أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنى القاسم بن الحسين الورّاق قال حدثنا سليمان ابن داود الطّوسىّ قال حدّثنا سوّار بن عبد الله القاضى عن الأصمعىّ قال: دخلت على
_________________
(١) فى حاشيتى الأصل، ف: «أيادى، يجوز أن تكون نصبا على الحال، وعلى المصدر أيضا؛ فإذا كان حالا كان التقدير: تفرقوا أمثال أيادى سبا، وإذا كان مصدرا فالتقدير: تفرقوا تفرق أولاد سبا». وفى حواشى الأصل، ت، ف أيضا: «يقال تفرقوا أيادى سبا، وفى معناه قولان: أحدهما أنه سبأ بن يشجب، والأيادى: الأولاد، وفيه إنه من السبى، ووزنه فعل؛ وحينئذ ينصرف، وإنما صار الأولاد أيادى؛ لأنه يستعان بهم كما يستعان بالأيادى، والأيادى جمع الجمع، يد وأيد وأياد».
(٢) حاشية ف: «الأرصع والأرسح والأزل: قليل لحم الورك».
(٣) حاشية ف. «مصطلم: مقطوع الذكر».
[ ٨١ ]
الرشيد (١) فى الليل، فتذاكرنا أحوال القمر، فقلت: العرب تقول للقمر إذا كان ابن ليلة: ما أنت ابن ليلة (٢)؟ قال: رضاع سخيلة، حلّ أهلها برميلة. قيل له: ما أنت (٣) ابن ليلتين؟
قال: حديث أمتين، بكذب ومين. قيل له: ما أنت ابن ثلاث؟ قال: قليل اللّباث- وقيل أيضا: حديث فتيات، غير جدّ
مؤتلفات- قيل له: فما أنت ابن أربع؟ قال: عتمة أمّ ربع- وقيل: عتمة أم الرّبع (٤) - غير جائع ولا مرضع. قيل له: فما أنت (٥) ابن خمس؟
قال: عشاء خلفات قعس- ويقال: حديث وأنس، ويقال: سر ومسّ (٦) - قيل له:
ما أنت (٧) ابن ست؟ قال سر وبت- وقيل: تحدّث (٨) وبت- قيل له: ما أنت (٩) ابن
_________________
(١) حاشية ف: «حدث عبيد الله بن محمد التيمى قال: أراد الرشيد سفرا؛ وأمر الناس أن يتأهبوا لذلك، وأعلمهم أنه خارج بعد الأسبوع؛ فمضى الأسبوع ولم يخرج، فاجتمعوا إلى المأمون يسألونه أن يستعلم ذلك؛ ولم يكن الرشيد يعلم أن المأمون يقول الشعر؛ فكتب إليه المأمون: يا خير من خبّت المطىّ به ومن تقدّى بسرجه فرس هل غاية فى المسير نعرفها أم أمرنا فى المسير ملتبس ما علم هذا إلّا إلى ملك من نوره فى الظّلام يقتبس إن سرت سار الرّشاد متّبعا وإن تقف بالرّشاد يحتبس فقرأها الرشيد وسرّ بها، ووقع فيها: يا بنيّ، ما أنت والشعر! أما علمت أن الشعر أرفع حالات الدنى، وأقل حالات السرى! والمسير إلى ثلاث إن شاء الله. - قول المأمون فى شعره: «ومن تقدى بسرجه فرس»، تقدى أى استمر؛ كما قال ابن قيس الرقيات: تقدّت بى الشّهباء نحو ابن جعفر سواء عليها ليلها ونهارها أى استمرت وجرت قاصدة إليك».
(٢) فى حاشيتى الأصل، ف: «أى أستفهمك عن نفسك فى حال كونك ابن ليلة».
(٣) ط، م: «فما أنت».
(٤) د، حاشية ف (من نسخة): «أم ربع».
(٥) ت، د: «ما أنت».
(٦) فى حاشيتى ت، ف: «مس، أى ليكن سيرك مساء للضوء».
(٧) ط، م: «فما أنت».
(٨) ف، حاشية الأصل (من نسخة): «حدث».
(٩) د، ت، ف: «قيل: ما أنت». ط، م: «قيل فما أنت».
[ ٨٢ ]
سبع؟ قال دلجة (١) ضبع (٢) - وقيل هدى لأنس (٣) ذى الجمع، وقيل: حديث جمع، وقيل:
يضفر فىّ النّسع (٤)، وقيل: يلتقط فىّ الجزع- قيل: ما أنت ابن ثمان؟ قال: قمر إضحيان (٥).
