سأل بعضهم عن قول القائل: عَذيري من فلان، ومن يعذرني من فلان، وعن موضعه في الكلام وفائدته.
اعلم أن هذه اللفظة، أعني من يعذرني من فلان، ينوب عنها: من عاذري من فلان، وعذيرك من فلان، ومن عذيري من فلان، فأما من يعذرني من فلان، فقال الخليل فيه: معناه من يلوم فلانًا ولا يلومني، ويقال: عذرته عذرًا وعذرا ومعذرة وعذرةً وعذرى وعذيرا، ويستعمل أعذرت في معنى عذرت، وتقول: من عذيرك من فلان، والمعنى: من يعذرك من فلان وأنشد بعضهم:
يا قومُ من عاذرى من الجَدَعةْ
وأنشد أيضًا قول عمرو بن معد يكرب:
أريدُ حِباءهُ ويريدُ قتلي عذيرُكَ من خليلكَ من مُرادِ
وينشد:
عذيرُ الحيِّ من عدوا نَ كانوا حيَّةَ الأرضِ
وذكر أبو سعيد السيرافي ﵀ في قول القائل: من يعذرني من فلان، أنه يفسر على وجهين، أحدهما أن يكون المعنى: من يعذرني في احتمالي إياه على ما أحتمله عليه، والثاني: أن يكون معناه: من يذكر عذر فلان لي، ثم ذكر أن المفضل بن سلمة اللغوي أنكر على سيبويه حين جعل العذير مصدرًا واستضعف طريقته فيه، وقال: إن المصادر على فعيل بابه الأصوات، كالصَّهيل، والنَّهيق، والشَّحيج، والهدير، وما أشبهه، وإنه في غير هذا الباب يقل، فعلى طريقته يجب أن يكون عذير صفة لا مصدرًا، لأن الأكثر عليه في غير الأصوات، فيكون عذير وعاذر، كشهيد وشاهد، وقدير وقادر، فكأن القائل إذا قال: عذيرك من فلان معناه: هات عذيرك، واحضر عاذرك، وهات من يعذرك، وكذلك إذا قال: من عذيري من فلان، فالمعنى: من عاذري.
واعلم أن أحد الوجهين اللذين حكاهما أبو سعيد في تفسير من يعذرني من فلان، وهو: من يذكر لي عذر فلان عندي، بعيد، إذ لم أجد في اللغة: اعذرني من زيد، بمعنى اذكر لي عذره، فأما الوجه الآخر مما حكاه، وهو: من يعذرني في احتمالي فلانًا فهو طريقه، إلاّ أنك تقول: عذرت فلانًا، إذا بسطت عذره، وأعذرته أيضًا، وما فسر به الخليل: من يعذرني من فلان، أي: من يلوم فلانًا ويدع لومي، هو المختار في تفسير ذا اللفظ، ألا ترى أن الخليل قال، إنهم يقولون: ألا تعذرني من فلان، قال: ومعناه أن يكون الرجل مطلوبًا من جهة فلان، فكأنه استعذر من مخاطبه متقدمًا في الشكوى من فلان، ومبينًا عذر نفسه فيما يكون من عقوبته، أن أختار معاقبته، وأنه جاء في الحديث المروي: لن يهلك الناسُ حتَّى يعذروا من أنفسهم، والمعنى: حتَّى من رجعوا باللَّوم على أنفسهم من كثرة ذنوبهم، ويعذروا مؤاخذهم ومخاصمهم على ما يكون منهم. وقد فسر بعض أهل اللغة هذا الحديث على أن معناه: حتَّى يكثّر عيوبهم وذنوبهم، وهذا الرجل لم يأت بتفسيره على حدة، ولا تحقيقه الكلمة، وإن كان لا بد من كثرة الذنوب منهم، فأما ما أنكره المفضل بن سلمة على سيبويه فغير منكر، لأن المصادر في غير باب الأصوات قد جاءت على فعيل كثيرًا، وذلك: كالنَّكير، واللَّهيب، والوجيب، والرَّسيم، والخبيب، والشَّميم، وما لا يتسع لذكره.
[ ١٧ ]
وقد قال أبو الحسن الأخفش في قول الله تعالى:) فالمُلقياتِ ذكرًا عذرًا أو نُذرا (، النُّذر والنَّذير، كالنُّكر والنَّكير، في أنها مصادر، فعلى هذا العذر والعذير، وإذا كان كذلك، فمعنى عذيرك من فلان: أقم معذرتك منه، وهات معذرتك، فإن قال قائل: كيف فسر الخليل: من يعذرني من فلان، على أن معناه: لُمْ فلانًا ولا تلمني، قلت: كان فلان الكذوب عامله بما استحق به لومًا، واقتضى مؤاخذة المتكلم إياه به ومحاسبته عليه، فخاطب الفتى فقال: من يعذرني من فلان، أي من يبسط عذري من أجل فلان الذي استحق اللوم فيما يعاملني به، كأن ذاك لا عذر له، وهذا إذا عاقبه كان معذورًا، وفي لوم المخاطب لذلك بيان عذر هذا، فقال: من يعذرني منه، وكذلك قوله: حتَّى يعذروا من أنفسهم، لأن في رجوعهم على أنفسهم باللوم بيان عذر الله ﷻ في مؤاخذتهم ومعاقبتهم، وعلى هذا قول عمرو:
أريدُ حِباءهُ ويريد قتلي عذيرك من خليلك من مرادِ
لأنك إن جعلت عذيرك في معنى عذارك، أو جعلته في معنى معذرتك، فالطريقة واحدة في أن المعنى: اطلب من يعذر منه، أو هات المعذرة منه، ومعنى العاذر منه، من يبسط عذري ويلحق اللوم به لذلك تمثل أمير المؤمنين صلوات الله عليه بالبيت، لأنه أراد أني أختار الخير لمن يكايدني وهو يبغي الغوائل، فمن يعذرني منه، أي من يبسط عذري ويلحق اللوم به إذا تنكرت له، فإن قيل: ما الفصل بين ما اخترته في تفسير: من يعذرني من فلان، من يبسط عذري في احتمالي فلانًا على ما أحتمله عليه، فحقيقة الكلام وصوابه تضيق عذر نفسه، ويكون الاستفهام على وجه الإنكار، كأنه أراد: لا عذر لي فيما آتيه معه من الحلم والإغضاء مع إصراره على ما يسوؤني، وإذا فسِّر على أن المعنى: لُمْ فلانًا ولا تلمني، فحقيقته نفي المعذرة لفلان وإقامتها لنفسه فيما سيأخذ به وفيه من معاقبته بعد ذلك، وإذ تأملت الطريقتين، بان لك الفضل وصح.