فمن ذلك ما روى عن أمير المؤمنين ﵇ (١) وهو يصف الله تعالى: «بمضادّته (٢) بين الأشياء علم أن لا ضدّ له، وبمقارنته بين الأمور علم أن لا قرين له، ضادّ النور بالظلمة، والخشونة باللين، واليبوسة بالبلل، والصّرد (٣) بالحرور؛ مؤلّف بين متعادياتها (٤)، مفرّق بين متدانياتها».
_________________
(١) ت: « ﵇ أنه قال وهو يصف ».
(٢) فى حاشيتى الأصل، ف: «أى بنصب المضادة بين الضدين يستدل على أن لا ضد له؛ لأن من يقدر على ذلك لا بد أن يكون متوحدا بصفات الجلال، التى تحيل أن يكون للموصوف بها ضد».
(٣) فى حاشيتى ت، ف: «الصرد: البرد؛ وهو فارسى معرب، يقال: يوم صرد وصرد [بسكون الراء وفتحها]، وصرد الرجل [بكسر الراء] يصرد صردا [بفتحها]».
(٤) ف، ونسخة بحاشيتى الأصل، ف: «متباعداتها».
[ ١٤٨ ]
وروى عنه ﵇ أنه سئل: بم عرفت ربك؟ فقال: بما عرّفنى به، قيل: وكيف عرّفك؟ فقال: «لا تشبهه صورة، ولا يحسّ بالحواسّ الخمس، ولا يقاس بقياس الناس». وقيل له ﵇: كيف يحاسب الله الخلق؟ فقال: كما يرزقهم، فقيل: كيف يحاسبهم ولا يرونه؟
فقال؛ كما يرزقهم ولا يرونه.
وسأله رجل فقال: أين كان ربّك قبل أن يخلق السماء والأرض؟ فقال ﵇:
أين سؤال عن مكان، وكان الله ولا مكان.
وروى عن أبى عبد الله الصّادق (١) ﵇ أنه سأله محمد الحلبىّ فقال له: هل رأى رسول الله صلى الله عليه وآله ربّه؟ قال: نعم رآه بقلبه، فأما ربّنا ﷻ فلا تدركه أبصار الناظرين، ولا تحيط به أسماع السامعين.
وروى صفوان بن يحيى قال: دخل أبو قرّة المحدّث على أبى الحسن الرّضا (٢) ﵇ فسأله (٣) عن أشياء من الحلال والحرام والأحكام والفرائض، حتى بلغ إلى التوحيد، فقال له أبو قرّة: إنا روّينا أن الله تعالى قسم الكلام والرؤية، فقسم لموسى الكلام، ولمحمد صلى الله عليه وآله الرؤية، فقال الرّضا ﵇: فمن المبلّغ عن الله تعالى إلى الثّقلين: الجنّ والإنس أنه لا تدركه الأبصار، ولا يحيطون به علما، وليس كمثله شيء؟ أليس محمد ﵇ نبيا صادقا؟
قال: بلى، قال: فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعا فيخبرهم أنه جاء من عند الله تعالى يدعوهم إليه بأمره، ويقول: لا تدركه الأبصار، ولا يحيطون به علما، وليس كمثله شيء، ثم يقول:
_________________
(١) هو الإمام ابو عبد الله جعفر الصادق بن محمد الباقر بن على زين العابدين بن الحسين بن على بن أبى طالب، وأمه فروة بنت القاسم بن محمد بن أبى بكر، ولد بالمدينة سنة ٨٠، وروى عن أبيه وجده القاسم وطبقتهما، وقد ألف تلميذه جابر بن حيات الصوفى كتابا فى ألف ورقة يتضمن رسائله؛ وتوفى سنة ١٤٨، ودفن بالبقيع؛ (شذرات الذهب ١: ٢٢٠).
(٢) هو الإمام أبو الحسن على الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق، ثامن الأئمة الاثنى عشر، توفى بطوس سنة ٢٠٤، وصلى عليه المأمون؛ ودفن بجانب الرشيد. (شذرات الذهب ٢: ٦).
(٣) حاشية ت (من نسخة): «فساء له».
[ ١٤٩ ]
سأراه بعينى وأحيط به علما؛ أما تستحيون ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون يأتى عن الله تعالى بشيء، ثم يأتى بخلافه من وجه آخر! قال أبو قرّة: فإنه يقول: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى؛ [النجم: ١٣، ١٤]، فقال ﵇: ما بعد هذه الآية يدلّ على ما رأى؛ حيث يقول: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى؛ [النجم: ١١]، يقول ما كذب فؤاد محمد ما رأت عيناه، ثم أخبر بما رأى، فقال: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى؛ [النجم: ١٨]، وآيات الله غير الله، وقد قال الله تعالى: وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا؛ [طه: ١١٠]، فإذا رأته الأبصار فقد أحاط به العلم. فقال أبو قرّة: فأكذّب بالرؤية؟ فقال الرضا ﵇: إذن القرآن كذّبها، وما أجمع عليه المسلمون أنه لا يحاط به علما، ولا تدركه الأبصار، وليس كمثله شيء.
وأتى أعرابىّ أبا جعفر محمد بن عليّ ﵉ (١) فقال له: هل رأيت ربّك حين (٢) عبدته؟ فقال: لم أكن لأعبد شيئا لم أره، فقال: كيف رأيته؟ فقال: لم تره الأبصار بمشاهدة العيان، بل رأته القلوب بحقائق الإيمان؛ لا يدرك
بالحواس، ولا يقاس بالنّاس، معروف بالآيات، منعوت بالعلامات، لا يجور فى قضيّته؛ هو الله الّذي لا إله إلا هو. فقال الأعرابىّ: الله أعلم حيث يجعل رسالاته!
