إن قال القائل: من أين جاز أن يقال: عامًا أول، ولم يجز شهرًا أول، ولا يومًا أول، ولا سنة أولى؟ قلت: إن قولهم: عامًا أول مما عمدوا فيه إلى تخصيصهم بشيء لا يكون في غيره اعتمادًا على التعارف، لأن المعنى عامًا أول من عامي، فلما كانت الكلمة متداولة، وكانت الحاجة إلى كثرة استعمالها ماسة حذفوا واختصروا وأوجزوا واقتصروا، معتمدين على علم المخاطب، والنية الإتمام، والفصل بين هذا وبين ما بني على الضم، وهو أبدًا بهذا أول، أن المبني على الضم قد جُعل غاية متضمنة لمعنى المحذوف منه، وهو في النية ثابت، ولم يجعل المبني غاية الكلام ولا متضمنًا لمعنى الملغي منه، بل غاية الكلام ما في النفس، فهو في حكم المنطوق به معه، وإن حذفت تخفيفًا، فهو كما حذف في قول الراجز:
خالطَ مِنْ سلمَى خياشيمَ رفَا
ألا ترى أنه لما نوى الإضافة قال: وفا، فحذف من اللفظ وأثبتها في النية، حتى صار في حكم المنطوق به، ولو أراد الإفراد لم يجز إلاّ فاها، ومثل هذا الاختصاص قولهم: اليوم فعلت كذا، جعلوه ليومك الذي أنت فيه، ولا يقولون: لقيته الشهر ولا السنة، وقد قالوا أيضًا: لقيته العام، وإن كان العام بمعنى السنة، قال الشاعر:
يا أيُّها العامُ الذي قد رابَني أنتَ الفداءُ كذكرِ عامٍ أوَّلا
فإن قيل: ولم احتيج إلى من حتَّى قدرت في قولك عامًا أول، إن أصله عامًا أول من عامي، قلت: إنما افتقر الكلام إلى من لأنهم أرادوا أن يتبينوا في أفعل هذا ابتداء الزيادة من أي شيء كان ليعرف حده ومبتدؤه، فمعنى قولك: زيد أفضل من عمرو، أن ابتداء زيادة فضله من فضل عمرو، فهو حده وأوله، وكذلك قولهم: عامًا أول، فعلمه.