خبر عبد الله بن عباس ونافع بن الأزرق وقصيدة عمر بن أبي ربيعة
حدَّث الرواة: أن نافع بن الأرق الخارجي، أتى عبد الله بن عباس، ﵁ يومًا فطفق، حتَّى تبرم وجعل يعرض عنه ضجرًا، فطلع عمر بن عبد الله ابن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهو يومئذ غلام، فسلّم على عبد الله وجلس، فقال عبد الله: أنشدنا شيئًا، فأنشده: أمن آل نعم أنت غاد فمبكر، حتَّى انتهى إلى آخرها، وهي نحو من ثمانين بيتًا. فقال ابن الأزرق: لله أنت يا ابن عباس، أنضرب إليك أكباد الإبل نسألك عن الدين، فتعرض، ويأتيك غلام من قريش فينشدك سفهًا فتسمعه؟ تالله ما سمعت سفهًا، فقال: أما أنشدك:
رأتْ رجلًا أمَّا إذا الشَّمسُ عارضتْ فيخزى وأمَّا بالعشيِّ فيخسرُ
[ ٦١ ]
فقال ابن عباس: ما هكذا أنشدنا، إنما قال: فيضحى، وأما بالعشيِّ فيخصر. فقال ابن الأزرق: أو حفظت ما قال؟ فقال: والله ما سمعتها إلاَّ ساعتي، ولو شئت أن أروها أرددتها، قال: فارددها. فأنشده إياها، فقال ابن الأزرق: ما رأيت أروى منك قط. فقال عبد الله: ما رأيت أروى من عمر، ولا أعلم من عليّ، ﵄.
والقصيدة:
أمنْ آلِ نعمٍ أنتَ غادٍ فمبكرُ غداةَ غدٍ أم رائحٌ فمهجِّرُ
لحاجةِ نفسٍ لم تقلْ في جوابِها فتبلغَ عذرًا والمقالةُ تعذرُ
تهيمُ إلى نعمٍ فلا الشَّملُ جامعٌ ولا الحبلُ موصولٌ ولا القلبُ مقصرُ
ولا قربُ نعمٍ إنْ دنتْ لكَ نافعٌ ولا نأيُها يسلي ولا أنتَ تصبرُ
وأخرى أتتْ من دونِ نعمٍ ومثلُها نهى ذا النُّهى لو ترعوي أو تفكِّرُ
إذا زرتُ نعمًا لم يزلْ ذو قرابةٍ لها كلَّما لاقيتُهُ يتنمَّرُ
عزيزٌ عليهُ أنْ ألمَّ ببيتها يسرُّ ليَ الشَّحناءَ للبغضِ مظهرُ
إلكْني إليها بالسَّلامِ فإنَّهُ ينكَّرُ إلمامي بها ويشهَّرُ
بآيةِ ما قالتْ غداةَ لقيتُها بمدفعِ ركبانٍ أهذا المشَّهرُ
قفي فانظُري يا اسمُ هل تعرفينهُ أهذا المغيريُّ الذي كانَ يذكرُ
أهذا الذي أطريتِ نعتًا فلم أكنْ وعيشكِ أنساهُ إلى يومِ أُقبرُ
فقالتْ نعم لا شكَّ غيَّر لونهُ سُرى اللَّيلِ يُحيي نصَّه والتَّهجُّرُ
لئنْ كانَ إيَّاهُ لقد حالَ بعدَنا عن العهدِ والإنسانُ قد يتغيَّرُ
تغيَّرَ جسمي والخليقةُ كالتي عهدتُ ولم يُخبرْ بسرِّكَ مخبرُ
رأتْ رجلًا أمَّا إذا الشَّمسُ عارضتْ فيضحى وأمَّا بالعشيِّ فيخصرُ
