وقد كان بنو فزارة أكمنوا بالثّنيّة كمينا لينظروا؛ فإن جاء داحس سابقا أمسكوه وصدّوه عن الغاية؛ فجاء داحس سابقا، فأمسكوه، ولم يعرفوا الغبراء وهى خلفه مصلّية حتى مضت الخيل، وأسهلت من الثّنيّة، ثم أرسلوه فتمطّر (٤) فى آثارها، فجعل يبدرها (٥) فرسا فرسا، حتى انتهى إلى الغاية مصلّيا (٦)، وقد طرح الخيل غير الغبراء، ولو تباعدت الغاية سبقها (٧). فاستقبلتها بنو فزارة فلطموها، ثم حلّئوها (٨) عن البركة، ثم لطموا داحسا، وقد جاءا متواليين، ثم جاء حذيفة وقيس فى آخر الناس، وقد دفعتهم بنو فزارة عن سبقهم، ولطموا فرسيهم (٩)، وجرى من الخلف فى أخذ السبق ما قد شرحته الرواة.
وقد قيل فى بعض الروايات: إن الرهان والسّبق (١٠) كان بين حمل بن بدر وبين قيس، وفى ذلك يقول قيس:
_________________
(١) أى أن المذكى يغالب مجاريه فيغلبه لقوته، وفى مجمع الأمثال (١: ١٤٤): «يجوز أن يراد أن ثانى جريه أبدا أكثر من باديه وثالثه أكثر من ثانيه؛ فكأنه يغالب بالثانى الأول وبالثالث الثانى؛ فجريه أيدا غلاب».
(٢) حاشية الأصل: «المعالاة: الرمى فى الهواء».
(٣) الجدد: الأرض الصلبة، والوعث: السهلة.
(٤) يقال: تمطرت الخيل إذا ذهبت مسرعة.
(٥) حاشية الأصل (من نسخة): «يندرها»، أى يسقطها.
(٦) المصلى من الخيل: التالى للسابق.
(٧) ت: «لسبقها».
(٨) حلئوها عن البركة؛ أى منعوها من ورد الماء.
(٩) من نسخة بحاشيتى الأصل، ت: «فرسيهما».
(١٠) ش، ونسخة بحاشية الأصل: «السباق».
[ ٢٠٩ ]
كما لاقيت من حمل بن بدر وإخوته على ذات الإصاد
هم فخروا عليّ بغير فخر وردّوا دون غايته جوادى
وقد دلفوا إلى بفعل سوء فألفونى لهم صعب القياد (١)
وكنت إذا منيت بخصم سوء دلفت له بداهية نآد (٢)
ثم إن قيسا أغار على عوف بن بدر فقتله وأخذ إبله، فبلغ ذلك بنى فزارة فهمّوا بالقتال، فحمل الربيع بن زياد العبسىّ دية عوف، مائة عشراء متلية (٣).
ويقال إن قيسا قتل ابنا لحذيفة، يقال له مالك، وأن حذيفة كان أرسله إليه يطلب منه السّبق (٤)، فطعنه فدقّ صلبه، وإن الربيع بن زياد حمل ديته مائة عشراء، فسكن الناس عن القتال.
ثم إن مالك بن زهير نزل موضعا يقال له اللّقّاطة (٥) / قريبا من الحاجر، ونكح امرأة يقال لها مليكة بنت حارثة، من بنى غراب من فزارة، فبلغ ذلك حذيفة بن بدر، فدسّ إليه فرسانا فقتلوه، وكان الربيع بن زياد العبسىّ مجاورا لحذيفة بن بدر، وكانت تحت الربيع معاذة بنت بدر، فلما وقف على الخبر قال:
نام الخلىّ وما أغمّض (٦) حار من سيّئ النّبإ الجليل السّارى
من مثله تمسى النّساء حواسرا وتقوم معولة مع الأسحار (٧)
_________________
(١) فى حاشيتى الأصل، ف: «الدلوف: تقارب الخطو؛ مثل مشى الشيوخ؛ ولا يستعمل إلا فى الذم».
(٢) نآد: صعبة.
(٣) فى حاشيتى الأصل، ف: «العشراء: الناقة التى يأتى على حملها عشرة أشهر؛ فتكون أقوى بولدها؛ وجمعها: عشار. ومتلية؛ أى تتلوها أولادها».
(٤) السبق: المال المخاطر عليه.
(٥) اللّقّاطة: موضع قريب من الحاجر؛ من منازل بنى فزارة ذكره ياقوت؛ وقال إنه قتل فيه مالك بن زهير.
(٦) رواية الحماسة: «لم أغمض»، والغماض: النوم بعينه.
(٧) م: «تمشى»؛ قال التبريزى: «وتمسى أجود؛ لأن طبقه: «وتقوم معولة مع الأسحار»، فكأنه قال: «تمسى حواسر وتصبح بواكى»، «وحواسرا»؛ أى يأتى عليهن المساء وقد طرحن خمرهن؛ فعل النساء يصبن بكبار قومهن.
[ ٢١٠ ]
من كان مسرورا بمقتل مالك فليأت نسوتنا بوجه نهار (١)
يجد النّساء حواسرا يندبنه يضربن أوجههنّ بالأحجار (٢)
قد كنّ يخبأن الوجوه تستّرا فاليوم حين بدون للنّظّار (٣)
أفبعد مقتل مالك بن زهير ترجو النّساء عواقب الأطهار (٤)
ما إن أرى فى قتله لذوى الحجى إلّا المطىّ تشدّ بالأكوار (٥)
ومجنّبات ما يذقن عذوفة يقذفن بالمهرات والأمهار (٦)
ومساعرا صدأ الحديد عليهم فكأنّما طلى الوجوه بقار (٧)