ولأبيات الفرزدق التى ذكرناها خبر مشهور متداول، أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا أبو حاتم قال أخبرنا أبو عبيدة عن يونس قال:
دخل الفرزدق على سليمان (١) بن عبد الملك وعنده نصيب الشاعر، فقال له سليمان أنشدنى، فأنشده الأبيات التى تقدم ذكرها، فاسودّ وجه سليمان وغاظه/ فعله، وكان يظن أنه ينشده مديحا له، فلمّا رأى نصيب ذلك قال: ألا أنشدك؟ فأنشده:
_________________
(١) - دار التى تركتك غير ملومة دنفا فإن لم ترع قلبك فاشفق قد كنت قبل تتوق من هجرانها فاليوم إذ شحط المزار بها تق والحبّ فيه حرارة ومرارة سائل بذلك من تطعّم أو زقى ما ذاق بؤس معيشة ونعيمها فيما مضى أحد إذا لم يعشق حتى بلغ إلى قوله: من قال بت أخا الهموم ومن يبت غرض الهموم ونصبهنّ يؤرّق بشّرت نفسى إذ رأيتك بالغنى ووثقت حين سمعت قولك لى ثق فأمر بالخلع عليه حتى استغاث؛ فقال: أتاك الغوث، ارفعوا عنه».
(٢) حاشية ف: «قيل: بينما سليمان بن عبد الملك فى المسجد الحرام إذ أتى بحجر منقوش، فطلب من يقرؤه، فأتى بوهب بن منبه؛ فقرأه فإذا فيه: ابن آدم إنك لو أبصرت قليل ما بقى من أجلك لزهدت فى طول أملك، ولرغبت فى الزيادة من عملك؛ ولقصرت عن حرصك وحيلك؛ وإنما يلقاك غدا ندمك، وقد زلت بك قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك؛ فبان منك الولد القريب، ورفضك الوالد والنسيب؛ فلا أنت إلى دنياك عائد، ولا فى حياتك ذائد، فاعمل ليوم القيامة، يوم الحسرة والندامة فبكى سليمان».
[ ٦٠ ]
أقول لركب قافلين لقيتهم قفا ذات أوشال ومولاك قارب (١)
قفوا خبّرونى عن سليمان إننى لمعروفه من أهل ودّان طالب (٢)
فعاجوا فأثنوا بالذّي أنت أهله ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب (٣)
فقال له سليمان: أنت أشعر أهل جلدتك (٤)؛ وفى بعض الأخبار أنّ الفرزدق قال ذلك فى نصيب حين سأله عنه سليمان.
وروى أيضا أنه لما أنشد نصيب أبياته قال له سليمان: أحسنت، ووصله (٥) ولم يصل الفرزدق فخرج الفرزدق وهو يقول:
_________________
(١) قفا ذات أوشال: خلف هذا الموضع؛ والأوشال: جمع وشل، بالتحريك؛ وهو الماء القليل يتخلف من جبل أو صخر. وفى حاشيتى الأصل، ف: «فى ديوانه: ذات أوشان؛ بالنون». وفى معجم ما استعجم للبكرى: ٢١٢: «ذات أوشال: موضع بين الحجاز والشام» وذكر البيت. وأراد بالمولى نفسه؛ والقارب: طالب الماء ليلا.
(٢) ودان، بفتح الواو: قرية بين مكة والمدينة، قريبة من الجحفة؛ وفى حاشيتى الأصل، ت: «يعنى أنا من أهل ودان، وهى أرض للعرب».
(٣) وبعده: فقالوا تركناه وفى كلّ ليلة يطيف به من طالبى العرف راكب ولو كان فوق النّاس حىّ فعاله كفعلك أو للفعل منك مقارب لقلنا له شبه ولكن تعذّرت سواك عن المستشفعين المطالب هو البدر والنّاس الكواكب حوله ولا يشبه البدر المنير الكواكب.
