الحمد لله رب العالمين، والصلاة على النبي محمد وآله أجمعين، قال الشيخ الجليل أبو علي أحمد بن محمد بن الحسن بن الحسن المرزوقي أدام الله نعمته.
اعلم أن الأسماء التي تفيد الشمول والعموم لها أحكام ومواضع وشروط، فمنها ما يفيد ذلك البتَّة في موضع بعينه، ثم إذا فارق ذلك الموضع، إن كان مما يفارق، جاز أن يفيده وصلح له، وجاز أن يفيد غيره، ومنها ما الأولى به أن يفيد الوحدة والانفراد، ثم إذا اقترن به لفظ أو حال أفاد الشمول والعموم، ومنها ما يفيد بلفظه الجنس الذي وضع له ثم ينصرف إلى الوحدة، والانصراف بعلامة تلحقه وتغيير، ومنها ما يفيد الشمول في التنكير على وجه، ويفيده في التعريف على وجه، ثم لا يقع أحدهما موقع الآخر، ومنها ما يفيد الكثرة، ولفظه لفظ الواحد، وقد صيغ اسمًا للجمع، ومنها ما يفيد الكثرة ولفظه لفظ الجمع، ومنها ما يفيد الشمول في باب النفي ولا يقع في الإثبات البتة.
فالأول هو ما يفيد الشمول في موضع بعينه ينقسم قسمين: منه ما يلزم ذلك الموضع ولا يفارقه، وذلك: ككم وكيف وأين ومتى، لأنها تلزم موضعي الإبهام والاستفهام والجزاء، ولا يدخل على الذي ذكرناه وقوع كما في الخبر، لأنه بالاستفهام أولى حتَّى يقع في الخبر إذا وقع بغير صلة، فيبقى على حده في الاستفهام من الإبهام وسنبين من حاله في البابين ما يحتاج إليه في هذا الموضع.
ومنه ما يفارق ذلك الموضع وينتقل إلى غيره، ويقترن به، فيه ما يخصصه ويزيل الإبهام عنه فلا يفيد الشمول والعموم، وقد يقع مع اقتران المخصص به مفيدًا للكثرة والشمول، وذلك ك: من، وما، وأيّ، ألا ترى أن هذه الأسماء تقع في موضع الإبهام من بابي الجزاء والاستفهام على حد وقوع الأسماء التي تقدمت فيه، نحو: من عندك؟ وما تفعل؟ ومن تضرب أضرب، ومن تعطه يأخذ، وأيهم في الدار؟ وأيهم تكرم أكرم، فيكون حكمها من الشمول حكم تلك، ويقع أيضًا في باب الخبر موصولة موضحة، أو موصوفة محدودة، فيكون الأولى بها الدلالة على المفرد المخصص في التنكير، وهي إذا كانت موصوفة وقد يقترن به أيضًا ما يستدل منه على إفادته الكثرة والشمول، فالأول وإن كان لا يحتاج إلى مثال لظهوره نحو: رأيت من أبوه منطلق، وما سلمته إلى زيد، وأيهم في الدار، فهذه مختصة بصلاتها معارف بمعنى الذي، ولموصوف المنكور نحو: ربَّ من أحسنت إليه أساء إليَّ، لأنه بمعنى: رب إنسان، ومررت بمن ظريف، أي: بإنسان، وكذلك تقول: مررت بما صالح، أي بشيء صالح، وحمل قوله تعالى:) هذا ما لديَّ عتيد (على أن ما فيه نكرة، ولديَّ صفته، وقال سيبويه: يلزم لما هذا الوصف ثم حكاه غير موصوف في التعجب وغيره، كأنه يريد أن ذلك أكثر أحواله.
[ ٣٣ ]
والثاني كقوله تعالى:) ويعبدون من دون الله ما لا يضرَّهم ولا ينفعهم (، ثم قال:) ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله (، وكقوله) ويعبدون من دون الله ما لا يملكُ لهم رزقًا من السماوات والأرض شيئًا (، ثم قال:) ولا يستطيعون (. ألا ترى أن القرينة أبانت إفادتها الكثرة، وقد جاء من الأسماء المبهمة مجيء هذه.
الأسماء الذي وبابه الخبر، كقوله تعالى:) والذي جاء بالصِّدق (، ثم قال:) أولئك هم (، وفي قوله ﷿:) ومنهم من يستمعون إليك (، وهذا كثير جدًا.
وأما الثاني من القسمة الأولى، وهو ما الأولى به أن يفيد الوحدة والانفراد، ثم إذا اقترن به لفظ أو حال أفاد الشمول والعموم، فذلك نحو: عشرون درهمًا، وما جاءني من رجل، وهل جاءك من خبر، وكقولك: كل إنسان، وأول فارس، وكل رجل، وتقول كذا فكل هذا حكمه في أصل نيته ووضعه أن يكون للجنس، فصار بالعرف الأولى به أن يكون للواحد، ثم اقترن به ما يستدل به على تناوله الكثرة.
وأما الثالث: وهو ما يفيد بلفظه الجنس الذي وضع له، ثم ينصرف إلى الوحدة والانفراد بعلامة تلحقه وتغيير، فأسماء الأحداث، نحو: الضرب، والضربة، والانصراف، والانصرافة، ومن شرطها وشرط سائر أسماء الأجناس أن لا تقف على قليل دون كثير، ولا كثير دون قليل إلاّ بدلالة.
وأما الرابع: وهو ما يفيد الشمول في التنكير على وجه، ويفيده في التعريف على وجه، ثم لا يقع أحدهما موقع الآخر، نحو قولك: كل إنسان يقول ذلك، وكقوله تعالى:) إن الإنسان لفي خسر (، وكقوله ﷿:) إنَّ الإنسان خلقَ هلوعًا (، وكقولك: عشرون درهمًا، وعشرون دينارًا، وعشرون شاة، وعشرون بعيرًا. وكقولك: أهلك الناس الدينار والدرهم، وكثر الشاء والبعير، وكذلك: رب سارق سلم، وكل مذنب وفاسق فله وزره. وكقوله تعالى:) السَّارق والسَّارقة (، وكقوله:) والزاني والزَّانية (. ألا ترى أن معرف هذا الفصل لا يقع موقع منكَّره، وكذلك منكره لا يقع موقع معرفة، وأنه ليس كقولك: مائة درهم، ومائة الدرهم. وكقولك: يعطي خزَّا وقزَّا ودرهمًا ودينارًا، والخز والقز والدرهم والدينار، وقد كان منه ضرب وشتم، والضرب والشتم.
وأما الخامس: وهو ما يفيد الكثرة ولفظه لفظ الواحد، فهي الأسماء المصوغة لجمع، نحو، كل من جزء وبعض، نحو: قوم من رجل، ونساء من امرأة، وإبل من ناقة وجمل، وأولاء من ذا.
والثاني: أن يكون من لفظ المجموع بالاسم المفرد المصوغ للكثرة، وذلك نحو: الجامل من جمل، والباقر من بقر، ونحو: الضئين والكليب، من ضأن وكلب.
وأما السادس: وهو ما يفيد الكثرة ولفظه لفظ الجمع، فذلك كجموع السلامة، نحو: المسلمون والمسلمات. وجمع التكسير، نحو: الفجّار والفسّاق. ولأبنية هذه الجموع تفاصيل وأحكام سننتهي إليها ونفصلها، وهي على الجملة لا تفيد الشمول والكثرة إلاّ بعد تجردها مما يقصرها على الأعداد ويخصصها.
وأما السابع: وهو ما يفيد الشمول في باب النفي ولا يقع في الإثبات البتَّة، وذلك نحو قولهم: ما في الدار ديَّار، وما بها طوريّ، وما بها صافر، ألا ترى أنك لا تقول: بها صافر، وبها طوريّ، وبها ديَّار، فهذا بعض تفصيل ذلك الإجمال، ونحن نشتغل الآن بتبيينه وذكر الأدلة فيه إن شاء الله تعالى.
