فأما مقتل زهير بن جذيمة العبسىّ أبى قيس، فاختلفت الرواة فى سببه، فيقال إن هوازن
_________________
(١) حواشى الأصل، ت، ف: «نقد عليه ذكر الإتيان مع النسوة»؛ ورواية المرزوقى فى الحماسة: «فليأت ساحتنا»، قال: وأكثر من رأيناه يروى: «فليأت نسوتنا»؛ ورأيت الأستاذ الرئيس أبا الفضل بن العميد يقول: إنى لأتعجب من أبى تمام مع تكلفه رم جوانب ما يختاره من الأبيات، وغسله من درن الألفاظ، كيف ترك تأمل قوله: «فليأت نسوتنا»؛ وهذه لفظة شنيعة»: ووجه النهار: صدره.
(٢) ت: «بالأسحار»، وهى رواية الحماسة، وفى ونسخة بحاشية الأصل: «بالأسيار».
(٣) ف، ونسخة بحاشيتى الأصل، ت: «برزن»؛ وهى رواية الحماسة. ت: «قد أبرزن».
(٤) المراد بعواقب الأطهار مراجعة الأزواج إلى أزواجهن بعقب أطهارهن؛ وفى حواشى الأصل، ت، ف، تعليقا على قوله: «زهير»، بإسكان الياء: «جعل عروض الضرب الثانى من الكامل مقطوعة، وردها من متفاعلن إلى فعلاتن»؛ وهذا الحذف يسميه المتأخرون القطع، وسماه الخليل الإقعاد؛ وسماه ابن قتيبة الإقواء؛ لأنه نقص من عروضه قوة، (وانظر العمدة ١: ٩٤، والشعر والشعراء ٤٣، وشروح سقط الزند ١١٤٦).
(٥) رواية الحماسة- بشرح التبريزى: «لذوى النهى». وتشد بالأكوار، أى تشد عليها الأكوار.
(٦) المجنبات هنا: الخيل تجنب إلى الإبل فى الغزو. والعذوف والعذوفة أدنى ما يؤكل، ورواية الحماسة: «عذوفا»، والمهرات: جمع مهرة؛ قال التبريزى فى معنى البيتين: «ما أرى فى قتل مالك بن زهير رأيا لذوى العقول؛ إلا أن تركب الإبل وتجنب الخيل، ويسار بها سيرا عنيفا؛ حتى ترمى أجنتها، فتبلغ بنا إلى عدونا، فنغير عليهم، ونسفك دماءهم».
(٧) المساعر: جمع مسعر، والمسعر: هو الشجاع؛ كأنه آلة فى إسعار الحرب وإيقادها؛ وصدأ الحديد آت من اتصالهم بالدروع ولبسها.
[ ٢١١ ]
ابن منصور كانت تؤتى الإتاوة زهير بن جذيمة، ولم تكثر عامر بن صعصعة بعد، فهم أذلّ من يد فى رحم، فأتت عجوز من هوازن زهير بن جذيمة بسمن فى نحى، واعتذرت إليه، وشكت السنين اللّواتى تتابعت على الناس، فذاقه فلم يرض طعمه، فدعّها- أى دفعها- بقوس فى يده عطل (١)، فى صدرها، فسقطت فبدت عورتها، فغضبت من ذلك هوازن، وحقدته إلى ما كان فى صدرها (٢) من الغيظ، وكانت يومئذ قد أمرت بنو عامر بن صعصعة- أى كثرت- فآلى جعفر بن كلاب فقال: والله لأجعلنّ ذراعى هذه وراء عنقه (٣) حتى أقتل أو يقتل (٤)؛ وفى ذلك يقول خالد بن جعفر:
أريغونى إراغتكم فإنى وحذفة كالشجى تحت الوريد (٥)
/ مقرّبة أواسيها بنفسى وألحفها ردائى فى الجليد
لعلّ الله يمكننى عليها جهارا من زهير أو أسيد
فإمّا تثقفونى فاقتلونى فمن أثقف فليس إلى خلود (٦)
ويقال بل كان السبب فى ذلك أن زهير بن جذيمة لما قتل فى غنىّ من قتل بابنه شأس وافى عكاظ، فلقيه خالد بن جعفر بن كلاب- وكان حدثا- فقال: يا زهير، أما آن لك أن تشتفى وتكف! - يعنى مما قتل بشاس- فأغلظ له زهير وحقره، فقال خالد: اللهم أمكن يدى هذه الشعراء القصيرة من عنق زهير بن جذيمة، ثم أعنّي عليه، فقال زهير: اللهم أمكن يدى هذه البيضاء (٧) الطويلة من عنق خالد، ثم خلّ بيننا، فقالت قريش: هلكت
_________________
(١) قوس عطل: لا وتر عليها.