أخا سفرٍ جوَّابَ أرضٍ تقاذفتْ بهِ فلواتٌ فهو أشعثُ أغبرُ
قليلٌ على ظهرِ المطيَّةِ ظلُّهُ وريَّانُ ما نفى عنهُ الرِّداءُ المحبَّرُ
وأعجبَها من عيشِها ظلُّ غرفةٍ وريَّانُ ملتفُّ الحدائقِ أخضرُ
ووالٍ كفاها كلَّ شيءٍ يهمُّها فليستْ لشيءٍ أخرَ اللَّيلِ تسهرُ
وليلةِ ذي دوْرانَ جشَّمني السُّرى وقد يجشمُ الهولُ المحبُّ المغرّرُ
فبتُّ رقيبًا للرِّفاقِ على شفا أُراقبُ منهمْ من يطوفُ وأنظرُ
إليهمْ متى يأخذُ النومُ منهمُ ولي مجلسٌ لولا اللُّبانةُ أوعرُ
وباتتْ قلوصِي بالعراءِ ورحلُها لطارقِ ليلٍ أو لمنْ جاءَ معورُ
وبتُّ أناجي النَّفسَ أينَ خباؤها وأنَّى لما آتي من الأمرِ مصدرُ
فدلَّ عليها القلبَ ريَّا عرفتُها لها وهوى النَّفسِ الذي كانَ يظهرُ
فلمَّا فقدتُ الصَّوتَ منهم وأُطفئتْ مصابيحُ شبَّتْ بالعشاءِ وأنورُ
وغابَ قُميرٌ كنتُ أرجو غيوبهُ وروَّحَ رعيانٌ ونوَّمَ سمَّرُ
وخفِّضَ عنِّي الصَّوتُ أقبلتُ مشيةَ ال حبابِ ورُكني خيفةَ القومِ أزورُ
فحيَّيتُ إذ فاجأتُها فتولَّهتْ وكادتْ بمرجوع التحيّةِ تجهرُ
فقالتْ وعضَّتْ بالبنانِ فضحتْني وأنتَ امرؤٌ ميسورُ أمركَ أعسرُ
أريتكَ إذ هنَّا عليكَ ألمْ تخفْ رقيبًا وحولي من عدوِّكَ حضَّرُ
فواللهِ ما أدري أتعجيلٌ حاجةٍ سرتْ بكَ أم قد نامَ من كنتَ تحذرُ
فقلتُ لها بلْ قادني الحبُّ والهوى إليكِ وما نفسٌ من النَّاسِ تشعرُ
فقالت وقد لانتْ وأفرخ روعها كلاك بحفظ ربّك المتكبرُ
فأنتَ أبا الخطَّابِ غيرَ منازعٌ عليَّ أمينٌ ما مكثتَ مؤمَّرُ
فيالكَ من ليلٍ تقاصرَ طولهُ وما كانَ ليلي قبلَ ذلكَ يقصرُ
ويالكَ من ملهى هناكَ ومجلسٍ لنا لم يكدِّرهُ علينا مكدِّرُ
يرفُّ إذا تفترُّ عنهُ كأنَّهُ حصى بردٍ أو أقحوانٌ منوَّرُ
وترنو بعينيها إليَّ كما رنا إلى ظبيةٍ وسطَ الخميلةِ جؤذرُ
فلمَّا تقضَّى اللَّيلُ إلاّ أقلَّهُ وكادتْ توالي نجمهِ تتغوَّرُ
أشارتْ بأنَّ الحيَّ قد حانَ منهمُ هبوبٌ ولكنْ موعدٌ منك عزورُ
[ ٦٢ ]
فما راعني إلاّ منادٍ ترحَّلوا وقد لاحَ معروفٌ من الصّبحِ أشقرُ
ولمَّا رأتْ من قد تثوَّرَ منهمُ وأيقاظهمُ قالتْ أشرْ كيفَ تأمرُ
فقلتُ أباديهمْ فإمَّا أفوتُهم وإمَّا ينالُ السَّيفُ ثأرًا فأثأرُ
فقالتْ أتحقيقٌ لما قالَ كاشحٌ علينا وتصديقٌ لما كانَ يؤثرُ