[ ٣٤ ]
اعلم أن الذي يدل على أن كم صيغ للعموم والشمول، أنه يسأل به عن الأعداد، والمخاطب ملجأ إذا سئل به عن معدود إلى أن يجيب عن قليل ذلك المسؤول وكثيرة، حتَّى إذا قصَّر لم يكن له عذر، فيقول إن عدد ما سألت عنه كذا وكذا، ولم يتناول سؤالك، فلولا أن كم منتظم لكل عدد لما كان المخاطب حاله إذا أراد الجواب أن يكون مُلجأ إلى ذكر عدد المسؤول البتَّة، وكذلك حال كيف في الأحوال، لأنه يسأل به عنها، فلا حاجة للمسؤول عنه إلاّ وينتظمه كيف حتَّى ليس للمخاطب متعلق بشيء إذا أنزل الجواب. فإن قيل: كيف تدَّعي ذلك في كيف، وقد علمنا أن قائلًا لو قال لغيره: كيف أنت؟ فأخذ يقول: مغسول الثياب، نقي البدن، وما يجري مجراه من أحواله لكان له أن يقول: ما سألتك عن شيء من هذا، وإذا كان الأمر على هذا فكيف يكون لفظ كيف منتظمًا للسؤال عن الأحوال كلها؟ وإن كان منتظمًا فكيف له أن يقول: ما سألتك عن شيء مما ذكرته، قيل له: إن الذي ذكرته لا يدل على أن كيف ليس بمنتظم للأحوال كلها، وذلك أن معهود المتخاطبين إذا سأل أحدهما الآخر عنه بلفظة كيف فهو يحتاج أن ينظر إلى ماذا من أحواله قصد السائل، فيخبره عن كيفية ذلك المسؤول عنه دون غيره، لأنه مضطر إلى أنه لم يسأله عن أحواله كلها، فإن كان لفظه كيف استغرقها بالوضع، فصار ما لم يسأله عنه كالمستثنى من جملتها، والشيء يصير مستثنى باللفظ ويصير مستثنى بالعرف والعقل والشرع.
وإذا كان الأمر على هذا، وكان لا حال من أحوالك ذلك المعهود بينهما إلاّ وصح أن يكون مسؤولًا عنه بلفظ كيف، ويجوز أن يريده، ولا يكون مستثنى بالعرف والعقل، فقد ثبت انتظامه لها كلها بهذه الدلالة، وسقط ما سأل عنه السائل بما ذكرناه وبيناه من أنه كالمستثنى، فاعلمه.
فإن قيل: ما تنكر من أن يكون كيف متناولًا للذي زعمته أنه مراد السائل والمسؤول، يحتاج أن تقصد إلى الجواب عنه بعد أن تتأمل وتقف عليه لا غيره.
وإن قولك: إنه متناول لكل بالوضع في الأصل، والمتزود كالمستثنى فاسد، قيل: إن الذي ذكرته ليس يقدح في الدلالة، ونحن نكتشف ما ذكرناه بما يؤيد الدلالة ونسقط السؤال، وهو أنا وجدنا الإيجاب بما هو نكرة، كصالح وكمعافى، وما يجري هذا المجرى، ولو كان السؤال عن شيء بعينه لكان جوابه يخرج على طريقة المعارف، وفي أن لا يجيء جوابه إلاّ نكرة دلالة على أنه لم يقصد به عند الوضع ما ذكرته.
والذي يكشف ما ذكرناه هو أنه إنما امتنع المعرفة من أن تكون في جواب كيف، فيقال: الصالح والمعافى، يخرج الكلام إلى أن يكون جوابًا عن السؤال عن الذوات لا عن أحوالها. فلو كان السائل عن الأحوال ب كيف قاصدًا إلى السؤال عن شيء بعينه منها، لكان حكم ذلك الشيء في الاختصاص، حكم الذات، فكان يجيء جوابه معرفة، وهو لا يجيء جوابه إلاّ نكرة.
وإذا كان الأمر على ما ذكرناه، فكما لا يجوز أن يكون جوابه المعرفة لخروجه في السؤال إلى أن يكون متناولًا للذات، فكذلك في الحال لا يجوز أن يكون متناولًا لشيء بعينه منهما، لأن ذلك يقتضي أن يكون جوابه المعرفة.
وبمثل هذه الطريقة نبين حال أين في المواضع، ومتى في الأوقات، هذا في باب الاستفهام.
فأما كم وكيف فلا مدخل لهما في الجزاء، وأين ومتى حالهما في الجزاء كحالهما في الاستفهام، وأما كم في الخبر، فهو باقٍ على إبهامه، لما ذكرناه من أن باب الاستفهام أولى به، بدلالة أنه لم يوصل فيه، وإن كان باب إيضاح وتبين، كما فعل ذلك بأخوته فيه. فإذا قال القائل: كم رجل أكرمته، فمعناه كثير من الرجال، والكثرة التي يشير إليها لا تبلغ حد الشمول للجنس كله، وإن كان غير واقف في مبلغ بعينه، ولهذا جاز أن يضاف إلى الواحد والجمع، فيقال: كم رجل، وكم رجال.
وفي الاستفهام لا يميز إلاّ باسم الجنس موحدًا، وهذا التكثير الذي وصفناه، استصحبه إلى الخبر، لأن ذاك مؤثر فيه لا محالة. ألا ترى أن مستنكرًا في العقل أن يكون المتكلم ب كم رجل أكرمته أكرم الجنس كله، ولو كان الباب باب النفي أو الاستفهام أو الجزاء، لم يكن ذلك منكرًا، وهذا ينكشف بأدنى تأمل، فاعلمه.
[ ٣٥ ]
والذي يدل على أن من وما، وهو القبيل الثاني مما يفيد الشمول، يفيدان الشمول في الموضع الذي ذكرناه، وهو الإبهام في بابي الجزاء والاستفهام، أدلة مما استدللنا به في النوع الأول، أن المسؤول ملجأ في الجنس الذي سئل عنه إلى الجواب، حتَّى لا منزل له لتعلقه بأن لفظ السائل تناول كذا وكذا، دون كذا وكذا، وهنا الموضع يتبين بتأمل الدواعي التي دعت إلى وضع هذه الألفاظ، وهو أنهم نظروا فيما يسألون عنه من الأحوال والأوقات والمواضع والأعداد والأجناس والناطقين، فوجدوا أنفسهم مع المسؤولين على حالة أوجبت عليهم صياغة ألفاظ شاملة مستغرقة، وإلا كان للمسؤول أن يعدل عن الجواب عما يسأل عنه، وإن تكلف السائل أمورًا كثيرة، وبسط من القول ما أتعبه وشق عليه.
ألا ترى أن السائل عن عدد معدود ما يتوهمه مع الغير من جنس لو قال له: أكذا عندك من هذا الجنس أم كذا أم كذا، حتَّى يكثر من أسماء الأعداد، وأفنى في ذلك أوقاتًا كان لا يأمن أن يكون ما معه منقوصًا عن الأعداد التي ذكرناها، أو زائدًا عليها.
وكذلك هنا في الأحوال، أو عدّد أحوالًا كثيرة في مسؤول عنه بعينه، كان لا يأمن من أن يكون على غيرها. وكذلك في الأوقات، لو ذكرنا أوقاتًا كثيرة من الماضي والمستقبل، كان لا يأمن مع امتداد الأوقات أن يكون المسؤول عنه في غيرها، فلا يخرج جوابه على مراده. وكذلك في الناطقين لو ذكر أكثر من يعرفه، لكان لا يأمن أن يكون غيرهم.
