كانت بغداد فى القرن الرابع الهجرىّ موئل العلم، ومثابة العلماء، وملتقى الكتّاب والشعراء والأدباء، فيها غنيت ساحات الخلفاء والملوك والرؤساء بفنون المناظرة والمساجلة والجدل، وعمرت المكتبات بألوف الكتب المؤلفة والمترجمة، المطوّلة والمختصرة؛ وغصّت دور العلماء وحلقات الدروس بطلّاب الأدب، وروّاد العلم والمعرفة من شتى الجهات.
وكان للكثير من ملوك بنى بويه من لطافة الحسّ، وركانة الطبع، ورهافة الذوق،
_________________
(١) * مصادر الترجمة: أمل الآمل ٤٨٦ - ٤٨٧ إنباه الرواة ٢: ٢٤٩ - ٢٥٠ بغية الوعاة ٣٣٥ - ٣٣٦ تاريخ ابن الأثير ٨: ٤٠ - ٤١ «الإسلام للذهبى (وفيات ٤٣٦) «بغداد ١١: ٤٠٢ - ٤٠٣ «أبى الفداء ٢: ١٦٧ «ابن كثير ١٢: ٥٣ تتمة اليتيمة ١: ٥٣ - ٥٦ جمهرة الأنساب لابن حزم ٥٦ - ٥٧ ابن خلكان ١: ٣٣٦ - ٣٣٨ دمية القصر ٧٥ - ٧٦ الرجال لأبى العباس النجاشى ١٩٢ - ١٩٣ روضات الجنات ٣٧٤ - ٣٧٨ سير النبلاء للذهبى ج ١١ قسم ١ ص ١٣١ شذرات الذهب ٣: ٢٥٦ - ٢٥٨ الفهرست لأبى جعفر الطوسى ٩٧ - ١٠٠ لسان الميزان ٤: ٢٢٣ - ٢٢٤ مرآة الجنان ٣: ٥٥ - ٥٧ معالم العلماء لابن شهرآشوب ٦٠ - ٦٣ معجم الأدباء ١٣ - ١٤٦ - ١٥٧ المنتظم (وفيات ٤٣٦) النجوم الزاهرة ٥: ٣٩.
[ ٣ ]
ورجاحة العقل ما هيّأ لهم أن يكونوا كتّابا أو شعراء؛ وما دفع بعضهم للمشاركة في العلوم، والأخذ بنصيب من أطراف الفنون؛ فحدبوا على العلماء، وأغدقوا على الشعراء؛ وعرفوا للأدباء أقدارهم؛ فولّوهم الوزارة والإمارة والقضاء فى كثير من الأحايين.
وكانوا أيضا من شيعة عليّ، وعلى هوى أحفاده من أبناء الحسن والحسين، فخصّوهم بالتكرمة، ومنحوهم أرفع المناصب، وأدنوهم من نفوسهم، وقرّبوهم فى مجالسهم، وظاهروهم فى المناظرة، ودفعوهم إلى الجهر بالرأى والإدلاء بالحجة؛ وكانوا لهم ردءا حين يحتدم الجدل، ويشتد اللّداد بينهم وبين أهل السّنة؛ ومن يشدّ أزرهم من الأتراك وخلفاء بنى العباس.
فى هذه الحقبة النادرة فى تاريخ العلوم، وفى هذا العصر الحالى بأزاهير الفنون والآداب، وفى تلك الدولة التى قام فى أكنافها العلماء والشعراء والأدباء؛ عاش الشريف المرتضى عليّ ابن الحسين، وأخوه الشريف الرّضىّ محمد بن الحسين، واتخذا مكانهما بين ذوى المثالة، وأعيان الشرف والفضل من الأعلام؛ فكان المرتضى عالما فقيها متكلّما، خبيرا بقرض الشعر، بصيرا بمذاهب الكلام، وكان الرّضىّ شاعرا مطبوعا متصرّفا، وكاتبا بارعا رائق الديباجة صافى الأسلوب، مشاركا فى التأليف والتصنيف؛ وقضيا حياتهما مرعيّى الجانب؛ رفيعى المنزلة؛ مرموقى المحلّ عظيمى الخطر والجاه عند خلفاء بنى العباس، والملوك من بنى بويه على السواء.