فإنْ كانَ ما لا بدَّ منهُ فغيرهُ من الأمرِ أهدى للخفاءِ وأسترُ
أقصُّ على أُختيَّ بدءَ حديثِنا وما ليَ من أن تعلما متأخّرُ
لعلَّهما أنْ تجعلا لكَ مخرجًا وأنْ ترحُبا سربًا بما كنتُ أحصرُ
فقامتْ كئيبًا ليس في وجهها دمٌ من الحزنِ تُذري دمعةً تتحدَّرُ
فقالتْ لأختيْها أعِينا على فتًى أتى زائرًا والأمرُ للأمرِ يقدرُ
فقامتْ إليها حرَّتانِ عليهما كِساآنِ من خزٍّ بنفس وأخضرُ
فأقبلتا فارْتاعتا ثمَّ قالتا أقلِّي عليكِ اللَّومَ فالخطبُ أيسرُ
فقالتْ لها الصُّغرى سأُعطيهِ مطرَفي وبُردي وهذا الدِّرعُ إنْ كانَ يحذرُ
يقومُ فيمشي بيننا متنكِّرًا فلا سرُّنا يفشو ولا نحنُ نذكرُ
ويروى:
ونخرجهُ من بيننا ساتراتهِ فلا سرُّنا يبدو ولا هو يظهرُ
فكانَ من مجَنِّي دونَ من كنتُ أتَّقي ثلاثُ شخوصٍ كاعبانِ ومعصرُ
فلما أجزْنا ساحةَ الحيِّ قلنَ لي ألمْ تتَّقي الأعداءَ واللَّيلُ مقمرُ
وقلنَ أهذا دأبكَ الدَّهرَ سادرًا أما تستحي أو ترعوي أو تفكِّرُ
إذا جئتَ فامنحْ طرفَ عينكَ غيرَنا لكي يحسَبوا أنَّ الهوى حيثُ تنظرُ
فآخرُ عهدٍ لي بها حيثُ أعرضتْ ولاحَ لها خدٌّ نقيٌّ ومحجرُ
سوى أنَّني قد قلتُ يا نعمُ قولةً لها والرِّكابُ الأرحبيَّةُ تزجرُ
هنيئًا لبعلِ العامريَّةِ نشرُها ال لذيذُ وريَّاها الذي أتذكَّرُ
فقمتُ إلي حرفٍ تخوَّنَ نيّها سُرى اللَّيلِ حتَّى لحمُها متحسِّرُ
وحبسي على الحاجاتِ حتَّى كأنَّها بليَّةُ لوحٍ أو شجارٌ مؤسَّرُ
وماءٍ بموماةٍ قليلٌ أنيسهُ بسابسَ لم يحدثْ له الصيفُ محضرُ
بهِ مُبتنى للعنكبوتِ كأنَّهُ على طرفِ الأرجاءِ خامٌ منشَّرُ
وردتُ وما أدري أمَا بعدَ موردي من اللَّيلِ أم ما قد مضى منه أكثرُ
فطافتْ بهِ مغلاةُ أرضٍ كأنَّها إذا التفتتْ مجنونةً حينَ تنظرُ
تنازعُني حرصًا على الماءِ رأسَها ومن دونِ ما تهوى قليبٌ معوَّرُ
محاولةً للوردِ لولا زمامُها وجذبي بهِ كادتْ مرارًا تكسَّرُ
فلمَّا رأيتُ الضُّرَّ منها وأنَّني ببلدةِ أرضٍ ليسَ فيها معصَّرُ
قطعتُ لها من جانبِ الحوضِ مشربًا صغيرًا كقيدِ الشِّبرِ أو هو أصغرُ
إذا شرعتْ فيه فليسَ لملتقى مشافرِها منه قِدى الشَّبرِ مشبرُ
ولا دلوَ إلاّ العقبُ كانَ رشاءهُ إلى الماءِ نسعٌ والجديلُ المضفَّرُ
فسافتْ وما عافتْ وما صدَّ شربَها عن الرِّيِّ مطروقٌ من الماءِ أكدرُ