هذا وقد سئل الإنسان عما لا يعرفه، كما يسأل عمن يعرفه، وذكر من يعرفه متعذر على الوجه الذي ذكرناه. فأما من لا يعرفه فمحال أن يذكره. فلما كان الأمر على هذا عمدوا إلى صياغة ألفاظ كافية من التطويل، شاملة للأجناس، ملجئة للمسؤولين حتَّى إن أرادوا الجواب لا الانتهاء إلى المراد، وفي ذلك من الدلالة على الموضع الذي يريد الدلالة عليه من شمول هذه الألفاظ لما وضعت له، واستغراقها ما لا خفاء به.
ومنها أن المسؤول متى سمع هذه الألفاظ، فإنه متى راعى، لم يجد في الأجناس التي يسأل بها عنها سببًا إلاّ ويصلح أن يكون جوابًا للسائل، إذا قصده وجعله جوابًا.
ولولا شمول هذه الألفاظ للأجناس التي صيغت لها استغراقها، لما صلح في كل وبعض منها أن تكون جوابًا، فإن اعترض على هذه الدلالة بأن من قال: من دخل داري أكرمته، في الجزاء أن اللص لا يجوز أن يكون مرادًا، ولو قال: من دخل داري أهنته، لا يجوز أن يكون الملك مرادًا.
وكذلك ما يجري هذا المجرى، فالجواب عنه، أن اللفظ منتظم للكل في أصل الوضع، وما خرج منه بالعقل أو العرف أو الشرع، فهو كما أخرج منه بالاستثناء.
ألا ترى أنه لو قال: من دخل داري فهو محاسب، أو: من دخل داري فهو مثاب أو معاقب، وقال: خلق الله من في السموات والأرض، أو ما في السموات والأرض، لدخل تحت هذا كل متعبد وموجود من الجن والملك وغيرهم، إن كان المتكلم به ممن يعلم أن العبادة تشمل هذه الأجناس، كذلك الثواب والعقاب والخلق، فلولا أن اللفظ شامل، لكان يتغير أحكام الإخبار والعدَّات والمضمون لها، والإخبار في هذه الألفاظ التي تستعمل في هذه المواضع، وعلمت أن أصل الوضع فيها ما ذكرنا لا غير.
ومنها جواز استثناء المستثنى منها ما أراد، بالغًا ما بلغ في القلة والكثرة، فلولا شمول هذه الألفاظ واستغراقها، لما جاز الاستثناء منها على الحد الذي ذكرناه، ولا يقدح في هذا قول القائل: إنه مع الاستثناء كأنه صيغ لذلك الذي يدل عليه. ولا قوله: إنها ما أفادت الشمول على وجه، لأنها عندك لا تعرى من الاستثناء، أو ما يجري مجرى الاستثناء من العرف والعقل. لأن من راعى أن اللفظ في انفراده ماذا يفيد، وعند الاستثناء منه ماذا يفيد الاستثناء فيه، ولولا الاستثناء كان حال اللفظ: كيف يكون بأن له، إن هذا السؤال ساقط. وكذلك من راعى أن اللفظ ووضعه شيء، وتسلط العرف والعقل والشرع عليه شيء آخر، يجري عليه بعد التواضع به، كما أن الاستثناء منه باللفظ بعد التواضع به. اعلم أن قوله: إنه لم يفد الشمول قط، فاسد، لأن اللفظ لا بد أن يكون سابقًا لما وضع له للعرف والعقل جميعًا، لأن هذين يتسلطان عليه كتسلط اللفظ المخصص له من بعد.
[ ٣٦ ]
فإن قيل: ما ينكر أن يكون العقل عند الوضع متسلطًا عليه كما يتسلط العرف واللفظ من بعد، قيل له: إن العقل إذا تسلط في الموضع الذي أشرت إليه، منع من وضع الاسم له رأسًا، ومتى قصد القاصد إلى الوضع مع منع العقل منه، كان كمن يتعاطى محالًا، أو العبث بما يضعه، وإذا كان الأمر على هذا وكان العقل لا يمنع ولا يحظر، وضع له اسم مستغرق، بل كيف يحظر والحاجة تمس إليه كما بيناه، فيجب أن يكون التواضع قد حصل به، وأن يكون العقل تسلط من بعد الوضع فتخصص كما يتسلط العرف من بعده، وكما يتسلط اللفظ من بعده، وفي هذا لمن أنعم النظر كفاية.
ومنها أن الألفاظ إنما كانت توضع بحسب الحاجة إليها، فقد علمنا أن الواحد منا كما يقصد إلى الإخبار عن الأعيان المحسوسة، كذلك يقصد إلى الإخبار عن الأجناس المعلومة، ويعلق المقصود بها كما يعلقها بالمفردات.
وإذا كان الأمر على هذا، فلا بد من أن يكون في كلامهم ما يفيد الجنس مشتملًا عليه، مستغرقًا له، وإلا كان يظهر قصور لغة العرب عن المعاني الهاجسة في النفس.
وإن كان لا بد من أن تكون حاجتهم إلى ما يعبرون عنه كحاجتنا، ودواعيهم كدواعينا، وإذا كان الأمر على هذا، ويصح القصد منا إلى الإخبار عن الجنس بلفظ شامل لهم كلهم، فكذلك يجب أن يكون أمرهم كأمرنا، وإذا كان أمرهم كأمرنا، فلا بد من أن يكون في لغتهم ما يفيد ذلك حقيقة لا مجازًا، وهذه في الأسماء التي ذكرناها.
وبهذا الذي ذكرناه يسقط قول من يزعم أنه لا يمتنع من أن تكون الألفاظ مستصلحة للشمول من غير أن تكون مفيدة له على الحقيقة، مقصورة عليه، ويؤيده أنّا وجدنا هذه الأسماء تفيد هذه الأجناس في المواضع التي أشرنا إليها على سبيل اطِّراد فيها، ومن علامة ما يكون حقيقة في الشيء اطِّراده فيه واستمراره، وإذا كانت هذه الألفاظ مستمرة في إفادة هذه الأجناس على الوجوه التي ذكرناها، فيجب أن تكون حقيقة لها.
وهذه الأدلة التي ذكرناها فيها ما يدل على إفادة الشمول والعموم في من وما إذا انتقلا عن موضع الإبهام إلى باب الإيضاح والتبيين، وهو باب الخبر أيضًا، وذلك جواز الاستثناء منا على الوجه الذي بيناه، وجواز تعلق القصد منا بما يفيد الشمول والعموم إذا أردنا الإخبار عن جنس، وإن سبيلهم كسبيلنا، وإنه لا بد من أن يكون في كلامهم ما يفيد ذلك حقيقة، وإلا كانت اللغة قاصرة عما كانت تهجس في نفوسهم حينئذ، وفي نفوسنا الساعة، فهذا حال من وما وهما للاستغراق.
وأما أيُّ فهي لبعض من كل، وهو وإن كان لا يختص ببعض دون بعض، ولكن يصح كل منها على طريق البدل وعلى ما يقدر بعضًا من الجملة، فإنه لا يفيد الاستغراق. ولشدة إبهامه لزمته الإضافة، ومعنى الإبهام فيه أنه لا يختص بجنس دون جنس، كما اختص كل واحد من مَنْ ألا ترى أنك لا تقصد جنسًا.
وأيُّ تستعمل في العام فهي أشمل من منْ وما في هذا الوجه، ودونهما فيما يفيد أنه من الاستغراق.
