وذكر إسحاق بن الفضل الهاشميّ قال: إنى لعلى باب المنصور يوما، وإلى جنبى عمارة (١) بن حمزة، إذ طلع عمرو بن عبيد على حمار، فنزل عن حماره، ثم دفع (٢) البساط برجله وجلس دونه، فالتفت إلى عمارة فقال: لا
تزال/ بصرتكم ترمينا منها بأحمق؛ فما فصل كلامه من فيه حتى خرج الربيع وهو يقول: أبو عثمان عمرو بن عبيد! قال:
فو الله ما دلّ على نفسه حتى أرشد إليه، فأتكأه (٣) يده، ثم قال له: أجب أمير المؤمنين جعلت فداك! فمرّ متوكّئا (٤) عليه؛ فالتفت إلى عمارة فقلت: إنّ الرجل الّذي استحمقت (٥)
_________________
(١) هو عمارة بن حمزة بن ميمون، من ولد عكرمة مولى عبد الله بن العباس؛ أحد الكتاب البلغاء، وكان سخيا جوادا، وله أخبار مأثورة فى الكرم والجود والتيه، قلده أبو العباس السفاح ضياع آل مروان، وقلده أبو جعفر المنصور ديوان خراج البصرة ونواحيها. (وانظر ترجمته وأخباره فى كتاب الوزراء والكتاب للجهشيارى: ٩٠، ١١٠، ١٢٥، ١٣٣، ١٤٧، وتاريخ بغداد ١٢: ٢٨٠ - ٢٨٠).
(٢) ش، وحاشية ت (من نسخة): «رفع».
(٣) حواشى الأصل، ت، ف: «أتكأه يده؛ كأنه جعله متكئا عليها، وأصل التاء فى هذه الكلمة بالواو؛ يقال: أوكأت فلانا إذا جعلت له متكئا».
(٤) من نسخة بحواشى الأصل، ت، ف: «متكئا».
(٥) ف، وحاشية ت (من نسخة): «استحمقته».
[ ١٧٣ ]
قد أدخل وتركنا، فقال: كثيرا ما يكون ذلك، فأطال اللّبث، ثم خرج الربيع وهو متوكّئ عليه، والربيع يقول: يا غلام، حمار أبى عثمان، فما برح حتى أتى بالحمار، فأقرّه على سرجه؛ وضمّ إليه نشر (١) ثوبه، واستودعه الله.
فأقبل عمارة على الربيع فقال: لقد فعلتم اليوم بهذا الرجل ما لو فعلتموه بوليّ عهدكم لقضيتم ذمامه. قال: فما غاب عنك ممّا فعل به أكثر وأعجب، قال عمارة: فإن اتّسع لك الحديث فحدّثنا.
فقال الربيع: ما هو إلّا أن سمع الخليفة بمكانه، فما أمهل حتى أمر بمجلس ففرش لبودا، ثم انتقل إليه والمهدىّ معه عليه سواده وسيفه؛ ثم أذن له، فلما دخل عليه سلّم بالخلافة، فردّ عليه وما زال يدنيه حتى أتكأه فخذه وتحفّى به، ثم سأله عن نفسه وعن عياله، يسمّيهم رجلا رجلا، وامرأة امرأة، ثم قال: يا أبا عثمان، عظنا فقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم [بسم الله الرحمن الرحيم] (٢): وَالْفَجْرِ. وَلَيالٍ عَشْرٍ. وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ؛ [الفجر: ١ - ٣]، ومرّ فيها إلى آخرها، وقال: إنّ ربك يا أبا جعفر لبالمرصاد، قال: فبكى بكاء شديدا؛ كأنه لم يسمع تلك الآيات إلّا تلك الساعة، ثم قال: زدنى، فقال: إن الله أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك منه يبعضها، واعلم أن هذا الأمر الّذي صار إليك إنما كان فى يد من كان قبلك، ثم أفضى إليك، وكذلك يخرج منك إلى من هو بعدك، وإنى أحذّرك ليلة تمخّض (٣) صبيحتها عن يوم القيامة. قال: فبكى أشدّ من بكائه الأول حتى رجف جنباه.
وفى رواية أخرى أنه لما انتهى إلى آخر السورة قال: إنّ ربّك لبالمرصاد لمن عمل مثل عملهم، أن ينزل به مثل ما نزل بهم، فاتّق الله، فإنّ من وراء بابك نيرانا تأجّج من الجور،
_________________
(١) النشر، بالتحريك: المنتشر من كل شيء.