(٢) حاشية ت (من نسخة): «صدورها».
(٣) حاشية ت (من نسخة): «من وراء».
(٤) حاشية الأصل (من نسخة): «أو أقتله».
(٥) أريغونى؛ أى اطلبوا إلى، والشجا: ما اعترض فى الحلق من عظم وغيره وفى حاشيتى ت، ف: «حذفة: اسم فرس خالد؛ وذكره الجوهرى فى صحاح اللغة، ويتخبل للناظر فيه أن يكون معنى حذفة حذيفة بن بدر وقوله: «كالشجى تحت الوريد» شبه نفسه بالشجا، وجعل حذفة كالوريد؛ و«مقربة» فى البيت الثانى مفعول «اريغونى» فرسا مقربة، والله أعلم».
(٦) إما تثقفونى؛ أى إما تصادفونى؛ وفى اللسان: ثقفته ثقفا؛ أى صادفته؛ وأنشد: فإمّا تثقفونى فاقتلونى فإن أثقف فسوف ترون بالى.
(٧) ت: «الشماء».
[ ٢١٢ ]
والله يا زهير، قال: أنتم والله الذين لا علم لهم. ثم أجمع خالد بن جعفر على قصد زهير وقتله.
واتّفق نزول زهير بالقرب من أرض بنى عامر، وكانت تماضر بنت عمرو بن الشّريد امرأة زهير بن جذيمة وأم ولده، فمرّ به أخوها الحارث بن عمرو بن الشريد، فقال زهير لبنيه: إنّ هذا الحمار لطليعة عليكم فأوثقوه، فقالت أخته لبنيها: أيزوركم خالكم فتوثقونه؟ وقالت تماضر لأخيها الحارث بن عمرو بن الشريد: إنه (١) ليريبنى اكبئنانك وقروتك- والاكبئنان الغمّ، والقروت (٢) السكوت- فلا يأخذنّ فيك ما قال زهير، فإنه رجل بيذارة غيذارة شنوءة.
- قال الأثرم: البيذارة: الكثير الكلام، والعيذان: السّيئ الخلق- ثم حلبوا له وطبا، وأخذوا عليه يمينا ألّا يجير (٣) عليهم، ولا ينذر بهم أحدا؛ فخرج الحارث حتى أتى بنى عامر، فقعد إلى شجرة يجتمع إليها بنو عامر، وألقى الوطب تحتها والقوم ينظرون، ثم قال: أيتها الشجرة الذليلة، اشربى من هذا اللبن، وانظرى ما طعمه. فقال قوم: هذا رجل مأخوذ عليه، وهو يخبركم خبرا، فذاقوا اللبن فإذا هو حلو لم يقرص بعد، فقالوا: إنه يخبرنا أن مطلبنا قريب، فركب خالد بن جعفر بن كلاب ومعه جماعة، وكان راكبا فرسه حذفة، فلقوا زهيرا، فاعتنق خالد زهيرا، وخرّا عن فرسيهما، ووقع خالد فوق زهير ونادى:
يا بنى عامر، اقتلوني والرجل، واستغاث زهير ببنيه، فأقبل إليه ورقاء بن زهير يشدّ (٤) بسيفه، فضرب خالدا ثلاث ضربات، فلم تغن شيئا، وكان على خالد درعان قد ظاهر بينهما، ثم ضرب حندج رأس زهير فقتله، ففى ذلك يقول ورقاء بن زهير:
رأيت زهيرا تحت كلكل خالد فأقبلت أسعى كالعجول أبادر (٥)
[إلى بطلين ينهضان كلاهما يريدان نصل السّيف والسيف داثر] (٦)
_________________
(١) ت: «إنى».
(٢) حواشى الأصل، ت، ف: «قرت الدم يقرت قروتا إذا مات تحت الجلد؛ وقرت إذا تغير من حزن يصيبه، والقروت: السكون».
(٣) حاشية ت (من نسخة): «ألا يخبر عنهم».
(٤) ت، وحاشية الأصل (من نسخة): «يشدّ».
(٥) العجول من النساء والإبل: الواله التى فقدت ولدها.
(٦) تكملة من ت، والأغانى، والعقد.
[ ٢١٣ ]
فشلّت يمينى يوم أضرب خالدا ويستره منّى الحديد المظاهر (١)
فيا ليت أنى قبل (٢) ضربة خالد ويوم زهير لم تلدنى تماضر!