فأما ما الأولى به أن يفيد الوحدة والانفراد، ثم إذا اقترن به لفظ أو حال أفاد الشمول والعموم كقولهم: عشرون درهمًا، وما جاءني من رجل، وهل جاءك من خبر، ولا رجل في الدار. وكقولك: كل إنسان، وأول فرس، وما أشبه هذا. فإن هذه النكرات تفيد الاستغراق بما اقترنت به من الألفاظ التي قبلها إذا كانت هي وأشباهها قد جعلها العرف والاستعمال بأن تفيد بمجردها الوحدة أولى، وإن كانت وضعت للآحاد فما فوقها، وهنا في هذه الأسماء كالعلامة والتغيير في أسماء الأحداث، ويدل على ذلك أن من في قولك: ما جاءني من رجل، وهل عندك من شيء، لا يجوز أن يدخل على مخصوص مفرد، لا تقول: ما جاءني من عند الله، فلولا أنه يفيد في رجل إذا اقترن به في قولك: ما جاءني من رجل، وهل جاءك من خبر، وهل عندك من شيء، للكثرة والشمول، كان لا يمتنع من دخوله على المفرد المخصوص أيضًا، وإذا قد امتنع منه، وكان قولك رجل لا يخلو من أن يفيد واحدًا من قبيلة غير معين، أو القبيل كما هو.
[ ٣٧ ]
وكنا قد علمنا من لغتهم وقصدهم أنهم لا يريدون نفي واحد غير معين في قولهم: ما جاءني من رجل، فما بقي إلاّ أن يكون مفيدًا نفي القبيل كما هو مستغرق الأسماء، وأنت إذا قلت: ما جاءني رجل، من دون مِنْ فالأولى أن تريد به نفي واحد غير معين، وكذلك قولك: عشرون رجلًا، نبّه قولك: عشرون على أن يراد به الجنس كلهم، إذ كان لا يجوز أن يكون يفيد واحدًا غير معين مع اقتران العشرين به لما يدخل المعنى من الفساد، ولأنه من الظاهر أن المراد ب عشرين رجلًا عشرون من الرجال، ومن القبيل الذين هو الرجال.
وكذلك إذا قلت: كل رجل، ف كل تبين أن رجلًا بعد عامّ للجنس. وكذلك قولك: هل عندك من أحد، أحد في معنى الجمع بدلالة أنه لا يجوز أن يقع في واحد، إذا كان القصد الذي يصح به في غير الواحد لا يصح في الواحد، إلاّ أن يكون موضع يحصل فيه قريب من الفائدة التي ذكرناها فيما ليست بواحد، كقول القائل: جاءني اليوم كل أحد، لأن هذا وإن أفاد الكثرة لا يفيد الاستغراق، فهو كما ذكرناه في كم إذا انتقل عن باب الاستفهام إلى باب الخبر.
فإن قيل: فلم لا تقول: جاءني عشرون واحدًا، لأن الذي بعد العشرين لا يكون إلاّ في معنى الجمع بزعمك، قيل له من قبل: إن العشرين وما أشبهه، عدد مخصوص يحتاج إلى بيان المعدود الذي وقع عليه العدة، وذلك ما تفيده أسماء الأجناس وأحد ليس منها.
وقد بينَّا أن هذه الأسماء متى تعدّت الموضع الذي يفيد الوحدة فيه والانفراد، انصرف إلى الجنس، ولا بد من اقتران ما يفيد به.
فإن قيل قولك: كل رجل، وكل إنسان، هل يجوز أن يقع موقع المنكور هاهنا اسم الجنس المعرف بالألف واللام، لأن كلا منهما يفيد فائدة صاحبه بزعمك، ويكون مثل قولك: مائة درهم، ومائة الدرهم، إذا أردت التعريف، قيل: لا، ولكن إذا أريد التعريف في قولك: كل رجل، قلت: كل الرجال، وفي كل إنسان، كل الناس، ولا يجوز: كل إنسان، وكل الرجال، وذلك أن: كل رجل، في معنى: كل أحد، وتلخيصه: كل الرجال، إذا كانوا رجلًا رجلًا، على حد قولك: كل اثنين أي: كل الناس، إذا كانوا اثنين اثنين، وكقولك: هما خير اثنين في الناس، أي: هما خير الناس، إذا كانوا اثنين اثنين.
فإذا أردت التعريف خرج من هذا، لأن مثل هذا التقدير لا يتأتى فيه إلى قولك: كل الرجال، كل الناس، ولا يكون غيره، ومائة رجل، لا يقع موقعه أحد لما بيناه في قولنا: عشرين ونحوهما، فلما أضفت المائة إلى رجل، وكنت قد فرغت من العدد فاحتجت إلى الصنف، عرفت على ما كان نكرة، فقلت: مائة الدرهم. وفي هذا فصل ظاهر بين: مائة درهم، وقبيله، وبين كل أحد، وقبيله، فافهمه.
وإن قيل: لم امتنعت من كل الرجل، والله ﷿ يقول:) كلُّ الطعامِ كان حلاَّ لبني إسرائيل (، قلت: إن هذا السؤال غلط أو مغالطة، لأن الطعام في شموله لأنواع كالناس في شموله لأنواع، وقد جوزنا أن يقال: كل الناس، وإنما امتنعنا من أن يقال: كل رجل، وكل الرجال، وقد دللنا عليه بما فيه كفاية، فاعلمه.
وأما قولهم: أهلك الناس الدينار والدرهم، فليس هذا مما الاعتماد في إفادته الكثرة على شيء قبله، كما ذكرناه في النكرات، ولكن متى ما تعرَّى مما يخصصه فيجب أن يكون متناولًا للجنس، مستغرقًا له، ودالًا على أن الألف واللام من شأنهما التعريف والتخصيص.
والمعرَّف المخصص كما يكون محسوسًا مدركًا معهودًا، يكون معلومًا معقولًا. فالألف واللام يشار به إلى تخصيص ذلك المعرف على ما يصح تخصيصه به، فإن كان معهودًا مدركًا محسوسًا، فالإشارة بالألف واللام إلى تعريفه على ذلك الوجه.
وإن كان معلومًا معقولًا، فالإشارة به إلى تعريفه على ذلك الوجه. وقولنا: رجل لا يخلو من أن يكون المراد به واحدًا من الجنس غير معين، والجنس كما هو، فكذلك إذا دخله الألف واللام ولم يقترن به ما يخصصه بمعين معهود، فيجب أن يفيد الموضع الثاني الذي له من الموضعين وهو الجنس كما هو، ويستدل على أن قولك: أهلك الناس الدينار والدرهم، وكثر الشاة والبعير. المراد به العموم والكثرة، مما تقدم من جواز استثناء الجماعة من هذا الاسم المفرد في اللفظ، وكذلك الدلالة الثانية من الحاجة إلى تعليق المقصود باسم الجنس مفيدًا للعموم.
[ ٣٨ ]
فإن قيل: إذا كان النكرة تفيد ذلك كما زعمت من قبل، فما فائدة هذا التعريف؟ قيل له: القصد فيه الإشارة إلى ما ثبت في النفس وعقل من معرفة الأنواع، وليس الدرهم في هذا أو نحوه كواحد عهدته وعلمته محسوسًا، ثم أشرت إليه، لأن معرفة الأنواع من هذه الجهة ممتنعة، وغير مجوّز أن يعلم منا أحد هذه الأنواع محسوسًا، كما يعلم بعض الأشخاص كذلك.
وإذا كان الأمر على هذا، وكان لا يمتنع في لغتهم أن تكون اللفظة المنكورة يستفاد منها ما يستفاد من المعرفة، ويستفاد من المعرفة مثل ما يستفاد من النكرة، فكذلك لا يمتنع في أسماء الأجناس ما ذكرناه من أن تكون نكرتها تفيد مثل ما تفيد معرفتها باقتران القرائن.
فإذا كان معرفة، فلفظه وفق مستفاده، وإذا كان نكرة فإنما تبين ما تبين منه ومن قرائنه التي بلَّغته ذلك الحد.
فأما قول من يقول: إن الألف واللام يفيدان الجنس، وتقديره أنه وضع في اللغة لذلك، فجعل باللغة والصناعة، لأن الألف واللام ليس فائدتهما إلاّ التعريف. وقولنا: الألف واللام مسامحة منا ومجرى على عادة النحويين، لأن اللام هي التي وضعت للتعريف فقط. والألف معها ألف الوصل، فاعلمه.
