وذكروا أن كثير بن عبد الرحمن قال: قال لي جميل بن عبد الله بن معمر وهو أبو عمير: انطلق إلى بثينة وخذ لي وعدَّ منها، فقلت: فمتى عهدك بها، وهل بينك وبينها علامة؟ قال: آخر عهد لي بهم وهم بوادي الدَّوم يرحضون ثيابهم. قال: فأتيتهم فأجد أباها قاعدًا بالفناء، فسلمت فرد، وحادثته ساعة حتَّى استنشدني، فأنشدته وقلت:
فقلتُ لها يا عزُّ أرسلَ صاحبي على نأي دارٍ والموكَّلُ يرسلُ
بأنْ تجعلي بيني وبينك موعدًا وأنْ تأمريني بالذي فيه أفعلُ
وآخرُ عهدٍ منكِ يومَ لقيتني بأسفلَ وادي الدَّومِ والثوبُ يغسلُ
قال: فلما سمعت بثينة، وهي وراء أبيها في خدرها ذلك، ضربت كسير الخباء بكفها، وقالت: اخسأ، فقال لها أبوها: مهيم يا بثينة، مالك؟ قالت: كلب يأتينا إذا نوَّم الناس من وراء هذه الرابية. قال كثير: فانقلبت إلى جميل، فأخبرته أنها واعدته وراء الرابية إذا نوّم الناس. وإنما احتاج جميل إلى من يبلغ عنه، لما حكاه أبو عبيدة قال: شكا قوم بثينة جميلًا إلى معاوية، فأحماهم حمى وقال: إن ثقفتموه دونه، فقد أهدرت لكم دمه، فحذِّر جميل ولزم السلام، وجعل يبعث بالآية مع الأمة والراعي والراكي الذي يثق به، ولذلك يقول:
قالت بثينةُ لا تُبالي صرمَنا وبلى وجدِّكَ إنَّني لأُبالي
أوَ ما تراني من جريرةِ حبِّها أمشي الدِّلاصَ مقلِّصًا سربالي