فأجابه عنها جرير بن عطية بن الخطفى، ويقال إن جريرًا هو البادئ، والأول أشبه، لما كان جرير يقوله من أنه لم يهج قط إلاّ مجيبًا منتصرًا.
ذكر الرواة أن جريرًا قدم البصرة في إمرة الحكم بن أيوب بن الحكم بن أبي عقيل، خليفة الحجاج، فقال يمدح الحكم:
أقبلتَ من نجرانَ أو جنبَيْ خيمْ على قلاصٍ مثلِ خيطانِ السَّلمْ
قد طُويتْ بطونها طيَّ الأدمْ يبحثنَ بحثًا كمضلاَّتِ الخدمْ
إذا قطعنَ علمًا بدا علمْ حتَّى تناهينا إلى بابِ الحكمْ
خليفةَ الحجَّاجِ غيرَ المتَّهمُ في معدنِ العزِّ وبحبوحِ الكرمْ
فأنشده إياها وتحدث عنه فأعجبه ظرفه وشعره، فكتب إلى الحجاج: أنه قدم علي أعرابي باقعة شيطان من الشياطين. فكتب أن أرسل به إليَّ، فقدم عليه فأكرمه وكساه وأنزله، فمكث أيامًا ثمَّ أرسل إليه بعد نومه، فقال الرسول: أجب الأمير، فقال: ألبس ثيابي، فقالوا: أمرنا أن نأتيه بك على الحال التي نجدك عليها، فذهب عقله، وعليه قميص غليظ وملاءة مورسة. فلما رأى رجل من الرسل ما به قال: لا بأس عليك، إنما دعاك الأمير للحديث. قال جرير: فلما دخلت عليه قال: إيه يا عدو الله، تشتم أعراض الناس، فقلت: أصلح الله الأمير، إني والله ما أظلمهم، ولكنهم يظلمونني فأنتصر، ما لي، أصلح الله الأمير ولابن أم غسان، ومالي وللبعيث، ومالي وللفرزدق، ومالي وللأخطل، ومالي وللتيمي، قال: ما أدري مالك ولهم، وقلت: وأخبر الأمير، أما غسان بن ذهيل فإنه رجل من قومي، هجاني وعشيرتي، وكان شاعرًا. قال: فما قال لك، قلت: قال لي:
لَعمري لئنْ كانتْ بجيلةُ زانها جريرٌ لقد أخزى كُليبا جريرها
قال: فما قلت له، قال: قلت:
ألا ليتَ شعري عن سُليطٍ ألمْ تجدْ سُليطٌ سوى غسَّانَ جارا يجيرها
[ ٧٨ ]
قال: ثمَّ البعيث، مالك وله، قلت: اعترض دون غسان يفضله علي، قال: ثمَّ الفرزدق، مالك وله، قلت: أعان علي البعيث، قال: فما قلت له، فقال قلت:
تمنَّى رجالٌ من تميمٍ ليَ الرَّدى وما ذاد عن أحسابهم ذائدٌ مثلي
كأنَّهم لا يعلمونَ مواطني وقد جرَّبوا أنِّي أنا السَّابقُ المبلي
فلو شاءَ قومي كانَ حلمي فيهمُ وكانَ على جهَّالِ أعدائهم جهلي
وقد زعموا أنَّ الفرزدق حيَّةٌ وما قتلَ الحيَّاتِ من أحدٍ قتلي
قال: فما زال يقول: ثمَّ من، فأخبره وأنشده حتَّى بزغ الصبح، ونهضنا. فأخبرني من كان معه قاعدًا. أنه قال: قاتله الله أعرابيًا إنه لجرو حراش.