قال سيدنا الشريف الأجلّ المرتضى ذو المجدين أدام الله علوّه: وكما أنه كان فى الجاهلية وقبل الإسلام وفى ابتدائه قوم يقولون بالدهر، وينفون الصانع، وآخرون مشركون يعبدون غير خالقهم، ويستنزلون الرزق من غير رازقهم أخبر الله تعالى عنهم فى كتابه، وضرب لهم الأمثال، وكرّر عليهم البينات والأعلام، فقد نشأ بعد هؤلاء جماعة ممن يتستّر بإظهار الإسلام ويحقن بإظهار شعاره والدخول فى جملة أهله دمه وماله زنادقة ملحدون، وكفار مشركون؛ فمنعهم (٣) عزّ الإسلام عن المظاهرة والمجاهرة، وألجأهم خوف القتل إلى المساترة؛ وبلية هؤلاء على الإسلام وأهله أعظم وأغلظ، لأنهم يدغلون فى الدين، ويموّهون على المستضعفين، بجأش رابط، ورأى جامع؛ فعل من قد أمن الوحشة، ووثق بالأنسة، بما يظهره (٤) من لباس الدين، الّذي هو منه على الحقيقة عار، وبأثوابه غير متوار، كما يحكى أنّ عبد الكريم بن أبى العوجاء قال لما قبض عليه محمد بن سليمان، وهو والى الكوفة من قبل
_________________
(١) حاشية ف: «الحميم: الماء الحار، والآنى: الّذي بلغ نهايته».
(٢) ش: «وهذا لا شبهة».
(٣) ش: «فقمعهم».
(٤) ش: «فيما يظهره».
[ ١٢٧ ]
المنصور، وأحضره/ للقتل، وأيقن بمفارقة الحياة (١): لئن قتلتمونى لقد وضعت فى أحاديثكم أربعة آلاف حديث مكذوبة مصنوعة (٢).
والمشهورون من هؤلاء الوليد بن يزيد بن عبد الملك، والحمادون: حمّاد الراوية، وحمّاد ابن الزّبرقان، وحمّاد عجرد؛ وعبد الله بن المقفع، وعبد الكريم بن أبى العوجاء، وبشار بن برد، ومطيع بن إياس، ويحيى بن زياد الحارثىّ، وصالح بن عبد القدوس الأزدىّ، وعليّ بن خليل الشّيبانى، وغير هؤلاء ممن لم نذكره؛ وهم وإن كان عددهم كثيرا فقد أقلهم الله وأذلهم (٣) بما شهدت به دلائله الواضحة، وحججه اللائحة على عقولهم من الضعف، وآرائهم من السّخف.
ونحن نذكر من أخبار كلّ واحد ممن ذكرناه وتهمته فى دينه نبذة (٤)، ونومئ فيها إلى جملة (٥). والّذي دعانا إلى التشاغل بذلك- وإن كانت عنايتنا بغيره أقوى- مسئلة من نرى إجابته، ونؤثر موافقته، فتكلفناه له ومن أجله، مع أنه غير خال من فائدة ينفع علمها، ويتأدب بروايتها وحفظها.