حدثنا أبو القاسم عبد الله بن عثمان بن يحيى بن جنيقا قال أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن أحمد الحكيمىّ قراءة عليه قال أملى علينا أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب قال أخبرنا ابن الأعرابىّ أنه قيل لابنة الخسّ: ما مائة من المعز؟ قالت: «مويل يشفّ الفقر من ورائه، مال الضعيف، وحرفة العاجز». قيل لها: فما مائة من الضأن؟ قالت: «قرية لا حمى بها».
قيل: فما مائة من الإبل؟ قالت: «بخّ (٣)! جمال ومال، ومنى الرجال»، قيل لها: فما مائة من الخيل؟ قالت: «طغى عند من كانت، ولا توجد». قيل: فما مائة من الحمر؟ قالت: «عازبة الليل، وخزي المجلس، لا لبن فيحلب، ولا صوف فيجزّ (٤)، إن ربط عير هادلّى (٥)، وإن أرسل ولى (٦)».
وبهذا الإسناد عن ابن الأعرابىّ قال: قيل لابنة الخسّ- والخصّ والخسف، قال: كل ذلك يقال-: ما أحسن شيء؟ قالت: «غادية، فى أثر سارية، فى نبخاء قاوية» - قال: / نبخاء:
أرض مرتفعة، لأن النبات فى موضع مشرف أحسن- وقالوا أيضا: «نفخاء»، أى رابية،
_________________
(١) ت: «الجلد».
(٢) القمحدوة: الهنة الناشرة فوق القفا وأعلى القذال خلف الأذنين.
(٣) «ت، ج: «بخ بخ»، بتنوين الخاء.
(٤) د: «فيجز».
(٥) من نسخة بحواشى الأصل، ت، ف: «أدلى».
(٦) ت: «وإن أرسلته»، والخبر فى المزهر ٢: ٥٤٥.
[ ٢٢٠ ]
ليس بها رمل ولا حجارة، قال: والجمع النّفاخى (١)، ونبت الرابية أحسن من نبت الأودية، لأن السيل يصرع الشجر فيقذفه فى الأودية، ثم يلقى عليه الدّمن (٢).
قال الشريف أدام الله علوّه: ومما يدل أن نبت الرابية أحسن قول الأعشى:
ما روضة من رياض الحزن معشبة خضراء جاد عليها مسبل هطل (٣)
وقال كثيّر:
فما روضة بالحزن طيّبة الثرى يمجّ النّدى جثجاثها وعرارها (٤)
_________________
(١) فى حاشيتى ت، ف: «قال الجوهرى: النبخاء: الأكمة، والنفخاء من الأرض مثل النبخاء، وأقوت الدار وقويت؛ أى خلت».
(٢) فى حاشيتى الأصل، ف: «الدمن: جمع دمنة؛ وهو ما يتلبد من التراب والقش وكسار العيدان؛ والخبر فى (مجالس ثعلب ٣٤٣، والمخصص ١٠: ١٤٣، واللسان- نبخ، نفخ).
(٣) حواشى الأصل، ت، ف: «بعده: يضاحك الشمس منها كوكب شرق مؤزّر بعميم النّبت مكتهل يوما بأطيب منها نشر رائحة ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل - كوكب الشيء: معظمه، والنبت إذا عم وكثر قيل اكتهل، وقوله: «إذا دنا الأصل»، يعنى أن الزهر إذا كان فى الأصيل كان أحسن للبعد عن برد الغداة». والأبيات فى ديوانه: ٤٣.
(٤) حواشى الأصل، ت، ف: «الجثجاث والعرار: نبتان، وبعده: بأطيب من أردان عزّة موهنا وقد أوقدت بالمندل الرطب نارها وللبيتين قصة؛ وهى أن كثيرا أقبل ذات وم راكبا، فاعترضت له فى الطريق عجوز قد أوقدت فى روثة، فتضجر عليها كثير، وتأفف فى وجهها؛ فقالت: أنت القائل: فما روضة بالحزن طيّبة الثّرى يمجّ النّدى جثجاثها وعرارها بأطيب من أردان عزّة موهنا وقد أوقدت بالمندل الرّطب نارها قال: نعم؛ قالت: والله لو أوقد بالمندل على هذه الروثة لطابت! هلا قلت كما قال سيدك ومولاك امرؤ القيس: ألم تريانى كلّما جئت طارقا وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب! فانكسر كثير وخجل. وقيل إنه أعطاها مطرفا كان معه وقال: «استريه على»؛ (وانظر ديوان امرئ القيس ٧٣، وديوان كثير ١: ٩٣).
[ ٢٢١ ]
فخصّا الحزن للمعنى الّذي ذكرنا.