قال الشريف المرتضى قدّس الله روحه: كان بعض الشّيوخ المتقدمين (٥) يقول: ليس بممتنع أن يمكّن الله تعالى من الظّلم من/ يعلم من حاله أنه يرد القيامة غير مستحقّ لشيء من الأعواض، أو لما يوازى القدر المستحقّ عليه
منها؛ فإذا أراد الانتصاف منه تفضّل عليه بما ينقله إلى مستحقّ العوض، ويقول: ليس هذا ببعيد ولا مستحيل، لأن العوض ليس يختص بصفة تمنع من التفضّل بمثله، ولا يجرى فى ذلك مجرى الثواب.
_________________
(١) من المعلقة بشرح التبريزى ص ١٨٠، وقبله: وخلا الذّباب بها فليس ببارح غردا كفعل الشّارب المترنّم.
(٢) فى حاشيتى الأصل، ف: «هذا من باب إجراء الصفة على غير من هى له، كقولنا: مررت برجل حسن غلامه.
(٣) حاشية الأصل (من نسخة): «كأنه».
(٤) د، م: «من أحسن التشبيه وأوقعه»؛ وفى حواشى الأصل، ب، ف: «كثر القال والقيل فى هذا الحديث، فقال بعضهم: الأجذم: المقطوع اليد، وقال آخرون: هو المجذوم. وفى معنى هذا الحديث سر، ومعناه يتضح بالحديث الآخر الّذي روى عنه ﵇: إنى تارك فيكم الثقلين، أحدهما كتاب الله، حبل ممدود من السماء إلى الأرض .. الحديث فلما شبه الكتاب بالحبل الّذي يتعلق به، ويجعل سببا للتوقى من الهلاك عبر عن تاركه والغافل عنه بالأجذم، وإنما عبر بكلمة الأجذم الشنعة، واللفظ المستكره لأنه إذا انقطع الحبل لم يمكن أن يمسك، وإذا كانت اليد جذماء أيضا لم يمكن الإمساك، فأراد بذلك أن الإمساك غير حاصل، لأمر يرجع إلى اليد الممسكة لا إلى الحبل لأن الحبل باق بحاله؛ فهذا أحسن، والله أعلم. ومعنى النسيان هو ترك أحكامه، والأخذ بمحارمه وحدوده؛ ولا يريد ذهاب الحفظ».
(٥) حاشية الأصل: «أبو القاسم البلخى». وهو أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبى البلخى، أحد شيوخ المعتزلة، ورأس طائفة منهم يقال لهم: الكعبية، توفى سنة ٣١٧. (ابن خلكان ١: ٢٥٢).
[ ٩ ]
والمستقرّ من مذاهب الشّيوخ- وهو الصحيح- أن الانتصاف لا يجوز أن يكون موقوفا على ما يتفضّل به؛ لأنّ الانتصاف واجب على الله تعالى من حيث خلّى بين عباده وبين الظلم، فلا يجوز أن يتعلّق إلا بأمر واجب، والتفضّل لفاعله ألّا يفعله، فتئول الحال إلى تعذّر الانتصاف. وقالوا: من يعلم الله تعالى أنه يرد القيامة- ولا أعواض له- يمنعه من الظلم، ولا يمكّنه منه لهذه العلة. ويجيزون (١) أن يمكّن من الظلم من يكون فى الحال غير مستحقّ للعوض، أو غير مستحق للقدر الّذي يوازى الظلم من العوض، بعد أن يكون المعلوم من حاله أنه يرد القيامة وقد استحقّ من الأعواض ما يوازى ما عليه منها.
قال المرتضى: وهذا القول- نعنى تجويز تمكين الظالم من الظلم، وهو فى الحال غير مستحق للعوض- يبطل بالعلّة التى أبطلنا بها قول من أجاز الانتصاف بالتفضّل؛ لأنّا نعلم أن تبقية المكلّف وغير المكلّف لا تجب، وللقديم تعالى ألّا يفعلها، فلو لم يفعلها واخترم هذا الظالم بعد حال ظلمه لكان الانتصاف منه غير ممكن. وقد تعلّق
الانتصاف على هذا القول بما ليس بواجب؛ كما علّقه من قدمنا حكاية قوله بما ليس بواجب. وليس لهم أن يقولوا ذلك يحسن؛ لأن الله تعالى يعلم أنّه يبقيه فيستحقّ (٢) أعواضا؛ لأن عليهم مثل ذلك إذا قيل لهم: فأجيزوا أيضا أن يرد القيامة وهو لا يستحقّ العوض؛ ويعلم الله تعالى أنه يتفضّل عليه بما يقع به الانتصاف.
فإذا قالوا: علم الله تعالى بأنه يتفضّل، لا يخرج التفضّل من أن يكون غير واجب؛ وقيل لهم: وعلم الله تعالى بأنه يبقى من لا عوض له ليستحقّ العوض، لا يخرج التبقية من أن تكون غير واجبة، فاستوى الأمران.
والصحيح أن يقال: إنّه تعالى لا يمكّن من الظلم من لا عوض له فى الحال؛ ليستقيم الكلام ويطّرد.
_________________
(١) حاشية الأصل: «أبو هاشم وأصحابه». وهو أبو هاشم عبد السلام بن أبى على الجبائى، كان هو وأبوه من كبار أئمة المعتزلة؛ ولهما مقالات على مذهب الاعتزال؛ وكتب الكلام مشحونة بمذاهبهما واعتقادهما، توفى سنة ٣٢١، (ابن خلكان ١: ٢٩٢ - ٢٩٣).
(٢) ت، وحاشية ف (من نسخة): «ليستحق».
[ ١٠ ]