*** وكانا ينزعان إلى أعرق المناصب، وأطيب النّجار، نجلهما أبو أحمد الحسين بن موسى ابن محمد بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب؛ وأنجبتهما فاطمة بنت الحسين بن الحسن
الناصر الأطروش، صاحب الديلم، وشيخ الطالبيّين وعالمهم وشاعرهم.
[ ٤ ]
وكان أبو أحمد من ذوى النباهة والصيت عند بنى بويه، ولقّبه بهاء الدولة أبو نصر ابن بويه بالطاهر الأوحد؛ كما كان من ذوى القدر والجاه عند بنى العباس؛ وولّوه النظر فى المظالم ونقابة الطالبيّين مرات؛ كان يقوم بالسفارة بينهم وبين آل بويه أحيانا، وبين الحمدانيّين أحيانا، فمحض النصح، وبصّر بمناهج الرشد، وأبدى الرأى الأصيل؛ وظفر بالمكانة منهم جميعا. ومات فى سنة ٤٠٠. وقد رثاه أبو العلاء المعرّى بقصيدته المشهورة:
أودى فليت الحادثات كفاف مال المسيف وعنبر المستاف (١)
الطّاهر الآباء والأبناء والآ راب والأثواب والألّاف
رغت الرّعود وتلك هدّة واجب جبل هوى من آل عبد مناف (٢)
بخلت فلما كان ليلة فقده سمح الغمام بدمعه الذرّاف
ويقال إن البحر غاض وإنها ستعود سيفا لجّة الرّجّاف (٣)
ويحقّ فى رزء الحسين تغيّر الحرسين، بله الدرّ فى الأصداف (٤)
وفيها يذكر الشريفين ويعزيهما:
ولقيت ربّك فاستردّ لك الهدى ما نالت الأيام بالإتلاف
وسقاك أمواه الحياة مخلّدا وكساك شرخ شبابك الأفواف
أبقيت فينا كوكبين سناهما فى الصّبح والظّلماء ليس بخاف
متأنّقين وفى المكارم ارتعا متألّقين بسؤدد وعفاف
قدرين فى الإرداء، بل مطرين فى الإجداء، بل قمرين فى الإسداف
_________________
(١) سقط الزند ١٢٦٤ - ١٣٢٠. كفاف، أى ليت الحوادث كفت الأذى. والمسيف: من ذهب ماله. والمستاف: الشّام.
(٢) الهدة: صوت الشيء الساقط، والواجب: الساقط؛ ويقال إن المرثى مات فى ذات ليلة برق ورعد ومطر.
(٣) السيف: الساحل. والرجاف: من نعوت البحر.
(٤) الحرسان: اسم الليل والنهار.
[ ٥ ]
رزقا العلاء فأهل نجد كلّما نطقا الفصاحة مثل أهل دياف (١)
ساوى الرّضىّ المرتضى وتقاسما خطط العلى بتناصف وتصاف
وفى آخرها يقول:
يا مالكى سرح القريض أتتكما منّى حمولة مسنتين عجاف (٢)
لا تعرف الورق اللّجين وإن تسل تخبر عن القلّام والخذراف (٣)
وأنا الّذي أهدى أقلّ بهارة حسنا لأحسن روضة مئناف (٤)
وبعد موته انتقلت وظائفه إلى الشريف الرضى، ولما مات آلت إلى الشريف المرتضى.
*** وكان مولد الشريف المرتضى ببغداد فى رجب سنة خمس وخمسين وثلاثمائة (٥)، وفيها تلقّى العلم وشغل به فى جميع أدوار حياته؛ وكان أول عهده بالمدارسة والتأدب على الشيخ محمد بن محمد بن النعمان المعروف بالمفيد، ذهبت به أمه إليه مع أخيه الرضىّ؛ وهما فى سن الحداثة، وقبل أن يجاوزا حدّ الصغر؛ فأخذا عنه، وتخرّجا عليه. ثم صحب المرتضى غيره من العلماء، وورد شرعتهم، وحمل عنهم؛ مثل سهل بن أحمد الديباجىّ، وأبى عبيد الله المرزبانىّ، وأبى الحسن الجندى، وأحمد بن محمد بن عمران الكاتب، وغيرهم.