(٤) الخبر فى (الكامل- بشرح المرصفى ٢: ٢١٧ - ٢١٨، والشعر والشعراء ٣٧٢ - ٣٧٣، واللآلى ٢٩١ - ٢٩٢)، والأبيات فى (البيان والتبيين ١: ٨٣، وأمالى القالى ١: ٩٤، ومعجم البلدان ٨: ٤٠٥؛ ولكنه لم يذكر «ذات أوشال» فى موضعها).
(٥) حاشية ف: «حدث محمد بن أحمد عن محمد بن عبد الله عن معاذ صاحب الهروى قال: «دخلت مسجد الكوفة، فرأيت رجلا لم أر قط أنقى ثيابا منه، ولا أشد سوادا، فقلت له: من أنت؟ فقال: أنا نصيب، فقلت: أخبرنى عنك وعن أصحابك، فقال: جميل إمامنا، وعمر أوصفنا لربات الحجال، وكثير أبكانا على الأطلال والدمن، وقد قلت ما سمعت، قلت: فإن الناس يزعمون أنك لا تحسن أن تهجو، قال: فأقروا لى أنى أحسن المدح؟ قلت: بلى، قال: ولكنى رأيت الناس رجلين: رجلا لم أسأله فلا ينبغى أن أهجوه، ورجلا سألته فمنعنى، فكانت نفسى أحق بالهجا؛ إذ سولت لى أن أطلب منه».
[ ٦١ ]
وخير الشّعر أكرمه رجالا وشرّ الشّعر ما قال العبيد (١)
ولا شبهة فى أنّ أبيات الفرزدق مقدمة فى الجزالة والرّصانة على أبيات نصيب؛ وإن كان نصيب قد غرّب (٢)
وأبدع فى قوله:
* ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب*
إلّا أنّ أبيات نصيب وقعت موقعها، ووردت فى حال تليق بها، وأبيات الفرزدق جاءت فى غير وقتها وعلى غير وجهها؛ فلهذا قدّمت أبيات نصيب.
والفرزدق مع تقدّمه فى الشعر وبلوغه فيه إلى الذّروة العليا، والغاية القصوى شريف الآباء، كريم البيت، له ولآبائه مآثر لا تدفع، ومفاخر لا تجحد. والفرزدق لقب لقّب به، وليس باسمه، وإنما لقّب بذلك لجهامة وجهه، وغلظه؛ لأنّ الفرزدقة هى القطعة الضخمة من العجين، وقيل: إنها الخبزة الغليظة التى يتّخذ منها النساء الفتوت (٣)، واسمه همام بن غالب، وكنيته أبو فراس، وقيل إنّه كان يكنى فى شبابه بأبى مكّية (٤) وهى أغرب كنيته (٥).
وكان شيعيّا (٦) مائلا إلى بنى هاشم، ونزع فى آخر عمره عما كان عليه من القذف (٧)
_________________
(١) فى نسخة بحاشيتى ت، ف: «أشرفه فحولا»، وفى حاشيتى الأصل، ف: «يعنى أن نصيبا حديثى مملوك».
(٢) ل، ونسخة فى حاشيتى ت، ف: «أغرب».
(٣) فى حاشيتى الأصل، ف: «الفتوت والفتيت بمعنى».
(٤) حواشى الأصل، ت، ف: «كان يكنى أبا مكية، ومكية بنته، وذكر ذلك فى شعر له فقال: شاهد إذا ما كنت ذا محميّه بدارمىّ أمّه ضبّيّه صمحمح مثل أبى مكّيّه - الصمحمح: العظيم الرأس، وأبو مكية يعنى نفسه».
(٥) ش: «أعرف كنيته».
(٦) فى حاشيتى الأصل، ف: «النسبة إلى الشيعة شيعى، بكسرة صحيحة على الشين؛ كما تنسب إلى الجيزة جيزى، والجيزة محلة بمصر؛ منها أبو الربيع الجيزى».
(٧) حاشية ت (من نسخة): «من القرف»، والقرف: الرمى بالسوء.
[ ٦٢ ]
والفسق، وراجع طريقة الدين، على أنه لم يكن فى خلال (١) فسقه منسلخا من الدّين جملة، ولا مهملا لأمره أصلا.