وكان عمرو بن عبيد من أصحاب الحسن وتلاميذه، فجمع بينه وبين واصل ليناظره فيما أظهر من القول بالمنزلة بين المنزلتين، فلما ووقفوا على الاجتماع ذكر أن واصلا أقبل ومعه جماعة من أصحابه إلى حلقة الحسن، وفيها عمرو بن عبيد جالس، فلما نظر إلى واصل، وكان/ فى عنقه طول واعوجاج قال: أرى عنقا لا يفلح صاحبها! فسمع ذلك واصل فلما سلّم عليه قال له:
يا ابن أخى، إن من عاب الصنعة عاب الصانع، للتعلق الّذي بين الصانع والمصنوع (١)؛ فقال له عمرو بن عبيد: يا أبا حذيفة، قد وعظت فأحسنت، ولن أعود إلى مثل الّذي كان منى.
وجلس واصل فى الحلقة، وسئل أن يكلّم عمرا فقال واصل لعمرو: لم قلت إنّ من أتى كبيرة من أهل الصلاة استحق اسم النفاق؟ فقال عمرو: لقول الله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ؛ [النور: ٤]، ثم قال فى موضع آخر: إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ؛ [التوبة: ٦٧]، فكان كلّ فاسق منافقا؛ إذ كانت ألف ولام المعرفة موجودتين فى الفاسق؛ فقال له واصل: أليس قد وجدت الله تعالى يقول: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ؛ [المائدة: ٤٥]، وأجمع أهل العلم على أنّ صاحب
_________________
(١) ت، وحاشية الأصل (من نسخة): «بين الصنعة والصانع». ومن نسخة بحاشية ت أيضا: «بين الصنيعة والصانع».
[ ١٦٥ ]
الكبيرة يستحق اسم ظالم؛ كما يستحق اسم فاسق؛ فألّا كفّرت صاحب الكبيرة من أهل الصلاة بقول الله تعالى: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ؛ [البقرة: ٢٥٤]، فعرّف بألف ولام التعريف اللتين فى قوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، كما قال فى القاذف: وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ، فسمّيته منافقا لقوله تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ! فأمسك عمرو، ثم قال له واصل: يا أبا عثمان؛ أيّما أولى أن يستعمل فى أسماء المحدثين من أمّتنا؟ ما اتفق عليه أهل الفرق من أهل القبلة، أو ما اختلف فيه؟ فقال عمرو:
بل ما اتفقوا عليه أولى، فقال له واصل: ألست تجد أهل الفرق على اختلافهم يسمّون صاحب الكبيرة فاسقا، ويختلفون فيما عدا ذلك من أسمائه؛ لأن الخوارج تسميه مشركا فاسقا، والشيعة تسميه كافر نعمة فاسقا! - قال
سيدنا الشريف المرتضى أدام الله علوّه: يعنى بالشيعة الزّيدية (١) - والحسن يسميه منافقا فاسقا، والمرجئة (٢) تسميه مؤمنا فاسقا؟ فاجتمعوا على تسميته بالفسق، واختلفوا فيما عدا ذلك من أسمائه، فالواجب أن يسمّى بالاسم الّذي اتّفق عليه وهو الفسق؛ لاتفاق المختلفين عليه، ولا يسمى بما عدا ذلك من الأسماء التى اختلف فيها، فيكون صاحب الكبيرة/ فاسقا، ولا يقال فيه إنه مؤمن ولا منافق، ولا مشرك ولا كافر نعمة (٣)، فهذا أشبه بأهل الدين.
فقال له عمرو بن عبيد: ما بينى وبين الحق عداوة، والقول قولك، فليشهد عليّ من حضر أنى تارك المذهب الّذي كنت أذهب إليه؛ من نفاق صاحب الكبيرة من أهل الصلاة،
_________________
(١) الزيدية: ثلاث فرق؛ الجارودية والسليمانية، والأبترية؛ يجمعها القول بإمامة زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب؛ فى أيام خروجه فى زمان هشام بن عبد الملك؛ (وانظر الفرق بين الفرق: ١٦، والملل والنحل للشهرستانى ٨٧، ومفاتيح العلوم ٢١).
(٢) فى حاشيتى الأصل، ف: «المرجئة فى القديم غير الذين لا يؤيدون العقاب؛ بل هم الذين كان يؤخرون عليا ﵇ عن غيره من الصحابة؛ والإرجاء: التأخير». وانظر (الفرق بين الفرق ١٩، والملل والنحل للشهرستانى ٧٨، ومفاتيح العلوم ٢٠، وكشاف اصطلاحات الفنون ٥٧٨).
(٣) حاشية ت (من نسخة): «ولا كافر».
[ ١٦٦ ]
قائل يقول أبى حذيفة فى ذلك، وأنّى قد اعتزلت مذهب الحسن فى هذا الباب. فاستحسن الناس هذا من عمرو.
وقيل إنّ اسم الاعتزال إنما اختصّت به (١) هذه الفرقة لاعتزالهم مذهب الحسن بن أبى الحسن فى تسمية مرتكب الكبيرة من أهل الصلاة بالنفاق؛ وحكى غير ذلك.