فإن قيل: كيف زعمت أن الألف واللام في نحو هذا التعريف، يدخل فيما يفيد التكثير دون الإفراد، وأنت قد تقول: خرجت فرأيت الأسد، وتعريفه ذلك التعريف، وأنت لا تريد تكثيرًا ولا استغراقًا، وإنما المراد: خرجت فرأيت الواحد من هذا الجنس، من غير تعيين ولا تخصيص.
قلت: إنما جاز هذا في هذا النحو من المفردات لمشابهته النوع في أنه ليس بمعهود حسًّا، كما أن النوع ليس كذلك، وكأنك قد وضعت الجنس موضع المفرد لوقوع الاسم عليه كوقوعه على الجنس، ولأن العامّ يستعمل في موضع الخاص، كقولهم: أسيرَ عليه الأبدَ، وإنما يراد به: أسيرَ به، كثيرًا.
وإذا كان الأمر على هذا، فهو كالشيء يستعار من بابه لغير بابه. ومثله ما يستعمل من لفظ الجمع في موضع المفرد. ألا ترى أنه يحسن أن تقول لمن ملك عبد، أو وهب دينارًا: صرت تملك العبيد وتهب الدنانير، وإن لم يكن ما ملكه أو وهبه إلاّ واحدًا.
فكما تجوِّز بالجمع، كذلك تجوّز باسم الجنس، معرفًا في الواحد غير معين، وإن كان ذلك من فائدة النكرات.
ألا ترى أنه لا فصل بين قوله: خرجت فرأيت الأسد، وبين قوله: خرجت فرأيت أسدًا، إلاّ ما تراه من التعريف. بلى، ممكن أن يقال: لو قيل: خرجت فرأيت أسدًا، لكان السامع يجوز أن يتبع قوله أسدًا صفة من الصفات، فإذا سكت المتكلم ولم يتبعه الصفة، بان له من بعد، أن قصده إلى واحد من الجنس غير معين ولا موصوف.
ولو قيل: خرجت فرأيت الأسد، كان السامع يعلم أن القصد إلى الواحد من الجنس ولا ينتظر الصفة التي تجوز مجيئها مع النكرة، فهذا يجوز أن يكون من فائدة ما فيه الألف واللام.
وعلى كل وجه، لم يزد التعريف اختصاصًا لم يكن في التنكير، والنكرة التي تفيد فائدة المعارف يشير به إلى النكرات المحدودة بالصفات وبالأحوال، حتَّى لا يجري مجرى الإشارة إلى المعنى كقولك: فينا رجل عليه درَّاعة شأنه كذا، وليس في القوم من عليه درّاعة غيره. والمعرفة التي تفيد النكرة غير قولك: مثلك شبهك، حسن الوجه، لأن هذا من حيث اللفظ، لا لما عرض من اللبس في الموضع.
فإن تقل بدل قولك: فينا رجل عليه درّاعة، فينا زيد أو أبو فلان أو غلامك، وفي الجماعة اسم كل واحد منهم أو صفته أو كنيته، مثل ذلك الاسم أو الصفة أو الكنية، كان فائدة المعرفة إذا كان الأمر على هذا فائدة النكرة.
[ ٣٩ ]
فإن قيل له: زعمت أنه إذا دخل الألف واللام اسم الجنس، وتعرّى مما يخصصه، كان مستغرقًا شاملًا. وما تنكر أن يكون المراد به القبيل والجنس غير معين، كذلك يصح أن يقصد إلى الجنس من غير أن تريد الاستغراق، وإذا كان كذلك فانصرافه إلى الاستغراق يحتاج إلى دليل يقترن به يفيد فيه ذلك. وإلا كان لخلوه مما يفيد التخصيص فيه لا يخرج إلاّ إلى إفادته الجنس فحسب، قلت: إن من تأمل أسماء الأجناس كيف صيغت، ولماذا وضعت، استغنى بذلك عن هذا السؤال. وذاك أنهم إنما قصدوا إلى تمييز الأجناس بعضها عن بعض في وضع الأسماء لها، كما قصدوا إلى تمييز الآحاد وضعوا بشريطة أن يتناول الواحد إلى حيث انتهى وبلغ، واكتفوا له بذلك الاسم في تمييزه عما يخالفه. ولذلك لم يجمعوه ولم يثنوه، لأنهم صاغوه بشرط أن يفيد ما وضع هو له بالغًا ما بلغ، وكيف تزايد وتناقص.
والشيء إنما يصح التثنية والجمع عليه، إذا انحصر بدلالة أن التثنية ضم الشيء إلى مثله، والجمع ضم الشيء إلى مثليه أو أمثاله. وإذا كان هذا الضم الذي أشرنا إليه لا يصح إلاّ فيما قد وقف، فإذا لا يصح هذا المعنى في اسم الجنس.
وإذا كان حال اسم الجنس هذه الحالة، فمتى لم يقترن به ما يخصصه ببعض ما وضع له، فلا بد من أن يكون شاملًا له كله، مستغرقًا لأن موضوعه على ذلك، وكيف يفيد الجنس كما هو، ولا يكون مستغرقًا له.
وإذا كان ذلك على ما ذكرناه، فلا معنى لقول القائل: يفيد الجنس دون الاستغراق، لأن ذلك يتصور في الموضع الذي يقول فيه هذا. إن تعلق المعنى المقصود ببعض الجنس، ولغير ذلك البعض اسم الجنس. وذلك لا يعلم إلاّ بدلالة، كما يعلم الانفراد والتخصيص إلاّ بدلالة.
فإن قيل: ألست تجوز أن يقال: ضع هذا المال في هذا الجنس، ويشار به إلى الرجال، ولا يراد به الكل والاستغراق. وإذا كان في لفظه الجنس ذلك يجوز، فما ينكر أن يكون في اسم الجنس أيضًا يجوز.
قلت: إن قوله: ضع هذا المال في هذا الجنس مخصص بالعرف، ولهذا كان مأمورًا بأن يصرفه إلى بعض الجنس لا كله. لأنه ليس في العرف أن يكون الواحد يعمّ الجنس، كما هو بصلة أو أمر.
وإذا كان كذلك، فلولا التخصص العرفي الذي ذكرناه، فكان قولهم: الجنس يشملهم كلهم.
وإذا كان حال لفظ الجنس هذه الحالة، فكذلك حال اسم الجنس هذه الحال، متى تجرد عما يخصصه من العرف أو الشرع أو العقل أو اللفظ، فلا يكون إلاّ شاملًا، فاعلمه.
ومن هذا القبيل قولهم: أول فارس، لأنه بدخول أول خرج فارس من أن يكون يفيد ما هو أولى به من الوحدة والانفراد، وصار يفيد الشمول والعموم. وعلى ذلك قوله ﷿:) ولا تكونوا أوَّل كافرٍ له (. ولهذا فسره الأخفش على أن معناه: أول من كفر به.
وقال غيره: إن معناه: أول فريق كافر به، والفصل بين الطريقين، أنه جعله الأخفش مستغرقًا، فوضع مكانه من كان المراد: ولا تكونوا أول الكافرين به إذا صار كافرًا كافرًا.
وجعله غيره على غير الوجه، فصرفه إلى فريق من القبيل غير معلوم، كأنه قال: أول الكافرين به إذا صاروا فريقًا فريقًا.
وأكثر أصحابنا البصريين على طريقة أبي الحسن الأخفش، وهو لا يصح، كما دللنا عليه وبيناه، لأن ادعاء حذف فريق وإقامة كافر الذي هو صفته مقامه، يحتاج إلى دلالة.
ومن هذا القبيل قولهم: رب رجل، وكم رجل لأن رجل بدخول كم ورب عليه صار مفيدًا للكثرة ومستغرقًا، يدلك على ذلك أن كم يفيد التكثير مما يدخله بلا نهاية، ورب تفيد التقليل منه غير محصور.
