سأل بعضهم عن قول الله ﷿:) يا نساءَ النَّبيّ من يأتِ منكنَّ بفاحشةٍ مبيّنةٍ يضاعفُ لها العذابُ ضعفينِ (، وعما حكي عن أبي عبيدة فيه وكيف خالفه الناس، وعن قول أبي ذؤيب:
جزيتُكِ ضعفَ الودّ لمَّا اشْتركتهِ وما إنْ جزاكِ الضِّعفَ منْ أحدٍ قبلِي
وإنكار الأصمعي عليه فيما قاله، وهذه مسألة توجب بسط القول في جوانبها، فإنها لا تكاد تبين إلاّ بذلك لاختلاف وجوهها وتداخل طرقها، وأنا أفصل جملها، وأشرح مبهمها بحول الله.
اعلم أن للضعف في اللغة مواضع ثلاثة، يكون المثل لما تضاعف به الشيء، ويكون: الشيء المضاعف، ويكون: التضعيف. ولكل من هذه الوجوه بيان ومجاز، قال الخليل: يقال: أضعفت الشيء وضعَّفته وضاعفته إذا جعلته مثلين أو أكثر، ويقال: ضعَفته بالتخفيف في هذا المعنى أيضًا، ضعفًا فهو مضعوف، قال لبيد:
وعالَيْنَ مضْعوفًا وفردًا سموطُه جمانٌ ومرجانٌ يشُك المفاصِلا
[ ٢٢ ]
فقد تبين من كلامه لما قال: وفردًا، أن المضعوف: ما جعل معه مثله شيء وأضعف، وإذا كان الأمر على هذا، فالضَّعف بالفتح: المصدر، والضِّعف بالكسر: المثل الذي يضاعف به غيره، وإذا ثبت هذا صح أن يسمى الأول الذي ضم إليه مثله فضوعف به ضعفًا، كما سمي المثل الذي أضعف به ضعفًا لاشتراكهما في أن كلًا منهما مثل الآخر، وقد تضاعف به، وهذا كما تقول: ثنيت الشيء ثنيًا، إذا جعلت معه ثانيًا ثم يسمى ما ثنى به الأول ثنيًا بالكسر، والأول الذي تثني به أيضًا ثنيا، وعلى هذا قولهم في أسماء العدد: واحد واثنان، لأن الواحد الذي لا ثاني له، فلما جعل له ثان يثنى به خرج من أن يكون واحدًا فسمي الثاني ثنيا لتثني الأول به، والأول أيضًا ثنيا لاشتراكهما في أن تثنى كل منهما بصاحبه، فقيل، اثنان، والأصل ثنيان، فالضَّعف بالفتح مصدر كالثَّني، والضِّعف بالكسر كالثِّني، ولو انفصل كل منهما عن صاحبه وانفرد لم يسمّ واحد منهما ضعفًا ولا ثنيًا، وقال طرفة:
لكالطّولِ المُرخى وثِنياهُ باليدِ
ولهذا قالوا: وجدت في أثناءه كذا وفي أضعافه، فاستعملوها على حد واحد وإن كان الضعف يقتضي أن يكون اسمًا لمثل الذي ضعف به لا زيادة فيه. والثّني لا يقتضي ذلك، ومثل ذلك في أن جعلوا المصدر على فعْل، والمفعول على فعل بالكسر.
قولهم: نقضتُ البعير في السَّفر نقضًا فهو منقوض ونقض، وذبحتُ الطائر ذبحًا فهو مذبوح وذبح، وهذا كثير وقد تصرفوا في هذا البناء على وجه آخر، قالوا: ضعفتُ الثَّوب ضعفا، ثم سموا الثياب المضعّفة ضعفا بفتح الضاد والعين، وهذا كما تقول: نفضتُ الورق نفضا بسكون الفاء، ثم يسمى المنفوض نفضا بفتح الفاء، وقضتُ الشيء قبضا، ثم يسمى المقبوض قبضا.