وقيل إن قتادة بعد موت الحسن البصرى كان جلس مجلسه، وكان هو وعمرو بن عبيد جميعا رئيسين متقدّمين (٢) فى أصحاب الحسن، فجرت بينهما نفرة، فاعتزل عمرو مجلس قتادة، واجتمع عليه جماعة من أصحاب الحسن، فكان قتادة إذا جلس مجلسه سأل عن عمرو وأصحابه فيقول: ما فعلت المعتزلة؟ فسمّوا بذلك.
قال سيدنا الشريف المرتضى ذو المجدين أدام الله علوه: أما ما ألزمه واصل بن عطاء (٣) لعمرو بن عبيد أولا فسديد لازم (٤)، وأما ما كلّمه به ثانيا فغير واجب ولا لازم؛ لأن الإجماع وإن لم يوجد فى تسمية صاحب الكبيرة بالنفاق أو غيره من الأسماء كما وجد فى تسميته بالفسق فغير ممتنع أن يسمّى بذلك لدليل غير الإجماع، ووجود
الإجماع فى الشيء وإن كان دليلا على صحته، فليس فقده دليلا على فساده؛ وواصل إنما ألزم عمرا أن يعدل عن التسمية بالنفاق للاختلاف فيه، ويقتصر على التسمية بالفسق للاتفاق عليه، وهذا باطل، ولو لزم ما ذكره للزمه أن يقال: قد انفق أهل الصلاة على استحقاق صاحب الكبيرة من أهل القبلة الذمّ والعقاب، ولم يتفقوا على استحقاقه التخليد فى العقاب، أو نقول إنهم اجمعوا على استحقاقه العقاب، ولم يجمعوا على فعل المستحق به، فيجب القول بما اتفقوا عليه، ونفى ما اختلفوا فيه.
فإذا قيل استحقاقه (٥) للخلود، أو فعل المستحق به من العقاب، وإن لم يجمعوا عليه،
_________________
(١) ت: «إنما اختص».
(٢) حاشية ت (من نسخة): «مقدمين».
(٣) من نسخة بحواشى الأصل، ت، ف: «عمرو بن عبيد».
(٤) حاشية ت (من نسخة): «واجب».
(٥) حاشية ت (من نسخة): «استحقاق الخلود».
[ ١٦٧ ]
فقد علم بدليل غير الإجماع؛ قيل له مثل ذلك فيما عوّل عليه، وبطل على/ كل حال أن يكون الاختلاف فى القول دليلا على وجوب الامتناع منه، وهذا ينتقض بمسائل كثيرة ذكرها يطول.
على أنّ المقدمة التى قدمها لا تشبه ما ألزم عليها، لأن الإجماع أولى من الاختلاف فيما يتعارض ويتقابل، والإجماع والاختلاف فى الموضع الّذي كلم عليه واصل عمرا فى مكانين؛ لأن الإجماع هو على تسميته بالفسق، والاختلاف هو فى تسميته بما عداه من الأسماء، فلا تعارض بينهما؛ وله أن يأخذ بالإجماع فى موضعه، ويعوّل فيما الاختلاف فيه على دلالة غير الإجماع، لأن فقد الإجماع من القول لا يوجب بطلانه.
وحكى أن واصلا كان يقول: أراد الله من العباد أن يعرفوه ثم يعملوا، ثم يعلّموا، قال الله تعالى: يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ، فعرّفه نفسه، ثم قال: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ؛ [طه: ١٢]، فبعد أن عرّفه نفسه أمره بالعمل. قال: والدليل على ذلك قوله تعالى: وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا- يعنى صدقوا- وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ. وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ. علموا وعملوا وعلّموا.
وروى المبرّد قال: حدّثت أن واصل بن عطاء أقبل فى رفقة فأحسّوا بالخوارج، وكانوا قد أشرفوا على العطب، فقال واصل لأهل الرفقة: إنّ هذا ليس من شأنكم فاعتزلوا ودعونى وإياهم، فقالوا: شأنك، فقال الخوارج له: ما
أنت وأصحابك؟ قال: مشركون مستجيرون ليسمعوا كلام الله، ويقيموا حدوده، فقالوا: قد أجرناكم؛ قال: فعلّمونا أحكامه، فجعلوا يعلمونه أحكامهم، وجعل يقول: قد قبلت أنا ومن معى، قالوا: فامضوا مصاحبين فإنكم إخواننا؛ قال لهم: ليس ذلك لكم؛ قال الله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ؛ [التوبة: ٦]، فأبلغونا مأمننا، فساروا بأجمعهم حتى بلغوا الأمن (١).
_________________
(١) الكامل- بشرح المرصفى ٧: ٧٩.
[ ١٦٨ ]
وحكى أنّ محمدا وإبراهيم ابنى عبد الله بن الحسن كانا ممّن دعاهما (١) واصل إلى القول بالعدل، فاستجابا له، وذلك لما حجّ واصل، ودعا الناس بمكة والمدينة (٢).
وحكى أبو القاسم البلخىّ أن عبد الله قال لابنه محمد: كلّ خصالك محمودة يا بنيّ إلا قولك بالقدر، قال: يا أبه، أفشيء أقدر على تركه/ [أولا أقدر على تركه] (٣)؟ فورد الكلام على رجل عاقل فقال: لا عاتبتك عليه أبدا. قال أبو القاسم: يقول إن كنت أقدر على تركه فهو قولى، وإن كنت لا أقدر فلم تعاتبنى على شيء لا أقدر عليه.