ولكن على ما يراه المخبر من استقلال الشيء واستكثاره، فلولا أن رجل بعدهما للاستغراق، لم يكن يصلح دخول واحد منهما عليه.
وكيف يخرج الكثير الذي لا نهاية له معلومة، إلاّ من اللفظ الذي يفيد الاستغراق، وكذلك القليل الذي هو على الحد الذي ذكرناه. ومن هذا القبيل أسماء الفاعلين والمفعولين كقولهم: الكافر، السارق، الزاني، المسلم، المؤمن.
[ ٤٠ ]
واعلم أن قولهم: الفاسق والزاني موضوع موضع: الذي فسق وزنى والألف واللام فيه بمعنى الذي، وهذا لأن الفعل لما لم يكن موضوعًا للتخصيص، بل كان موضوعًا لأن يكون خبرًا مفيدًا لا غير، امتنع مما يكون وروده للتخصيص كالإضافة والألف واللام، لكنهم كما جعلوه، أعني الفعل، من تمام الذي أحبوا أن يتناوله التخصيص أيضًا فنقلوه إلى اسم الفاعل، ونووا بالألف واللام فيه، وإن كان مجيئه في أصل الكلام التخصيص فقط، عنى الذي كان يحتمله الفعل في صلة الذي ليتم الألف واللام باسم الفاعل كما تم ذلك الفعل.
فكما أن الذي إذا لم يقترن به ما يخصصه بواحد بعينه، انصرف إلى الجنس، فيدل على استغراقه وشموله ما يدل في اسم الجنس لا فصل بينهما، ويقرب أمره تضمنه لمعنى الجزاء، حتَّى صار يجاب بما يجاب به الجزاء من الفاء. فكما أن الجزاء بالإبهام الذي صار حكم الاسم المستعمل فيه ما بيناه ودللنا عليه، وهو: من، وما، كذلك حكم اسم الفاعل والمفعول، بدلالة أن قوله تعالى:) السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما (، بمثابة قوله لو قال: من سرق فاقطعوا يده.
وقد حكى أبو العباس المازني، أن اسم الفاعل يدخله الألف واللام مفيدًا للتعريف فقط، يكون دخوله عليه كدخوله على اسم الجنس، إذا قلت: الرجل، وهذا وإن كان خلافًا من أصحابنا، فلا مدخل له فيما نحن فيه. فإن قيل: أراك تدير كلامك في الألف واللام على أن له موضعين: أحدهما تعريف العهد، والثاني تعريف الجنس، وأنت قد تقول: هذا الرجل فعل كذا أو كذا من غير أن يكون بينك وبين المخاطب عهد فيه.
فإذا كنت بقوله ولا عهد، ومن الظاهر أن قولك: هذا الرجل ليس يراد به الجنس، فهلا قلت: إن له موضعًا ثالثًا، وهو قولك: هذا الرجل، وتلك المرأة، وأنت تشير إلى حاضرين أحدهما بالبعد، والآخر بالقرب. قلت: إن الرجل والمرأة نقلهما ما صحبهما من اسم الإشارة إلى الحاضر، وهما في الأصل للجنس، ولا يمتنع ما يكون للجنس أن يقترن به ما يجعله لواحد من الجنس، لأن اسم الجنس ينتظم الواحد إلى ما لا نهاية، فاعلمه.
ومن هذا القبيل قولهم: نعم الرجل زيدٌ، وحبَّذا زيد لأن ذا كالرجل، والرجل اسم جنس، والمعنى: زيد محمود في قبيله، إلاّ أنه ليس بمستغرق، بدلالة أنه ثني وجمع، فقيل: نعم الرجلان الزيدان، نعم الرجال الزيدون، ولو كان مستغرقًا لما صح تثنيته، وليس قول القائل: زيد محمود في الرجال، وإذا صاروا رجلًا رجلًا بصواب. ولا قول: إنه لواحد بعينه بصواب، لأن وقوع رجل موقع أحد حتَّى يكون متناولًا لآحاد الجنس على طريق البدل، إنما يكون في النكرة، فأما إذا تعرف فإنه لا يفيد الاتحاد، ولهذا لم نقل: كل الرجل، ولا: كل الإنسان، وقد مضت الدلالة على ذلك.
ولا يجوز أن تكون لواحد بعينه، لأنه لو كان كذلك لما امتنع ما يفيد الاختصاص من الأعلام وغيرها من وقوعه موقعه، لتساويها كلها في إفادتها واحدًا بعينه. وفي امتناع ذلك دلالة على أنه للجنس لا للواحد بعينه.
فإن قيل: فالرجل من قولك: نعم الرجل على أي وجه توجهه إذا لم تجعله مستغرقًا، قلت إن المادح كأنه عرف زيدًا وأضرابه أو عرفه وقبيله الذي هو منه فأراد أن يتناوله المدح وهو مفضل عليهم، فاستعار لفظ الجنس لبعضهم، وصار تثنيته وجمعه له يدل على مراده، لأنه لما ذهب بالرجل إلى أن يكون مقصورًا على أضرابه أو قبيله الذي هو منه، صار مخصوصًا أو واقفًا على عدد، فصار يحتمل التثنية والجمع. فكأنّا إذا قلنا: نعم الرجلان الزيدان، قلنا: الزيدان محمودان في قبيلهما، وكل قبيل من القبيلين مخالف للآخر، ولو كان في وجه واحد، لأن تماثل شيئين كل واحد منهما للآخر من كل وجه، فاسد غير جائز.
وقد عرف من أصول اللغة وقول أصحابنا النحويين: أن أسماء الأجناس تثنى وتجمع إذا اختلفت، وقد حمل قوله تعالى:) بل يداهُ مبسوطتان (على أنه تثنية الجنس، كأنه جنسان من النعمة، نعمة الدنيا والآخرة، أو نعمة الدين والدنيا. ومن هذا القبيل قولهم: قلَّ رجل يقول ذاك، وأقل رجل يقول ذاك.
[ ٤١ ]
ألا ترى أنه ليس يجوز أن تريد واحدًا غير معين من القبيل بقولك رجل، لأن واحدًا لا يكون أقل من واحد عددًا، وليس قصد المتكلم بهذا إلى هذا الغرض، ولا أن يفيد أقل حقر وذل، لكن المراد: قل القائلون لذاك، أي: ما أحد يقول ذاك. فإذا كان الأمر على هذا فرجل يفيد الجنس، وليس سواه بمستغرق، بل هو على طريقة البدل، كأنه قال: قل القائلون لذاك إذا صاروا رجلًا رجلًا. ومعنى: قلّ رجل يقول ذاك، كمعنى: أقلّ رجل، وليس هنا موضع شرحه. والفصل بين الكلمتين أو التسوية إلاّ فيم ذكرناه من حال قولك: إن رجلًا واقع فيهما على حد واحد.
وقد تبين بما ذكرناه من حال قولك: درهمًا من عشرين درهمًا أن كل مميز في الموزون والممسوح والكيل، حاله حال هذا المميز به في المعدود، فاعلمه.
وليس كل ما يفيد الكثرة يفيد الاستغراق، وقد مضى بيان كل موضع من المواضع الذي تناوله كلامنا، فاعلمه.
وقد جاء ما يراد به الجنس مضافًا في كلامهم، فمن ذلك ما جاء في الحديث: ومنعت العراق درهمان وقفيزها، أي إخراجها وغلاتها. وقال الله ﷿:) وإن تعدُّوا نعمة الله لا تُحصوها (وروي عن ابن عباس ﵀ أنه قرأ:) وملائكته (، فإنه قال: كتابه أكثر من كتبه.
فأما ما يفيد الكثرة، ولفظه الواحد، وهي الأسماء المصوغة للجمع، فقد قسمته قسمين عند تفصيل الإجمال الذي صدر به هذا الكلام.