قيل: له: ما أنت ابن تسع؟ قال منقطع الشّسع- وقيل يلتقط فىّ الجزع، وقيل:
الودع (٦)، وقيل عشيّة أهل جمع- قيل له: ما أنت ابن عشر؟ قال: ثلث الشهر، - وقيل: مخنّق الفجر، وقيل: أؤدّيك إلى الفجر، وقيل: أبادر الفجر- قيل له: ما أنت ابن إحدى عشرة (٧)؟ قال: أطلع عشاء، وأرى بكرة- وقيل: أغيب بسحرة- قيل:
له ما أنت ابن اثنتى عشرة؟ قال: مؤنق للبشر (٨)، بالبدو والحضر. قيل: ما أنت ابن ثلاث عشرة؟ قال: قمر باهر، يعشى له الناظر؛ قيل له: ما أنت ابن أربع عشرة؟ قال: مقتبل الشباب، أضيء مد جنات (٩) السّحاب- وقيل مضئ (١٠) للسحاب- قيل له: ما أنت ابن خمس عشرة؟ قال: تمّ الشّباب، وانتصف الحساب.
_________________
(١) س: «بضم الدال»، ت: «بضم الدال وفتحها معا».
(٢) فى نسخة بحاشيتى ت، ف: «الضبع».
(٣) ج، ص: «لأنس ذى الجمع»، بتنوين السين.
(٤) النسع: سير مضفور مثل الأعنة.
(٥) ت، ص: «قمر إضحيان»، بالإضافة؛ وفى حاشية الأصل (من نسخة): «قمر أضحيان»، بضم الهمزة. وفى حواشى الأصل، ت، ف: «قمر إضحيان وليلة ضحيانة، بالكسر؛ هو المعروف الصحيح».
(٦) الودع: خرز أبيض يخرج من البحر؛ معروف.
(٧) فى حاشيتى ت، ف: «يقال: إن ما بعد العشر موضوع لم يرو عن قدماء العرب».
(٨) فى نسخة بحاشيتى ت، ف: «موفق البشر».
(٩) حاشية ف: «أضيء مدجنات السحاب؛ التقدير: السحاب المدجنات؛ وهذا من باب ما يقال له إضافة الصفة إلى الموصوف فى الظاهر؛ كقول: مررت بحسان النساء، وجسام الرجال؛ أى النساء الحسان والرجال الجسام».
(١٠) ت، ف، وحاشية الأصل (من نسخة): «مضئ السحاب».
[ ٨٣ ]
قيل له: ما أنت (١) ابن ست عشرة؟ قال: نقص (٢) الخلق، بالغرب والشرق. قيل له:
ما أنت ابن سبع عشرة؟ قال: أمكنت المقتفر القفرة (٣). قيل له ما أنت ابن ثمانى عشرة (٤)؟ قال: قليل البقاء، سريع الفناء. قيل له: ما أنت ابن تسع عشرة؟ قال: بطيء الطلوع/ بيّن الخشوع. قيل: ما أنت ابن عشرين؟ قال: أطلع بسحرة، وأضيء بالبهرة (٥) - وقيل: ثم أهجّر (٦) بالبهرة- قيل: ما أنت ابن إحدى وعشرين؟
قال: كالقبس؛ يرى بالغلس. قيل: ما أنت ابن اثنين وعشرين؟ قال:
لا أطلع إلا ريثما أرى. قيل: ما أنت ابن ثلاث وعشرين، قال: أطلع فى قتمة، ولا أجلو الظّلمة. قيل له: ما أنت ابن أربع وعشرين؟ قال: لا قمر ولا هلال. قيل: ما أنت ابن خمس وعشرين؟ قال: دنا الأجل، وانقطع الأمل. قيل: ما أنت ابن ست وعشرين؟
قال: دنا ما دنا؛ فلا يرى منّى إلا شفا. قيل: ما أنت ابن سبع وعشرين؟ قال: أطلع بكرا، ولا أرى ظهرا. قيل: ما أنت ابن ثمان وعشرين؟ قال: أسبق شعاع الشمس. قيل:
ما أنت ابن تسع وعشرين؟ قال: ضئيل صغير، فلا يرانى إلا البصير. قيل: ما أنت ابن ثلاثين؟ قال: هلال مستنير (٧).
قال الأصمعىّ: ثم قلت للرشيد: يقال إنه لا يحفظ هذا الحديث من الرجال إلا عاقل،
_________________
(١) ت، ف: «قيل ما أنت».
(٢) م: «ناقص الخلق».
(٣) حاشية ف (من نسخة): «المقفرة».
(٤) فى نسخة حاشيتى الأصل، ف: «ثمان عشرة».
(٥) فى حاشيتى الأصل، ف «البهرة: نصف الليل؛ يقال ابهار الليل؛ إذا انتصف، وبهرة كل شيء وسطه». ص: «البهرة البهرة: الوسط من كل شيء، وكأنه إشارة إلى نصف النهار؛ ويدل عليه ذكر التهجير؛ والله أعلم».