وأضعاف الجوف: أطباقه التي بعضه فوق بعض، يجوز أن يكون جمع الضّعف والضعف جميعًا وقال الخليل أيضًا: يقال: ضعفتُ القوم ضعفًا كثرتهم فصار لك ولأصحابك الضعف عليهم، أي التضعيف، وقال الله تعالى:) فأولئك لهم جزاء الضِّعف بما عملوا (أي جزاء التضعيف أو المضاعف الذي عرفتم قدره، أي لهم أن يجاوزوا بذلك، إلاّ ترى أن المفسرين قالوا: أراد بالضعف قوله:) من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها (، وكما وضعوا الضعف موضع التضعيف، وضعوا التضعيف أيضًا موضع الضعف، فقالوا: وجدت في تضاعيفه كذا، كما قالوا: وجدت في أضعافه كذا، وقال الخليل: يسمى حملان الكيمياء التضعيف، وكما جعلوا الضعف بمعنى المضاعف، جعلوا الثِّنْي بمعنى المثنّى.
وقال الشماخ:
وكلّهنَّ يُباري ثِنْي مطَّردٍ كحيَّةِ الطَّودِ ولَّى غيرَ مطرودِ
أي زمامًا مثنيًا، فهذا ذكر وجوه الضعف. فأما قول الله تعالى:) يا نساءَ النَّبيِّ من يأتي منكنَّ بفاحشةٍ مبيِّنةٍ يضاعف لها العذاب ضعفين (، فقد قرئ: يضعّف أيضًا، وقال سيبويه: هما بمعنى واحد، وقال أبو الحسن الأخفش: الخفيفة حجازية، والثقيلة تميمية، وقال أبو عبيدة في معنى الآية: يعذب ثلاثة أعذبة، لأن كان عليها أن يعذب مرة فإذا ضوعفت المرة ضعفين صار العذاب ثلاثة أعذبة، وإنما قال هذا فيما أظن لأنه جعل قوله العذاب مرادًا به القدر المستحق بالذنب في الأصل، ثم أضعف ذلك بعينه مرتين، فيكون ضعفين على هذا موضوعًا موضع إضعافين وتضعيفتين، كما قال تعالى في موضع آخر:) من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا فيضاعفه له أضعافًا كثيرةً (، يريد مضاعفات كثيرة، وهذا الذي قاله في الآية غير شائع فيها، وإن كانت اللغة لا تدفعه، لأن الضعف في الآية بمعنى المثل لا بمعنى المضاعف، ولا بمعنى التضعيف، ولهذا خالفه من بعده، قال أبو إسحاق الزجاج: ليس ما قاله بشيء، لأن معنى يضاعف لها العذاب ضعفين يجعل عذاب جرمها كعذاب جرمين، والدليل على ذلك قوله تعالى:) نؤتها أجرها مرَّتين (فلا يكون أن تعطى على الطاعة أجرين، وعلى المعصية ثلاثة أعذبة، ومعنى ضعف الشيء مثله الذي يضعفه فهو بمنزلة مثال انتهت الحكاية.
والأمر في الآية على ما قاله، والمعنى أنه لما كنّ يشاهدن من الزواجر التي تردع عن مواقعة الذنوب ينبغي أن يكون منهن أكثر ممن لا يشاهدها، فمن لم يفعل ذلك منهن ضوعف لها العذاب، ومثل هذه المضاعفة قوله تعالى:) نؤتها أجرها مرَّتين (، ومتى زاد العذاب على الأجر خرج عن التعادل، تعالى الله عن ذلك.