واعلم أن هذه الأسماء على اختلافها، لا تخلو من أحوال ثلاث: أما أن يكون الاسم منها صيغ للقليل خاصة، وأريد بالقليل أدنى العدد، وهي من الثلاثة إلى العشرة، كالنفر، والرهط، والذود، أو يراد به عدد معلوم، كقولهم: صِرْمة، وهجمة، وهُنيدة، وعرْج.
أو يراد به التكثير، وذلك: كقوم ونساء وكليب، وما جرى مجراه، وكل واحد من هذه الأنواع حكمه أن يفيد ما وضع له، فنقول: إن القائل إذا قال: مررت بنفر، أو رأيت رهطًا، أو جزت على ذَوْد، فكل عدد من الثلاثة إلى العشرة يمتُّ بماتَّة صاحبه في أن الاسم وضع له، وأنه يفيده إذا أفاده حقيقة.
فمتى اقترن به ما يخصصه ببعض ما وضع له، كان مفيدًا لذلك على الحقيقة، وإن أطلق إطلاقًا فأول هذه الأعداد متيقن، والباقي ينتهي إليه بدلالة، وإنما قلنا هذا لأن اللفظ صيغ للتقليل، فلما كان مصوغًا للتقليل وكان له فيما يتناوله آخر معلوم، كما أن له أولًا معلومًا، حكم على المتيقن منه هو الأول دون الأوسط، والآخر، لأن الكل لم يخرج عما وضع له الكلمة من التقليل.
وكان الأول متيقنًا، وما عداه ليس بمتيقن، والأخذ بالمتيقن أولى، وليس سبيل هذا سبيل الاسم الذي وضع لأشياء مختلفة، فلا يصرف إلى واحد منها إلاّ بدلالة. ألا ترى أنه ليس من شرط ما اشترك فيه عدة معان أن لا يوضع لواحد منها إلاّ وقد وضع للسائر، سواء حصل لها بواضع واحد أو بواضعين، وإن من شرط هذا تناول كل واحد من الأعداد التي يصلح لها بعد التواضع لواحد منها به لاشتراكها فيما وضع من أجله لذلك الواحد، فهذا سبيل هذه وأمثالها.
وأما إذا قال: مررت بهنيدة، وما يجري مجراها، ففائدته ما وضع له من العدد، لأن هنيدة اسم المائة وما داناها، والعرج اسم للخمس مائة والست مائة إلى الألف وكذلك ما يجري مجراه مما قصر به على عدد، أو على عدد وما يقاربه، وهذا أمره ظاهر.
فأما الجامل والباقر، والضَّئين، والكليب، ففائدته الكثرة، لأن هذه الأسماء وضعت للتكثير، فاعلمه. وكما ليس لها مبلغ تنتهي إليه، فليس لها ابتداء أيضًا. ولكن تتناول ما يكون كثيرًا ولا تختص بعدد، وإن كان كثيرًا إلاّ بدلالة.
وأما ما يفيد الكثرة ولفظه لفظ الجمع، فله أحكام، ونحن نبين القول فيه بما يحضر.
اعلم أن الجمع على ضربين: جمع سلامة، وجمع تكسير، فجمع السلامة هو الذي يسلم فيه لفظ الواحد، وله بناءان، أحدهما ما يكون بالواو والنون أو الياء والنون، والثاني: يكون بالألف والتاء.
وقال سيبويه: وهذا لفظه الجمع بالألف والتاء والواو والنون لتثليث أدنى العدد إلى تعشيره، وهو الواحد. كما صارت الألف والنون لتثنيته ومثناه أقل من مثلثه. ألا ترى أن جر التاء ونصبها سواء، وجر الاثنين والثلاثة الذين هم على التثنية ونصبهم سواء. فهذا يقرب أن الألف والتاء والواو والنون للأدنى لأنه وافق المثنى، انتهت الحكاية عنه.
[ ٤٢ ]
واعلم أن فيما حكيناه من كلامه استدلالًا على شيئين من مذهبه: أحدهما: أن أول الجمع عند الثلاثة، ألا ترى أنه قال: التثليث أدنى العدد، يعني التثليث أو الأعداد لما حكم على الواو والنون، والألف والتاء.
والثاني: أنه قد صرح بأن الألف والتاء، والواو والنون للأدنى من الأعداد، لأنه وافق المثنى، ويعني بالموافقة أن المثنى في موضع النصب والجر، كما أن الجمع السالم في موضع النصب والجر بالياء. وكما أن الجمع بالألف والتاء في موضع النصب والجر بالكسرة، والكسرة أخت الياء، فلما توافقت هذه الأبنية فيما ذكرناه، وكان الجمع السالم على حد التثنية في سلامة لفظ الواحد فيه، صار كما ارتقى من الواحد إلى التثنية في الإفادة، ارتقى من التثنية إلى الثلاثة في الإفادة، ثم صار حكمه حكم الثلاثة في أنه من أدنى العدد متَّ إليه بماتَّة الثلاثة فصلح للكل.
فتقول: يقتضي مذهبه أن الجمع بالواو والنون، والألف والتاء الأولى فيما يفيده أدنى العدد، وهو من الثلاثة إلى العشرة، ويصلح للكثير من حيث لم يتناول هذا البناء بالجمع ثانيًا. وليس نريد بقولنا: إنه يصلح له أنه إذا استعمل في الكثير كان مجازًا فيه، ولكن نريد أن الأولى به أدنى العدد ثم هو مستصلح للكثير أيضًا بالوضع. فمتى دلّ الدليل على أنه للكثير، صرف إليه.
ولا نقول: إنه مجاز فيه. والذي جعل حكم الأولى بأدنى العدد ما ذكره سيبويه من انبنائه على التثنية ومجيئه على حده، وموافقته له فيما ذكره. والذي سوغ أن يكون للكثير، ودل عليه، هو أن هذا البناء، أعني الجمع السالم لم يتناول بالجمع بناء كما تنوول الأبنية المصوغة لأدنى العدد، وهي أربعة: أفعال، وأفعلة، وأفعل، وفعلة، وكسرت تكسير الآحاد لمناسبتها لها في إفادتها القليل.
ألا ترى قولهم: أكرع وأكارع، وأبيات وأباييت وأنهم لا يفعلون ذلك بالجمع السالم، ومما يثبت ما ذكرناه ويؤيده أن الجمع السالم إذا صغِّر يصغر على لفظه، فنقول في مسلمين مسيلمون، وفي جعفرين جعيفرون، وفي مسلمات مسيلمات. كما أن ما وضع لأدنى العدد يصغر على لفظه وهي هذه الأبنية الأربعة.
وإنما صغرت على ألفاظها لأنها لما أفادت القليل أشبهت الواحد في إفادته لأدنى العدد على ألفاظها. والأبنية المفيدة للكثرة إذا صغرت ردت إلى أدنى عددها إن كان لها أدنى العدد، وإن لم يكن لها أدنى العدد ترد إلى واحدها فيصغر وتلحق فيه علامة الجمع. وإذا كان الأمر على هذا، تبين أن حكم مسلمات ومسلمون في أن الأولى به أدنى العدد، وحكم هذه الأبنية الأربعة سواء.
وإن كانت هذه الأبنية إذا استعملت في الكثير، كانت على طريق الاستعارة لأنهم كما يستعيرون الألفاظ يستعيرون البنى أيضًا.
وجمع السلامة، وإن كان الأولى به أدنى العدد فهو مستصلح للكثير أيضًا، مفيد له على الحقيقة إذا اقترنت به دلالة، فهذا حكم جمع السلامة. فإن قيل: إذا كان جمع السلامة وإن كان الأولى به أدنى العدد، قد وضع للكثير أيضًا، وينتهي به إليه إذا دلت الدلالة عليه، وذاك تغليب الأولى به لها، فلم أجري في التصغير على طريق ما وضع لأدنى العدد، وهو أنه يصغر على لفظه.
