماله على أن يجهروه ﵇، أى يدركوا جهره».
[ ٦٧ ]
هذا ابن خير عباد الله كلّهم هذا التّقىّ النّقيّ الطّاهر العلم
هذا الّذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحلّ والحرم (١)
إذا رأته قريش قال قائلها إلى مكارم هذا ينتهى الكرم
يكاد يمسكه عرفان راحته ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم (٢)
يغضى حياء ويغضى من مهابته فما يكلّم إلّا حين يبتسم (٣)
أىّ القبائل ليست فى رقابهم لأوّليّة هذا أو له نعم
من يعرف الله يعرف أوّليّة ذا فالدّين من بيت هذا ناله الأمم (٤)
_________________
(١) البطحاء: أرض مكة المنبطحة، والحل، بالكسر: خارج المواقيت من البلاد، والحرم: ما بين المواقيت المعروفة؛ وأراد بهما أهل الحل والحرم.
(٢) الحطيم: الجدار الّذي عليه ميزاب الكعبة، وانتصب «عرفان» على أنه مفعول له، أى يكاد يمسكه ركن الحطيم؛ لأنه عرف راحته. ويستلم، بمعنى يلمس الحجر الأسود.
(٣) حواشى الأصل، ت، ف: روى أبو الفرج فى كتاب الأغانى الكبير هذا البيت: يغضى وبيتا آخر وهو: بكفّه خيزران ريحها عبق من كفّ أروع فى عرنينه شمم للحزين الكنانى، قال: مدح بهما الحزين عبد الله بن عبد الملك، وقد حج، وكان أبوه عبد الملك قد وصاه بألا يحجب الحزين لخبث لسانه، ووصفه له بهيئته، فدخل عليه وأنشده البيتين. قال أبو الفرج: والناس يروون هذين البيتين فى أبيات الفرزدق التى مدح بها زين العابدين ﵇». وقد ذكر أبو تمام فى (الحماسة- بشرح التبريزى ٤ - ١٦٧ - ١٦٩) الأبيات منسوبة إلى الحزين الليثى. وانظر تفصيل الخبر وتحقيق نسبة الأبيات فى (الأغانى ١٤: ٧٤ - ٧٧).
(٤) حاشية ف: «روى أنه كان عبد الملك بن مروان لما سمع هذا من الفرزدق قال له: «أورافضى أيضا أنت! فقال الفرزدق: إن كان حب آل محمد رفضا فأنا هذاك، فقال عبد الملك: قل فىّ مثل ما قلته فيه، وعليّ أن أضعف عطاءك، فقال الفرزدق: وتجيئنى بأب مثل أبيه وأم بمثل أمه؛ حتى أقول فيك مثل ما قلته فيه؛ أتقول هذا ولا تستحي من الله ﷿! مر حتى تسقط اسمى من الديوان جملة، فأسقط عطاءه. فبلغ ذلك على بن الحسين ﵉، فبعث إليه، فلما أتاه قال: يا أبا فراس؛ خذ منى جميع ما أملكه، ولك الفضل بعد ذلك؛ وما كافأتك بعد! فقال: يا ابن رسول الله، ما قلته فيك لرجاء مثوبة؛ وإن ثوابى على الله، وما أؤمله فيكم عند الله ﷿ أحب إلى من ملك عبد الملك؛ فقال: فكم كان عطاؤه الّذي حرمته؟ قال: ألف ومائتان فى السنة، فوزن له ثمانية وأربعين ألفا، عطاء أربعين سنة، فأخذها وانصرف».
[ ٦٨ ]
وفى رواية الغلابىّ أن هشام بن عبد الملك حج فى خلافة عبد الملك- أو الوليد- وهو حديث (١) السن، فأراد أن يستلم الحجر، فلم يتمكن من ذلك لتزاحم الناس عليه، فجلس ينتظر خلوة؛ فأقبل على بن الحسين ﵉، وعليه إزار ورداء، وهو من أحسن الناس وجها، وأطيبهم ريحا، بين عينيه سجّادة، كأنها ركبة عنز، فجعل يطوف بالبيت، فإذا بلغ الحجر تنحّى الناس له حتى يستلمه، هيبة له وإجلالا. فغاظ ذلك هشاما، فقال رجل من أهل الشام لهشام: من هذا الّذي قد هابه الناس هذه الهيبة؟ فقال هشام: لا أعرفه- لئلا يرغّب فيه أهل الشام. فقال الفرزدق- وكان هناك حاضرا-: لكنى أعرفه، وذكر الأبيات، وهى أكثر مما رويناه؛ وإنما تركناها (٢) لأنها معروفة.
قال: فغضب هشام، وأمر بحبس الفرزدق بعسفان، بين مكّة والمدينة، وبلغ ذلك عليّ بن الحسين ﵉، فبعث إلى الفرزدق باثنى عشر ألف درهم وقال: اعذرنا/ يا أبا فراس، فلو كان عندنا فى هذا الوقت أكثر منها لوصلناك به، فردّها الفرزدق وقال: يا ابن رسول الله، ما قلت الّذي قلت إلا غضبا لله ورسوله، وما كنت لأرزأ (٣) عليه شيئا؛ فردها إليه وأقسم عليه فى قبولها وقال له: قد رأى الله مكانك، وعلم نيّتك، وشكر لك، ونحن أهل بيت إذا أنفذنا شيئا لم نرجع فيه؛ فقبلها، وجعل الفرزدق يهجو هشاما وهو فى الحبس؛ فمما هجاه به قوله:
تحبّسنى بين المدينة والّتي إليها رقاب النّاس يهوى منيبها (٤)
يقلّب رأسا لم يكن رأس سيّد وعينا له حولاء باد عيوبها
_________________
(١) د، ف، حاشية ت (من نسخة): «حدث السن».
(٢) حاشية ت (من نسخة): «تركنا أكثرها».
(٣) ت: «لأرزأك». وفى حاشية ف: «يقال: ما رزأته شيئا؛ أى لم آخذ منه شيئا».
(٤) ديوانه ١: ١ هـ، وفى حاشية الأصل (من نسخة): «يحبسنى»، وحاشية ف (من نسخة): «قلوب الناس يهوى»؛ وهى رواية الديوان.
[ ٦٩ ]