ويبدو من تقصّى أخباره؛ ومطالعة ما وصل إلينا من كتبه ورسائله أن أعظم الشيوخ الذين تأدب بهم وأفاد منهم هما الشيخ المفيد وأبو عبد الله المرزبانىّ.
_________________
(١) دياف: موضع فيه نبط لا فصاحة لهم.
(٢) السرح في الأصل: المال الراعى، والمسنت: الّذي أصابته السنة؛ أى القحط. والعجاف: المهازيل.
(٣) اللجين: ورق الشجر يخلط بالنوى المرضوض، ويلجن بعضه ببعض، وهو من علف أهل الأمصار. والقلام والحذراف: من الحمض؛ وهو علف أهل البادية.
(٤) الروضة المئناف: التى لم ترع بعد.
(٥) الفهرست لأبى جعفر الطوسى ١٠٠.
[ ٦ ]
فأما الشيخ المفيد فقد كان رأسا من رءوس الشيعة؛ وعلما من أعلامهم؛ لا يدرك شأوه فيهم؛ وإليه انتهت رئاسة الإمامية فى عصره، وفى كتبه حفظت أقوالهم وآراؤهم وشروحهم وتأويلاتهم؛ وعنه تلقى السيد المرتضى الفقه والأصول والتفسير وعلم الكلام؛ ثم استقل بالرأى فيما بعد؛ ووضع فى ذلك الكثير من الكتب والرسائل والمقالات.
وأما المرزبانىّ فقد كان إماما من أئمة الأدب؛ وشيخا من شيوخ المعتزلة، وعلما من أعلام الرواية؛ وكانت داره مقصد العلماء والمتأدبين؛ مهيّأة بالكتب والورق والمداد؛ معدّة للطعام والراحة والنوم؛ فكان يأخذ عمّن يزوره من العلماء؛ ويقرأ لمن يجلس إليه من الطلاب، وفيما بين ذلك يؤلف الكتب ويصنفها؛ ومعظم ما رواه السيد المرتضى فى كتاب الغرر من الشعر واللغة والأخبار ممّا تلقاه عليه، ورواه عنه.
ولما علت به السنّ، وخلع عن منكبه رداء الشباب عكف فى منزله مخلدا إلى القراءة والدرس؛ واستنزف أيامه فى التحصيل والتأليف، مؤثرا مجالسة العلماء والمستفيدين على مخالطة الرؤساء وذوى السلطان؛ بل إنه زهد فيما ورّث أبوه من نقابة الطالبيين، والنظر فى المظالم، وآثر بها أخاه الرضىّ- وكان أصغر منه- ليرضى ما كانت تنزع إليه همة أخيه من الرغبة فى سنىّ المطالب وبلوغ الأقدار؛ ويقضى حاجة نفسه من الانقطاع إلى العلم، والخلوة إلى القراءة والدرس؛ ولم يتولّ شيئا من هذه المناصب إلا بعد وفاة أخيه.
وأعانه على ما يبغى ما تهيأ له من مكتبة عريضة واسعة؛ تحوى ما عرف من الكتب فى حياته؛ ذكر الثعالبى أنها قوّمت بعد وفاته بثلاثين ألف دينار، وقدرت بثمانين ألف مجلد، بعد أن أهدى منها ما أهدى إلى الرؤساء والوزراء.
وكان السيد المرتضى فى نعمة سابغة، وخير كثير، وثروة قلّ أن تتهيأ لمثله من العلماء؛ روى أنه كانت له ثمانون قرية بين بغداد وكربلاء، يشقها نهر ينتهى إلى الفرات؛ وكانت السفن تسير فيه غادية رائحة، تحمل السّفر والزوار؛ وخاصة فى موسم الحجيج؛ وكان لهم فيما يساقط
[ ٧ ]
من ثمار الأشجار العاطفة على النهر؛ فاكهة موقوفة عليهم، ولغيرهم ممن تحمل السفن؛ وقدّروا ما تغلّه هذه الفرى بأربعة وعشرين ألف دينار فى العام.
