وحيثما يستعرض الباحث كتب العربية النفيسة التى حوت ألوان المعارف، وزخرت بأشتات الطرائف، وحفظت بين دفتيها نتاج القرائح، وحقائق السير والتاريخ والأخبار، ونصوص الشعر واللغة والغريب فإنه بلا مراء يعد منها كتاب أمالى المرتضى- أو كما يسميه مؤلفه غرر الفوائد ودرر القلائد- وينظمه فى العقد الّذي يضم كتاب الكامل للمبرد، والبيان والتبيين للجاحظ، وعيون الأخبار لابن قتيبة، والعقد لابن عبد ربه، والأغانى لأبى الفرج،
وغيرها من الكتب التى حلّقت فى سماء الآداب العربية كالنجوم، وأرست قواعدها كالأطواد، وعمرت بها مجالس العلماء وسوامر الأدباء؛ وتدارسها المتأدبون جيلا بعد جيل؛ وتداولها النساخ، وعدّت فى مكتبات الدارسين من أكرم الذخائر وأنفس الأعلاق.
وهى مجالس مختلفة، أملاها فى أزمان متعاقبة؛ تنقل فيها من موضوع إلى موضوع، ومن غرض إلى آخر؛ اختار بعض آي القرآن الكريم؛ مما يغمّ تأويله على الخاصة، بله العامة؛ ويدور حولها السؤال، ويثار الاستشكال؛ وعالج تأويلها وتوجيهها على طريقة أصحابه من المعتزلة، أو أصحاب العدل كما كان يسميهم؛ وحاول جهده أن يوفّق بين تأويل الآيات المتشابهة، وما دار على ألسنة العرب من نصوص الشعر واللغة؛ وفى هذا أبدى تفوقا عجيبا؛ وأبان عن ذهن وقّاد، وذكاء متلهب، وبصر نافذ؛ وأعانه فيما فسّر وأوّل ووجّه وفرة محفوظه من الشعر واللغة ومأثور الكلام. وكان الطابع الّذي يغلب عليه عرض الوجوه المختلفة؛ والآراء المحتملة، مجوّزا فى ذلك إمكان الأخذ بالآراء جميعا.
وترجع قيمة ما عرض له الشريف فى هذه المجالس من تأويل الآيات إلى أنها تعدّ صورة لتفسير القرآن الكريم عند علماء المعتزلة؛ مما لم يصل إلينا من كتبهم إلا القليل النادر.
واختار أيضا طائفة من الأحاديث التى يختلف العلماء فى تأويلها؛ ويبدو التعارض فيما
[ ١٨ ]
بينها وحاول تفسيرها وتأويلها؛ بالمنهج الّذي عالج به تأويل آي القرآن؛ مستعينا بشواهد الشعر واللغة؛ موضحا مذهب أصحابه من أهل العدل؛ مدليا بحجتهم على من خالف تأويلهم من جماعة أهل السنة، أو أهل الجبر كما كان يسميهم؛ وناقش ابن قتيبة وأبا عبيد القاسم بن سلام وابن الأنبارىّ فى ذلك على الخصوص.
ثم عرض لمسائل فى علم الكلام مما اشتجر فيها الرأى، ودار حولها الجدل؛ واصطرعت الأقلام، وأقيمت المناظرات؛ مثل القول برؤية الله، وخلق أفعال العباد؛ وإرادة الله للقبائح، والقول بوجوب الأصلح، وقرر رأى أصحابه؛ وحاجّ عنهم، واحتج على خصومهم؛ وكان فيما جادل وناقش رفيقا فى الجدل عفيفا فى المقال.
وأودع فى الكتاب بجانب ما بسط من تأويل الآيات والأحاديث وعرض المسائل مختارات من المصطفى المنخول من الشعر وحرّ الكلام؛ تناولها بالشرح والنقد والموازنة، وذكر صدرا من تراجم الشعراء والعلماء والأدباء وأصحاب الأهواء والآراء الخاصة؛ وأورد طائفة من أشعارهم وأقوالهم ونوادرهم، ثم استروح بذكر فيض من الطرائف النادرة، والأجوبة الحاضرة المسكتة، والأفاكيه الرفيعة؛ معتمدا فيما أورده على ما وصل إليه من كتب الجاحظ وابن قتيبة والمبرد وأبى حاتم والآمدىّ وغيرهم، أو ما رواه عن شيوخه، وأبى عبيد الله المرزبانىّ على
الخصوص.
واختار أيضا بعض الموضوعات التى كانت مقاصد شعراء العربية فى الجاهلية وصدر الإسلام؛ كالمدائح والأهاجى والمراثى والسير ووصف الشيب والطيف وغيرها، وأورد ما قاله الشعراء فيها؛ ووازن بين الكثير منها، وتناولها بالنقد فى كثير من الأحيان.
وبهذه الفنون المتنوعة؛ والفصول المختلفة؛ والمباحث الجليلة اجتمع للكتاب ميزة كبرى بين الكتب العربية؛ وعدّ مصدرا ينقل عنه العلماء، ويحتج به الأدباء؛ ويرد شرعته القارءون على ممرّ الأجيال.
***
[ ١٩ ]
ويبدو أن هذه المجالس أملاها الشريف فى داره على تلاميذه ومريديه؛ فى أزمنة مختلفة متعاقبة؛ لم يصل العلم إلى التاريخ الّذي بدأها فيه؛ ولكن الثابت أنه فرغ من إملائها يوم الخميس الثامن والعشرين من شهر جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وأربعمائة؛ كما ذكره الشريف أبو يعلى محمد بن الحسن بن حمزة الجعفرىّ فى آخر نسخته.
أما الزيادات التى فى آخر الكتاب؛ وهى التى عرفت بتكملة الغرر فهى طائفة أخرى من المسائل التى اختارها فيما كان يعرض له فى مجالسه فيما بعد؛ وأشار بأن تضاف إلى الكتاب، للتشابه بينهما فى المنهج والمنحى؛ وبهذه التكملة يتم الكتاب.
[ ٢٠ ]