وكان أبو دهبل (٣) من شعراء قريش، وممن جمع إلى الطبع التجويد، واسمه وهب بن زمعة بن أسيد (٤) / بن أحيحة بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، واسمه تيم ابن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤىّ بن غالب، وكان اسم جمح تيما، واسم أخيه زيدا؛ وهما ابنا عمرو بن هصيص، فاستبقا إلى غاية، فمضى تيم عن الغاية، فقيل جمح تيم فسمى جمح، ووقف عليها زيد فقيل سهم (٥) زيد، فسمى سهما (٦)؛ فأما كنيته فهى مشتقة من الدّهبلة، وهى المشى الثقيل، يقال دهبل الرجل دهبلة إذا مشى ثقيلا.
أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن عمران بن موسى المرزبانىّ قال حدثنى محمد بن إبراهيم قال:
حدثنا أحمد بن يحيى النحوىّ قال حدثنا عبد الله بن شبيب قال: قيل لأبى عمرو بن العلاء ما يعجبك من شعر أبى
دهبل الجمحىّ؟ فقال قوله:
يا عمر حمّ فراقكم عمرا وعزمت منّا النّأى والهجرا (٧)
يا عمر شيخك وهو ذو شرف يرعى الذّمار ويكرم الصّهرا (٨)
والله ما أحببت حبّكم لا ثيّبا خلقت ولا بكرا (٩)
_________________
(١) فى حاشيتى الأصل، ف: تقرى: «تتبع؛ أراد تقرى؛ وهو تتفعل من قولك: قروت الأرض والشيء؛ إذا تتبعته».
(٢) من نسخة بحواشى الأصل، ت، ف: «مطرت دما».
(٣) وانظر ترجمة أبى دهبل فى (الشعر والشعراء ٥٩٦ - ٥٩٩، والاشتقاق ٨١، والمؤتلف والمختلف للآمدى ١١٧، والأغانى ٦: ١٤٩ - ١٦٥).
(٤) فى ص: «أسيد»، بفتح الهمزة وكسر السين.
(٥) «سهم، بالفتح: تغير وجهه، وسهم، بالبناء للمجهول: غلب؛ وضبط فى ت: بهما معا.
(٦) حاشية ف: سهم: «قبيلة من باهلة، ومن قريش أيضا».
(٧) الأبيات فى (الأغانى ٦: ١٥٣)، وفى حاشية الأصل (من نسخة) «وعزمت منى».
(٨) شيخك؛ يعنى أباها.
(٩) حاشية ف: «تقدير البيت: ما أحببت ثيبا ولا بكرا كحبي إياكم».
[ ١١٦ ]
إن كان هذا السّحر منك فلا ترعى عليّ وجدّدى السّحرا (١)
إحدى بنى أود كلفت بها حملت بلا ترة لنا وترا
وترى لها دلّا إذا نطقت تركت بنات فؤاده صعرا (٢)
كتساقط الرّطب الجنىّ من ال أقناء لا نثرا ولا نزرا (٣)
ومقالة فيكم عركت لها جنبى أريد بها لك العذرا
ومريد سرّكم عدلت به عمّا يحاول معدلا وعرا
قالت يقيم لنا لنجزيه يوما فخيّم عندها شهرا
ما إن أقيم لحاجة عرضت إلا لأبلى فيكم عذرا
وإذا هممت برحلة جزعت وإذا أقمنا لم تفد نقرا (٤)
إنى لأرضى ما رضيت به وأرى لحسن حديثكم شكرا
/ وروى أبو عمرو الشيبانىّ لأبى دهبل:
يا ليت من يمنع المعروف يمنعه حتى يذوق رجال غبّ ما صنعوا (٥)
وليت رزق رجال مثل نائلهم قوت كقوت ووسع كالذى وسعوا (٦)
- ويروى: «ضيق كضيق ووسع كالذى اتسعوا».
وليت للنّاس خطّا فى وجوههم تبين أخلاقهم فيه إذا اجتمعوا
وليت ذا الفحش لاقى فاحشا أبدا ووافق الحلم أهل الحلم فاتّدعوا (٧)
_________________
(١) الإرعاء: الإبقاء؛ كذا ذكره صاحب اللسان واستشهد بالبيت.
(٢) فى حاشيتى الأصل، ف: «أى أسراره مائلة إليها».
(٣) الأقناء: جمع قنو؛ وهو غصن الخل.
(٤) حواشى الأصل، ت، ف: «نقرا؛ أى قليلا؛ وهو صويت يسمع من وقع الإبهام على الوسطى؛ يقال: ما أعطاه نقرا ونقرة؛ أى شيئا؛ ولا يستعمل إلا فى النفى».