وقد تمكّن بفضل هذه الثروة من أن يعيش فى داره مكفول الرّزق، مقضىّ الحاجات، لا يشغله ما يشغل غيره من شئون الدنيا ومطالب الحياة؛ ولا يصرفه شيء عن القراءة والدرس والتصنيف والفتيا؛ بل إنه تمكن من أن يقضى حاجة قلبه من البرّ بالناس، ومواصلتهم، والعطف عليهم؛ وخاصة من كان يمت إلى العلم بصلة، أو يدلى إليه برحم ماسّة، فكان منزله دارا للضيافة، ومدرسة للتعلم والمدارسة، ينقطع فيه التلاميذ والطلاب والمريدون، ويستروح فى رحابه الوافدون من شتى الجهات، بعد أن يكون قد أدماهم السير وأكلّهم السّرى؛ بل إنه جعل للكثير من تلاميذه مرتبات منظمة؛ وحبوسا موقوفة عليهم؛ كان أبو جعفر الطوسى (١) من تلاميذه المنقطعين إليه، فأجرى عليه اثنى عشر دينارا فى كل شهر، فى ثلاثة وعشرين عاما قضاها فى صحبته إلى أن مات، وكذلك رتب للقاضى عبد العزيز بن البراج (٢) ثمانية عشر دينارا فى الشهر؛ وغيرهما كثير. ووقف قرية كاملة؛ يجرى خيرها
على كاغذ للفقهاء خاصة؛ رغبة فى النفع، وبثّ العلم فى الناس.
وروى أنه أصاب الناس قحط شديد فاحتال رجل يهودىّ على تحصيل قوت يحفظ نفسه ففزع إليه؛ وشفاعته الرغبة فى العلم. واستأذنه أن يقرأ عليه شيئا من علم النجوم؛ فأذن له، وأمر بجائزة تجرى عليه فى كل يوم، فقرأ عليه برهة ثم أسلم.
ومن هذه البابة أيضا ما حكاه ابن خلكان عن أبى زكريا التبريزىّ أن أبا الحسن على ابن أحمد بن سلك الفالى الأديب كانت له نسخة من كتاب الجمهرة لابن دريد فى غاية الجودة»
_________________
(١) هو محمد بن على بن جعفر الطوسى، ولد سنة ٣٨٥، ولزم الشيخ المفيد وتخرج عليه ولما مات سنة ٤١٣؛ لزم السيد المرتضى إلى أن مات، ثم استقل بالإمامة بعده، وتوفى سنة ٤٠٦.
(٢) هو عبد العزيز بن نحرير بن البراج؛ ولد بمصر ونشأ بها؛ ورحل إلى طرابلس وولى قضاءها مدة، وتوفى سنة ٤٨١.
[ ٨ ]
فدعته الحاجة إلى بيعها، فاشتراها الشريف المرتضى بستين دينارا، وتصفحها فوجد بها أبياتا بخط بائعها أبى الحسين الفالى؛ وهى:
أنست بها عشرين حولا وبعتها لقد طال وجدى بعدها وحنينى
وما كان ظنى أننى سأبيعها ولو خلّدتنى فى السجون ديونى
ولكن لضعف وافتقار وصبية صغار عليهم تستهلّ شئونى
فقلت ولم أملك سوابق عبرة مقالة مكوىّ الفؤاد حزين
«وقد تخرج الحاجات يا أم مالك كرائم من ربّ بهن ضنين»
فأرجع إليه النسخة؛ وترك الدنانير؛ جريا على عادته من صلته أهل العلم، وبره بهم.