قيل له: إن الجمع الكثير متى لم يكن له أدنى العدد يرد إلى واحده، وإذا رد إلى واحده كان كجمع السلامة إذا صغر. ألا ترى أن مساجد إذا صغّرته قلت في تصغيره مسيجدات فهو على حد مسيلمات إذا صغرت مسلمات. وإذا كان كذلك فكأنهم في تصغيره على لفظه جمعوا له الحكمين جميعًا، أعني حكم أدنى العدد الذي يصغر على لفظه، وحكم الجمع الكثير إذا لم يكن له أدنى العدد فيرد إلى واحده من حيث كان موضوعًا لهما، أعني للقليل وللكثير. وإن كان متى تجرد كان الأولى به القليل للدلالة التي دلت، فقد حكي أن حسان بن ثابت لما أنشد النابغة كلمته التي فيها:
لنا الجفناتُ الغرُّ يلمعنَ بالضُّحى وأسيافنا يقطرنَ من نجدةٍ دما
عاب عليه قوله الجفنات، وقال له: لم قللت جفانك، فهذا يؤيد ما ذكرنا، فافهم.
وأما القسم الثاني وهو الجمع المكسر، فله بناءان: أحدهما للقليل، وقد تقدم ذكره.
والثاني للكثير، ويتفق في الأكثر أن يكون الشيء يحصل له البناءان جميعًا، ويتفق أيضًا أن يقصر على أحدهما ثم يستعمل إن كان للقليل في الكثير أيضًا، وإن كان للكثير في القليل أيضًا.
[ ٤٣ ]
ولما كان العدد عددين: عدد قليل، وعدد كثير، خص اسم العدد من الثلاثة إلى العشرة بأن يبنى بناء القليل فيضاف إليه دون بناء الكثير، لئلا يخرجوا عن التشاكل إلى التباين، فقيل: بُرْد وبردان، وثلاثة أبراد، وفلس وفلسان، وثلاثة أفلس، وجبل وجبلان، وثلاثة أجبال، وغلام وغلامان، وثلاثة غلمة، وغراب وغرابان، وثلاثة أغربة.
ولا يؤثر فيما له بناء القليل إذا أرادوا تبين العدد القليل استعمال بناء الكثير إلاّ في النادر، وأبنية الكثير أكثر من أن يتناوله العدّ إلاّ بعد تكلف، ثم لا يؤمن أن يسقط منه الكثير أيضًا، فلذلك لم أطَّلب حصرها.
واعلم أن الأبنية التي تفيد الكثرة، كالفُجَّار، والفسَّاق، والزُّناة، والغزاة، والبيوت، والمساجد، والغرف، والشرف، والغلمان، والسُّودان، والبيضان، وما جرى مجراها متى لم يقترن لها ما يخصصها بعدد بعينه، فحكمها حكم أسماء الأجناس.
إلاّ أن أسماء الأجناس ترتقي من الواحد، وهذه الأبنية ترتقي من الثلاثة. واتفاقهما في أن كل واحد منهما وضع لأن يتناول ذلك الذي يفيده بالغًا ما بلغ، ومتى لم يقترن به ما يخصصه فيجب أن يكون مفيدًا للكثرة، وكل ما استدل به في أسماء الأجناس يمكن أن يستدل بها في هذه الأبنية على أنها وضعت للكثرة والشمول.
ونقول أيضًا: إن جمع السلامة متى اقترن به ما يخرجه عما هو أولى به من إفادة القليل لحق بهذا أيضًا، لأنه وإن كان الأولى به إفادته القليل، فهو من حيث الوضع يتناول الكثير أيضًا، وقد مرت الدلالة على هذا. وإذا كان كذلك فقوله تعالى:) وهم في الغرفاتِ آمنون (بما اقترن به ما نبهنا على أنه يريد أدنى العدد، لحق في إفادته الكثرة باسم الجنس، وبما وضع للكثير وخص به.
وكذلك قوله تعالى:) إنَّ المسلمين والمسلمات (وكل ما يجري مجراه.
فإن قيل: لمَ زعمت أنه يجب تبين العدد القليل ببناء الجمع القليل وإضافته إليه، وهلا أضيف إلى بناء الكثير كما يضاف البعض إلى الكل.
قلت: إنما أضيف إلى بناء القليل لقلة العدد المعدود، ولو أضيف إلى بناء الكثير لم يحسن لسقوط الموافقة والمشاكلة من بينهما، ودخول التباعد والتباين في حدهما. ألا ترى أنك لو قلت: خمسة جمال أو سبعة بغال لكنت مقللًا بقولك: خمسة وسبعة ومكثرًا بقولك: جمال وبغال، وبينهما من التدافع ما لا يخفى. فإذا قلت: خمسة أجمال وسبعة أبغل تشاكل العدد والمبين له، وتعاونا فيما يفيد أنه من القلة واستدل كل واحد من المضاف والمضاف إليه على حال صاحبه.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى:) والمطلّقات يتربصنَ بأنفسهنَّ ثلاثة قروء (، فعدل عن أقراء وهو لأدنى العدد إلى قروء وهو الكثير، وأنت زعمت أن ذلك لا يؤثر ولا يحسن.
فالجواب: أن أقراء لم يروه سيبويه، وواحده قرْء بفتح القاف، وقياس فعْل أن يكون على أفعُل وإن أثبتناه لما ورد في الخبر من قوله: أيام أقراء، بل هو مما شذ عن القياس، وإن ورد في الاستعمال كاستحوذ. فكما لا يجوز القياس على استحوذ فكذلك لا يجوز للقياس على ثلاثة قروء. وقد رد أصحابنا هذا التأويل إلى ما عليه، ونظروا فقالوا: تقديره ثلاثة أقراء من القروء.
وطريقة أخرى: وهو أنه لما كان بناء الكثير أكثر في الاستعمال وأشهر من بناء القليل بدلالة أن مثل سيبويه لم يجعل في جمع قَرْء غير قروء وصار في حكم ما لم يجيء فيه غير بناء الكثير، فكما قيل: ثلاثة رجال، وأربعة مساجد قيل: ثلاثة قروء إذا كان أقراء في حكم ما لم يجيء لقلته. ومما يكشف قبح إضافة القليل إلى الكثير وخروجه عن الملاءة إلى التدافع أنهم لم يحقروا أبنية الكثرة على ألفاظها من حيث كان التحقير تقليلًا.
وهذه الأبنية للتكثير، فكما رفضوا ذلك لزوال التشاكل منهما وحصول التباين فيهما، فكذلك يجب أن نرفض ما أنكرناه، وهذا بيِّن.
ومن تأمل هذه المواضع اتضح له أغراضهم في هذه الأبنية، وصحة ما بيناه في جميعها إن شاء الله.
[ ٤٤ ]
واعلم أن ما يفيد الشمول في النفي خاصة ولا يستعمل في الإثبات، إنما هو في عدة أبواب منه، كأنها خصصت به لكثرة البلوى بها إذا كانوا يضيعون ما يضيعون بحسب الحاجة إليه، ولم يستعمل في الإثبات، لأن ما يفيد الشمول مثله على حده لا يصح في الإثبات، إذا كانت هنا الحكاية لم تجر به، وقد بينا ذلك. فمنها ما يتكلم به في نفي الناس نحو: ما بها دُعْويّ، وما بها تامور، وما بها شفر. ومنها ما هو في نفي المال نحو: ما له سم ولا خم، وما له قُذَعْملة. ومنها ما ينفي به الطعام نحو: ما ذقت علوسا. ومنها ما ينفي به النوم نحو: ما ذقت غِماضًا ولا حثاثًا. ومنها ما ينفي به الأوجاع نحو: ما به وَذِيَّة. ومنها ما ينفي به الحلي نحو: ما عليها خضاض. وهذه على اختلافها وأمثالها لا يستعمل شيء منها في الإثبات، وهي تفيد نفي قليل ما وضع له وكثيره، فافهم ذلك واعلمه، إن شاء الله.