وأما قول أبي ذؤيب:
[ ٢٣ ]
جزيتُكِ ضِعفَ الودِّ لمَّا اشْتكيتهِ وما إنْ جزاكِ الضِّعفَ من أحدٍ قبلي
فالذي حكي عن الأصمعي فيه أنه قال: لم يصب في قوله: ضعف الود، لأن المعنى أضعفت لك الود، فكان يجب أن يقول: ضعفي الود، وهذا الذي ساقه الأصمعي لو قاله لكان صحيحًا على أن يكون سمى الأصل ضعفًا لما يضاعف به، والزيادة المضمومة إليه المماثلة له ضعفًا أيضًا لهذا المعنى ثم ثنى، ومثله قول الله ﷿:) ربَّنا آتهم ضعفين من العذاب (، لأن المعنى: أضعف لهم العذاب، إلاّ أن أبا ذؤيب لم يذهب هذا المذهب، بل أراد قوله: ضعف الود، مضاعف الود، أو تضعيف الود، أي جزيتك لما استثبت أن ضعفت لك الود، ويدل على هذا أنه قال:
وما إنْ جزاكِ الضِّعفَ من أحدٍ قبلي
يريد ما جزاك المضاعف أو التضعيف غيري، وهذا كما قال الله تعالى:) فأتِهم عذابًا ضِعفًا من النَّار قال لكلٍّ ضِعفٌ (، أي: آتهم مضاعفًا من النار، قال لكل مضاعف أو تضعيف، وكما قال:) فأولئك لهم جزاءُ الضِّعفِ بما عملوا (، أي: جزاء التضعيف، وكما يبعد أن يكون الضِّعف ههنا المِثل فيكون المعنى لهم جزاء المثل، يبعد في بيت أبي ذؤيب أن يكون المراد ما إن جزاكِ المثل أحد قبلي، فإن قيل: فما المراد بقول القائل: اعطِهِ ضعفَ مستحقه؟ وما الفصل بينه وبين قول القائل: اعطه ضعفَي مستحقه؟ قلت: المراد بقوله: اعطه ضعف مستحقه، مضعوف مستحقه، ومضاعف مستحقه، أي الذي صير مضاعفًا بانضمام المستحق إليه، والمراد بقوله: ضعفي مستحقه، مثلي مستحقه. فإذا كان المستحق درهمًا فعلى مقتضى الكلامين جميعًا يجب أن يعطيه درهمين، ولو قال: اعطه ضعف ما معه، وهو يريد مثلي ما معه، لم يصلح حتَّى يقول: ضعفي ما معه، وهو يريد مثلي ما معه، وهذا مبني على ما قدمناه من وجوه الضعف، فتأمله إن شاء الله.
فإن قيل: أليس قد زعمت أن الضعف قد يكون بمعنى التضعيف، والتضعيف والمضاعفة تكون للزائد على اثنين بدلالة قوله تعالى:) مثلُ الذينَ ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثلِ حبَّةٍ أنبتت سبع سنابل في كلِّ سنبلةٍ مائة حبَّةٍ والله يضاعف لمن يشاء (، فهلا حملته عليه في هذه المسائل، فالجواب: إن مثل هذه المسائل وما يدخل في الإقرارات والوصايا وأشباهها يجب حمله مما يصلح له على أدون الرتب وأقل العدد، إذا تجرد عن القرائن، إذا كان ذلك لا بد منه، وألا يحمل على الأكثر والأعلى إلاّ بدلالة تدل عليه وتوجبه، وإذا كان كذلك، فصرف الضعف إلى معنى المثل، والمضعوف المثنى هو الأولى إلى أن يرى معه دلالة توجب تجاوزهما إلى الكثير، وقال الخليل وغيره: الكِفل من الأجر والإثم الضعف، كقوله: له كفلان من أجر وعليه كفلان من الإثم، ومثله قوله ﷿:) يؤتكم كفلين من رحمته (، وقوله تعالى:) ومن يشفع شفاعةً سيِّئةً يكن له كفلٌ منها (، قالوا: ولا يقال: هذا كفل فلان حتَّى يكون قد هيأت مثله لغيره، كالنصيب، فإن أفردت فلا يقول: كفل ولا نصيب، وقال بعضهم: يجوز أن يكون الكفل من كفل فلانٌ فلانًا إذا عاله وأنفق عليه.