*** وقد اجتمع إليه من فنون العلوم وضروب الآداب ما قلّ أن يجتمع لسواه؛ وضرب فيها جميعها بسهم وافر؛ فكان فقيها انتهت إليه رئاسة الإمامية فى عصره؛ بعد أن درس الأصول، ومحّض الحقائق، واستخرج المسائل، ونصب نفسه بعد ذلك للفتيا، فشدّت إليه الرحال، ووفدت إليه الناس من كل صقع، ووضع لكلّ كتابا؛ فهذه المسائل الديلمية، وتلك المسائل الطوسية، وهذه المسائل المصرية والموصلية وهكذا. وحذق علم الكلام وأصول الجدل، فحاجّ النظراء والمتكلمين، وناظر المخالفين؛ وكتابه الشافى حجة على طول باعه فى الجدل. وله فى تفسير القرآن وتأويل الكتاب ما كشف به عن بحر لا يسبر غوره؛ ولا ينال دركه؛ وقد حفظ من أخبار العرب
وأشعارهم ولغتهم ما جعله فى الرعيل الأول من الرواة والحفاظ والأدباء؛ وبكل هذا كان إمام عصره غير مدافع؛ قال ابن بسام: «كان هذا الشريف إمام أئمة العراق، بين الاختلاف والاتفاق؛ إليه فزع علماؤها، وعنه أخذ عظماؤها، صاحب مدارسها، وجماع شاردها وآنسها؛ مما سارت أخباره، وعرفت أشعاره، وحمدت فى ذات الله مآثره؛ إلى تواليفه فى الدين، وتصانيفه فى أحكام المسلمين، ممن يشهد أنه قرع
[ ٩ ]
تلك الأصول، ومن أهل ذلك البيت الجليل (١)».
وكان بعد هذا شاعرا، وله ديوان شعر؛ قال ابن شهرآشوب: إنه يربى على عشرين ألف بيت، وذكر بروكلمان أن هناك نسخة منه من مكتبة مشهد. وقد أورد المرتضى طائفة منه فى كتاب الغرر، والشهاب، وطيف الخيال، وذكر الثّعالبىّ فى تتمة اليتيمة، والباخرزيّ فى دمية القصر قدرا منه، فمن قوله:
أحبّ ثرى نجد، ونجد بعيدة ألا حبذا نجد وإن لم تفد قربا! (٢)
يقولون: نجد لست من شعب أهلها وقد صدقوا لكننى منهم حبا
كأنى وقد فارقت نجدا شقاوة فتى ضلّ عنه قلبه ينشد القلبا
ومنه:
يا خليلىّ من ذؤابة قيس فى التصابى رياضة الأخلاق (٣)
عللانى بذكرهم تطربانى واسقيانى دمعى بكأس دهاق
وخذا النوم من جفونى فإنى قد خلعت الكرى على العشاق (٤)
ومنه فى الرثاء:
كأنى لماصك سمعى نعيّه صككت بمسنون الغرارين قاضب
طواه الردى طىّ الرداء وعطّلت مغانى الحجا عنه وغر المناقب
ولما بلوت الأصدقاء وودّهم خلصت إليه من خلال التجارب
وسئل إجازة بيت أبى دهبل الجمحىّ:
وأبرزتها من بطن مكة عند ما أصات المنادى بالصلاة فأعتما (٥)
_________________
(١) ابن خلكان: ٣٣٦.
(٢) تتمة اليتيمة ١: ٥٤.
(٣) تتمة اليتيمة ١: ٥٥، وابن خلكان ١: ٣٣٧.
(٤) روى ابن خلكان أنه لما وصلت هذه الأبيات إلى البصرى الشاعر قال: «المرتضى قد خلع ما لا يملك على من لا يقبل».
(٥) الغرر ١: ١١٥.
[ ١٠ ]
فقال:
فطيّب سراها المقام وضوّأت بإشراقها بين الحطيم وزمزما
فيا رب إن لقّيت وجها تحيّة فحىّ وجوها بالمدينة سهّما
تجافين عن مسّ الدهان وطالما عصمن عن الحناء كفّا ومعصما
وكم من جليد لا يخامره الهوى شننّ عليه الوجد حتى تتيّما
أهان لهن النّفس وهى كريمة وألقى إليهنّ الحديث المكتّما
تسفهت لما أن مررت بدارها وعوجلت دون الحلم أن تتحلّما
فعجت تقرّى دارسا متنكرا وتسأل مصروفا عن النطق أعجما
ويوم وقفنا للوداع وكلّنا يعدّ مطيع الشوق من كان أحزما
نصرت بقلب لا يعنّف فى الهوى وعين متى استمطرتها قطرت دما
وتوفى الشريف المرتضى فى ربيع الأول سنة ٤٣٦، وصلى عليه ابنه، ودفن فى داره، ثم نقل إلى المشهد الحسينى بكربلاء.
[ ١١ ]