(٦) فى حاشيتى الأصل، ف: «معنى قوله: «أهجر بالبهرة»، أى أطلع نصف الليل، واستعمل الهجير؛ وهو نصف النهار فى الليل استعارة».
(٧) ف، وحاشية ت (من نسخة): «مستسر»، وفى نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «مستسر»، وفى حاشية ف: «مستسر، من السرار؛ وهو آخر الشهر». وفى حاشية الأصل أيضا (من نسخة): «مستبين».
[ ٨٤ ]
فقال: خذه عليّ، قلت: هات، فأعاده حتّى بلغ: «قيل له: ما أنت ابن ثمان؟ قال:
قمر أضحيان».
أما قوله: «رضاع سخيلة» أراد تصغير سخلة، والمعنى أنّ القمر يبقى بقدر ما ينزل قوم، فتضع شاتهم سخلة، ثم ترضعها ويرتحلون، فبقاؤه بالأفق بمقدار هذا الزمان. وقوله: «حلّ أهلها برميلة» أظنّ أنّ المعنى فيه الإخبار عن قلة اللّباث وسرعة الانتقال؛ لأن الرّمل ليس بمنزل مقام للقوم؛ لأنهم كانوا يختارون فى منازلهم جلد (١) الأرض وهضبها والأماكن التى لا تستولى السيول عليها، فخصّ الرّميلة لهذا المعنى. وقوله «حديث أمتين، بكذب ومين» يريد أن بقاءه قليل بمقدار ما تلقى الأمة الأمة، فتكذب لها حديثا ثم تفترقان. وقوله:
«حديث فتيات، غير جدّ مؤتلفات»، أراد أنه يبقى بقاء فتيات اجتمعن على غير ميعاد، فتحادثن ساعة ثم انصرفن غير مؤتلفات. وقوله «عتمة أم ربع (٢)»، يقال: عتّمت إبله إذا تأخرت عن العشاء، ومن هذا سميّت صلاة العتمة؛ لأنها آخر الوقت فى العشاء، وقوله «أم ربع» يعنى الناقة، وهو تأخير حلبها؛ يريد أن بقاءه بمقدار ما تحلب (٣) ناقة لها ولد ولدته فى أول الربيع/؛ وهو أول النّتاج، والولد فى هذا الوقت يسمّى ربعا، إذا كان ذكرا، فإن كان أنثى قيل ربعة، فإن كان فى آخر النّتاج قيل هبع للذكر وللأنثى هبعة. وقوله:
«عشاء خلفات قعس»؛ فالخلفات اللّواتى قد استبان حملهن، واحدتها خلفة، وهى المخاض؛ ولا واحد للمخاض من لفظها (٤)، وإنما قال: «عشاء خلفات»؛ لأنها لا تعشّى إلى أن يغيب القمر فى هذه الليلة، والقعساء الداخلة الظّهر الخارجة البطن. وقوله: «سر وبت» يريد أنه لا يبقى إلا بقدر [ما يبيت الإنسان ثم يسير] (٥)، يريد أنه يبقى بقدر ما يسير الإنسان ثم يبيت،
_________________
(١) الجلد من الأرض: الصلب المستوى.
(٢) ط، م: «أم الربع».
(٣) فى نسخة بحاشيتى ت، ف: «حلب ناقة».
(٤) كذا فى ش، وفى ج: «لفظه».
(٥) من نسخة بحاشيتى الأصل، فى «ما يسير الإنسان ثم يبيت».
[ ٨٥ ]
فقلب المعنى لأنه يسير فى الضوء.
وقوله: «قمر إضحيان»؛ أى ضاح وبارز، ويقال: «قمر إضحيان» بالتنوين فيهما جميعا، و«قمر إضحيان» بالإضافة، ومنه قيل: ليلة إضحيانة، إذا كانت نقيّة البياض.
وقوله: «منقطع الشّسع»، أراد أنه يبقى بقدر ما تبقّى شسع من قد يمشى به حتى ينقطع.
وقوله: «يلتقط فىّ الجزع»، أى أنه مضئ أبلج، لو انقطعت مخنقة فتاة فيها شذور مفصّلة بجزع ما ضاع منها شيء لضيائه ونقائه. وقوله: «أضيء بالبهرة»، يعنى به وسط الليل، لأن بهرة الشيء وسطه. وقوله: «أمكنت المقتفر القفرة»؛ فالمقتفر الّذي يتبع الآثار، ومقتفراته مواضعه التى يقصدها (١).
_________________
(١) فى نسخة بحاشيتى الأصل، ت: «وقفرته: موضعه الّذي يقصده».
[ ٨٦ ]