قال الشريف المرتضى ﵁: وممّن كان من مشهورى الشعراء ومتقدّميهم على مذاهب أهل العدل ذو الرّمة؛ واسمه غيلان بن عقبة، وكنيته أبو الحارث، وذو الرّمة/ لقب لقّب به لبيت قاله، وهو قوله فى صفة الوتد:
* أشعث (٢) باقى رمّة التّقليد*
والرّمة: القطعة البالية من الحبل؛ يقال: حبل أرمام؛ إذا كان ضعيفا باليا؛ وقيل إنه إنما لقّب بذى الرّمة لأنه كان- وهو غلام- يتفزّع، فجاءته أمّه بمن كتب له كتابا وعلّقته عليه برمّة من حبل؛ فسمّى ذا الرّمة.
ويشهد بمذهبه فى العدل ما أخبرنا به أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزبانىّ قال حدّثنا ابن دريد قال حدثنا أبو
عثمان الأشناندانىّ عن التّوزيّ عن أبى عبيدة قال:
اختصم رؤبة وذو الرّمّة عند بلال بن أبى بردة، فقال رؤبة: والله ما فحص طائر أفحوصا، ولا تقرمص سبع قرموصا (٣) إلّا بقضاء من الله وقدر؛ فقال له ذو الرّمة: والله ما قدّر الله على الذّئب أن يأكل حلوبة (٤) عيائل (٥) ضرائك؛ فقال رؤبة: أفبقدرته أكلها؟ هذا كذب
_________________
(١) حاشية الأصل (من نسخة): «ويجوز».
(٢) حاشية الأصل: «بكسر الثاء؛ لأن قبله: * وغير مشجوج القفا موتود* أشعث وفى حاشية ف: «رمة التقليد؛ أى الرمة التى يجيء منها تقليد الوتد بها»، والبيت فى ديوانه: ١٥٥.
(٣) فى حاشيتى الأصل، ف «تقرمص؛ أى اتخذ قرموصا، وهو الموضع الّذي يأوى إليه».
(٤) فى حاشيتى الأصل، ف: «الحلوبة: التى بها لبن يحلب؛ وأكثر ذلك فى النوق، وقد تستعمل فى غيرها».
(٥) فى حاشيتى ت، ف: «عيال الرجل: من يعوله، وواحد العيال عيل، مثل جيد وجياد وجيائد. والضريك: الضرير البائس الفقير؛ ولا يصرف له فعل، ولا يقال: ضركه بمعنى ضره؛ والجمع ضرائك وضركاء».
[ ١٩ ]
على الذئب ثان (١)، فقال ذو الرّمّة: الكذب على الذّئب خير من الكذب على ربّ الذّئب.
وهذا الخبر صريح فى قوله بالعدل واحتجاجه عليه، وبصيرته فيه؛ فأما العيائل فهو جمع عيّل، وهو ذو العيال. والضرائك: جمع ضريك وهو الفقير.
قال الشريف المرتضى ﵁: وأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدّثنا أحمد ابن محمد المكىّ عن أبى العيناء عن الأصمعىّ عن إسحاق بن سويد قال: أنشدنى ذو الرّمة:
وعينان قال الله كونا فكانتا فعولان بالألباب ما تفعل الخمر (٢)
فقلت له: «فعولين» خبر الكون، فقال لى: لو سبّحت ربحت، إنما قلت: «وعينان فعولان» وصفتهما بذلك. وإنما تحرّز ذو الرّمة بهذا الكلام من القول بخلاف العدل.
وقد روى هذا الخبر على خلاف هذا الوجه (٣)؛ أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنى أحمد بن خالد النحاس (٤) قال حدّثني (٥) محمد بن القاسم أبو العيناء قال حدّثنا الأصمعىّ قال: لما أنشد ذو الرّمة قوله:
وعينان قال الله كونا فكانتا فعولين بالألباب ما تفعل الخمر
- وهو يريد: كونا فكانتا فعولين حيث كانتا (٦) - قال له عمرو بن عبيد (٧): ويحك! قلت عظيما، فقل: «فعولان بالألباب»، فقال له ذو الرّمة، ما أبالى: أقلت هذا أم سبّحت، فلما علم بما ذهب إليه عمرو قال: سبحان الله! لو عنيت ما ظننت كنت جاهلا.
_________________
(١) حواشى الأصل، ت، ف: «قوله «ثان» لا يعنى أنه كذب على الذئب مرتين؛ وإنما المعنى: إنك كاذب على الخلق فى أن أفعالهم ليست بفضاء من الله وقدر؛ لأنه وإن ذكر الطائر والسبع؛ فإنه يعنى به الخلق؛ ثم لما ذكر ذو الرمة الذئب قال رؤبة: هذا كذب على الذئب ثان لذلك الكذب الأول الّذي استشهدت عليه بالطائر والسبع».
(٢) ديوانه: ٢١٣.
(٣) الخبر فى (الأغانى ١٦: ١١٧)، وفيه: «لو قلت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ كان خيرا لك».
(٤) حاشية ت (من نسخة): «النخاس».
(٥) حاشية ت (من نسخة): «حدثنا».
(٦) ت «خبر كانتا»، ولعله تحريف.
(٧) حاشية الأصل: «كان معتزليا عدليا».
[ ٢٠ ]
قال الشريف المرتضى ﵁: وممّن روى أنه كان على مذاهب أهل العدل من شعراء الطبقة الأولى أعشى (١) قيس بن ثعلبة، واستشهد بقوله:
استأثر الله بالوفاء وبال عدل وولى الملامة الرّجلا (٢)