(٥) الأبيات فى المؤتلف والمختلف ١١٧.
(٦) حاشية ف: «يجوز أن يكون «قوت» خبر المبتدأ؛ أى هو قوت؛ ويجوز أن يكون بدلا من مثل نائلهم».
(٧) حاشية ف: «فاتّدعوا: فاستراحوا».
[ ١١٧ ]
ولأبى دهبل فى قتل الحسين بن على صلوات الله عليهما:
تبيت النّشاوى من أميّة نوّما وبالطّفّ قتلى ما ينام حميمها (١)
وما ضيّع الإسلام إلّا عصابة تأمّر نوكاها ودام نعيمها (٢)
وصارت قناة الدّين فى كفّ ظالم إذا مال منها جانب لا يقيمها
وأخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا أحمد بن يحيى قال:
روى أبو عمرو الشيبانىّ لأبى دهبل قال- ويقال إنها للمجنون:
أأترك ليلى ليس بينى وبينها سوى ليلة إنى إذا لصبور (٣)
هبونى امرأ منكم أضلّ بعيره له ذمّة إنّ الذّمام كبير
ولصاحب المتروك أعظم حرمة على صاحب من أن يضلّ بعير (٤)
عفا الله عن ليلى الغداة فإنّها إذا وليت حكما عليّ تجور
وروى أبو عمرو الشيبانى لأبى دهبل- وقد رواه أبو تمام فى الحماسة له (٥):
أقول والرّكب قد مالت عمائمهم وقد سقى القوم كأس النّشوة السّهر (٦)
يا ليت أنى بأثوابى وراحلتى عبد لأهلك طول الدّهر مؤتجر (٧)
إن كان ذا قدر يعطيك نافلة منّا ويحرمنا ما أنصف القدر! (٨)
_________________
(١) الأبيات فى (الأغانى ٦: ١٦٢، ومعجم البلدان ٦: ٥٢)، والطف: أرض فى ضاحية الكوفة، كان فيها مقتل الحسين بن على ﵁، وحميمها: أقرباؤها.
(٢) فى الأغانى ومعجم البلدان: «وما أفسد الإسلام ».
(٣) الأبيات فى الأغانى (٦: ١٦٤، وديوان الحماسة- بشرح التبريزى ٣: ٢٧٢ - ٢٧٣).
(٤) حاشية ف: «أضللت بعيرى إذا شذ عنك وذهب، وضللت الطريق إذا شذذت عنه وذهبت».
(٥) الحماسة- بشرح التبريزى ٣: ٢٩٦ - ٢٩٧.
(٦) الحماسة: «كأس النشوة».
(٧) حاشية الأصل (من نسخة): «هذا الشهر مؤتجر»، وهى رواية الحماسة.
(٨) وورد بعد هذا البيت فى الحماسة: جنّيّة أو لها جنّ يعلّمها رمى القلوب بقوس ما لها وتر.
[ ١١٨ ]
وأخبرنا المرزبانىّ قال أخبرنى محمد بن يحيى الصولىّ قال: مثل قول أبى دهبل:
ولو تركونا لا هدى الله أمرهم فلم يلحموا قولا من الشّرّ ينسج (١)
لأوشك صرف الدّهر تفريق بيننا وهل يستقيم الدّهر والدّهر أعوج!
قول العجّاج لرؤبة ابنه يشكوه لما استطال عمره، وتمنى موته:
لمّا رآنى أرعشت أطرافى (٢) استعجل الدهر وفيه كاف
يخترم الإلف عن الألّاف
قال ومثله:
عدمت ابن عمّ لا يزال كأنّه وإن لم أتره منطو لى على وتر
يعين عليّ الدّهر والدّهر مكتف وإن استعنه لا يعنّى على الدّهر
قال سيدنا الشريف المرتضى أدام الله علوّه ومثل الجميع قول أبى أحمد عبيد الله بن عبد الله ابن طاهر:
إلى كم يكون العتب فى كلّ ساعة وكم لا تملّين القطيعة والهجرا
رويدك إنّ الدهر فيه كفاية لتفريق ذات البين فانتظرى الدّهرا
_________________
(١) من قصيدة فى (الأغانى ٦: ١٥١ - ١٥٢، والشعر والشعراء ٥٩٨ - ٥٩٩)، مطلعها: تطاول هذا اللّيل ما يتبلّج وأعيت غواشى الهمّ ما تتفرّج.
(٢) ديوانه: ٣٩.
[ ١١٩ ]