(٢) ساقط من ط، ف، م.
(٣) حاشية الأصل (من نسخة): «تتمخض».
[ ١٧٤ ]
ما يعمل فيها بكتاب الله ولا بسنّة رسول الله (١). فقال: يا أبا عثمان؛ إنا لنكتب إليهم فى الطّوامير (٢)، / نأمرهم بالعمل بالكتاب والسنّة، فإن لم يفعلوا فما عسى أن نصنع! فقال له:
مثل أذن الفأرة يجزيك من الطّوامير، آلله تكتب إليهم فى حاجة نفسك فينفذونها، وتكتب إليهم فى حاجة الله فلا ينفذونها؛ إنّك والله لو لم ترض من عمّالك إلا بالعدل إذا لتقرب إليك به من لانيّة له فيه.
قال سيدنا أدام الله علوّه: رجعنا إلى نسق الحديث، فقال له سليمان بن مجالد: رفقا بأمير المؤمنين، فقد أتعبته منذ اليوم، فقال له: بمثلك ضاع الامر وانتشر، لا أبا لك! وماذا خفت على أمير المؤمنين أن بكى من خشية الله! .
وفى رواية أخرى أنّ سليمان بن مجالد لما قال له ذلك رفع عمرو رأسه فقال له: من أنت؟
فقال أبو جعفر: أولا تعرفه يا أبا عثمان؟ قال: لا، ولا أبالى ألّا أعرفه! فقال: هذا أخوك سليمان بن مجالد، فقال: هذا أخو الشيطان، ويلك يا ابن أم مجالد! خزنت نصيحتك عن أمير المؤمنين، ثم أردت أن تحول بينه وبين من أراد نصيحته! يا أمير المؤمنين؛ إنّ هؤلاء اتخذوك سلّما لشهواتهم، فأنت كالآخذ بالقرنين وغيرك يحلب، فاتّق الله فإنك ميت وحدك، ومحاسب وحدك، ومبعوث وحدك، ولن يغنى عنك هؤلاء من ربك شيئا! فقال له المنصور: يا أبا عثمان؛ أعنّي بأصحابك أستعن بهم، فقال له: أظهر الحق يتّبعك أهله، قال: بلغنى أن محمد بن عبد الله ابن الحسن (٣) كتب إليك كتابا، قال: قد جاءنى كتاب يشبه أن يكون كتابه، قال: فبماذا أجبته؟ قال: أولست قد عرفت رأيى فى السيف أيام كنت تختلف إلينا؟ وإنى لا أراه، قال: أجل! ولكن تحلف لى ليطمئن قلبى! قال: لئن كذبتك تقيّة لأحلفنّ لك تقيّة، قال له: أنت الصادق البارّ، وقد أمرت لك بعشرة آلاف درهم، تستعين بها على زمانك؛
_________________
(١) م: «رسوله».
(٢) الطوامير: جمع طومار؛ وهو الصحيفة.
(٣) هو محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب؛ الملقب بالنفس الزكية؛ وكان من أفضل أهل بيته؛ علما وفقها وشجاعة وجودا؛ قتله أبو جعفر المنصور سنة ١٤٥؛ (وانظر ترجمته وأخباره فى مقاتل الطالبيين ٢٣٢ - ٢٩٩).
[ ١٧٥ ]
فقال: لا حاجة لى فيها، قال المنصور والله لتأخذنّها، قال: والله لا أخذتها، فقال له المهدى:
يحلف أمير المؤمنين وتحلف! فترك المهدىّ وأقبل على المنصور وقال: من هذا الفتى؟ فقال:
هذا ابنى محمد، وهو المهدىّ وهو ولى العهد، فقال: [والله لقد سميته أسماء ما استحقها بعمل] (١)، وألبسته لبوسا ما هو من لبوس الأبرار/ ولقد مهّدت له أمرا أمتع ما يكون به أشغل (٢) ما تكون عنه! ثم التفت إلى المهدىّ فقال: نعم يا ابن أخى، إذا حلف أبوك حلف عمّك؛ لأن أباك أقدر على الكفّارة من عمك؛ قال المنصور: يا أبا عثمان، هل من حاجة؟
قال: نعم، قال ما هى؟ قال: ألا تبعث إلى حتى آتيك؛ قال: إذا (٣) لا نلتقى، قال: عن حاجتى سألتنى، ثم ودّعه ونهض؛ فلما ولى أتبعه بصره وأنشأ يقول:
كلّكم طالب صيد كلّكم ماش رويد (٤)
غير عمرو بن عبيد