وروى أنّ شيخا حضر صفّين مع أمير المؤمنين ﵇ فقال له: أخبرنا يا أمير المؤمنين عن مسيرنا إلى الشام، أكان بقضاء من الله تعالى وقدر؟ قال له: / نعم يا أخا أهل الشام، والّذي فلق الحبّة، وبرأ النّسمة، ما وطئنا موطأنا، ولا هبطنا واديا، ولا علونا تلعة إلا بقضاء من الله وقدر، فقال الشامىّ: عند الله أحتسب عنائى يا أمير المؤمنين، وما أظنّ أن لى أجرا فى سعيى إذ كان الله قضاه عليّ وقدّره! فقال له ﵇: إن الله قد أعظم
_________________
(١) هو الإمام أبو جعفر محمد الجواد بن على الرضا بن موسى الكاظم؛ أحد الأئمة الاثنى عشر؛ توفى ببغداد سنة ٢٢٠؛ (شذرات الذهب ٢: ٤٨).
(٢) ش: «حتى».
[ ١٥٠ ]
لكم الأجر على مسيركم وأنتم سائرون، وعلى مقامكم وأنتم مقيمون، ولم تكونوا فى شيء من حالاتكم مكرهين، ولا إليها مضطرين، ولا عليها مجبرين.
فقال الشامىّ: وكيف ذاك والقضاء والقدر ساقانا، وعنهما كان مسيرنا وانصرافنا؟
فقال له ﵇: يا أخا أهل الشام، لعلّك ظننت قضاء لازما، وقدرا حتما؛ لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد، والأمر من الله والنهى، وما كان المحسن أولى بثواب الإحسان من المسيء، والمسيء أولى بعقوبة الذنب من المحسن؛ تلك مقالة عبدة الأوثان، وحزب الشيطان، وخصماء الرحمن، وشهداء الزور، وقدريّة هذه الأمة ومجوسها؛ إنّ الله أمر عباده تخييرا، ونهاهم تحذيرا، وكلّف يسيرا، وأعطى على القليل كثيرا، ولم يطع مكرها، ولم يعص مغلوبا، ولم يكلّف عسيرا، ولم يرسل الأنبياء لعبا، ولم ينزّل الكتب إلى عباده عبثا، ولا خلق السموات والأرض وما بينهما باطلا؛ ذلك ظنّ الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار!
قال الشامىّ: فما القضاء والقدر الّذي كان مسيرنا بهما وعنهما؟ قال: الأمر من الله بذلك والحكم، ثم تلا: وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا؛ [الأحزاب: ٣٨]، فقام الشامىّ فرحا مسرورا لمّا سمع هذا المقال، وقال: فرّجت عنى فرّج الله عنك يا أمير المؤمنين، وأنشأ يقول:
أنت الإمام الّذي نرجو بطاعته يوم الحساب من الرّحمن غفرانا (١)
أوضحت من أمرنا (٢) ما كان ملتبسا جزاك ربّك بالإحسان إحسانا (٣)
وروى أنّ أبا حنيفة النعمان بن ثابت قال: دخلت المدينة، فرأيت أبا عبد الله [جعفر ابن عليّ] (٤) ﵇،
فسلّمت عليه، وخرجت من عنده، فرأيت (٥) ابنه موسى (٦) ﵇
_________________
(١) حاشية ف: «فى رواية* يوم النشور من الرحمن رضوانا*».
(٢) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «أوضحت من ديننا».
(٣) حاشية ف: «فى رواية: * جزاك ربك عنا فيه إحسانا*».
(٤) تكملة من ت.
(٥) ت، ش: «فأتيت».
(٦) هو المعروف بموسى الكاظم، أحد الأئمة الاثنى عشر؛ توفى سنة ١٨٣؛ (شذرات الذهب ١: ٣٠٤).
[ ١٥١ ]
فى دهليزه، قاعدا فى مكتبه، / وهو صغير السن فقلت له: أين يحدث (١) الغريب إذا كان (٢) عندكم وأراد ذلك؟ فنظر إلى ثم قال: يتجنّب شطوط الأنهار، ومساقط (٣) الثمار، وأفنية الدور، والطرق النافذة، والمساجد، ويضع ويرفع بعد ذلك حيث شاء. قال: فلما سمعت هذا القول نبل فى عينى، وعظم فى قلبى. فقلت له: جعلت فداك! فممّن المعصية؟ فنظر إلى ثم قال:
اجلس حتى أخبرك، فجلست، فقال: إنّ المعصية لا بدّ أن تكون من العبد أو من ربه، أو منهما جميعا؛ فإن كانت من الله تعالى فهو أعدل وأنصف من أن يظلم عبده، ويأخذه بما لم يفعله، وإن كان منهما فهو شريكه؛ والقوىّ أولى بإنصاف عبده الضعيف، وإن كانت من العبد وحده فعليه وقع الأمر، وإليه توجّه النهى، وله حق الثواب والعقاب، ووجبت الجنة والنار، قال:
فلما سمعت ذلك قلت: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ؛ [آل عمران: ٣٤]، وقد نظم هذا المعنى شعرا فقيل:
لم تخل أفعالنا اللّاتى نذمّ لها إحدى ثلاث خلال حين نأتيها
إمّا تفرّد بارينا بصنعتها فيسقط اللّوم عنّا حين ننشيها
أو كان يشركنا فيها فيلحقه ما سوف يلحقنا من لائم فيها
أو لم يكن لإلهى فى جنايتها ذنب فما الذّنب إلّا ذنب جانيها (٤)