ذكر الخليل أنه لم يوجد في كلامهم على وزن مفعولاء إلاّ ثلاثة أحرف: معْيوراء، وهي الأعيار، ومَشْيوخاء، للشيوخ، ومعْلوجاء للعلوج، وقد جاء: المعْبوداء، جمع العبد، والمَكْبوراء: جمع الكبير، والمغفوراء جمع الغفور، والمَصْغوراء جمع الصغير، والمَأتوناء جمع الأتان، والمَتْيوساء جمع التَّيْس، والمبغولاء جمع البغل، والمَشْيوحاء: الأرض التي تنبت الشيح، ويقال أيضًا: هم في مشيوحاء من أمرهم، أي في أمر يبتدرونه، وهم في مرموثاء من أمرهم، أي في اختلاط، ويقال: رمث أمرهم، وكذلك هم في مرْجوساء من أمرهم، بمعناه، والمَفْيولاء أولاد الفيل، وأرض مسلوماء، كثير السَّلَم.
مسألة
سأل بعضهم عن قول العرب: ما أُبالي بكذا من أي شيء أخذ، وما معناه؟ والجواب: أنه يجوز أن يكون أفاعل من البلاء، مثل: أضارب من الضرب، والمعنى أنه ليس من النِعَم التي يفاخر بها، ثم أُتُسِع فيه فقيل في كل موضع، وقد تتعدى اللفظة باستعمال ما وضعت له في الأصل إلى غيره، ألا ترى أن قولهم: تعالى، هو تفاعل من العلو، وأنه كان يقوله من كان في رابية أو على جبل لمن كان في حضيض، أو في قرارة أرض، فانتقل بكثرة التداول له واستمرار الاستعمال به حتَّى صار يقوله المُسْتَفِل، وحتى وضع موضع: صِرْ إليَّ، وأقبل نحوي، وعلى هذا يفسر قول الشاعر:
مالي أراكَ دائبا تُبالي وأنتَ قد متَّ من الهُزالِ
[ ١٤ ]
أي لم يغالب غيرك بتعداد ما كان منك من البلاء الحسن، وأنت من سوء الحال مشارف التلف، ويقوى هذه الطريقة أنه يقال في معناه: ما احتُفل بكذا، فاحتُفل من الحفل، كما أن أبالي من البلاء. وقال بعضهم: إن معنى قولهم لم أبالَ به: لم أخطره ببالي، والبال: الخَلَد، وجه هذا القول أن يكون بالي مقلوبًا، لأن البال عينه معتل، وزعم أنه يشهد له ما جاء في المثل: ما إباليه بالة، وما جاء في المأثور عن بعضهم في صفة قوم: لا يباليهم الله بالة، وقول سويد بن أبي كاهل:
عنا لكَ لا أبالي الناسَ بالًا أشتَّى بعدُ كانوا أو جميعًا
وهذا الوجه يضعف لأن سيبويه ذكر أن بالة وزنه بالية، وأنه مصدر كالعافية، والعاقبة، فحذفت لامه تخفيفًا، ومثله قولهم: الحانة، ألا ترى أنه يقال في جمعه الحواني، كما قيل في جارية: الجواري، وأن النسبة إليه حانوى، وأنشد:
وكيفَ لنا بالشُّربِ إن لم تكنْ لنا دوانيقُ عند الحانويّ ولا نقْدُ
وإذا كان الأمر في قولهم بالة، على ما ذكر سيبويه، فإن بالى جاء على أصله لا قلب فيه ولا تغيير، فأما قولهم: لا ألقي له بالًا، فهو كما يقال: ما ألقي له سمعًا، أي لا أستمع إليه، ويجب أن يكون أخذ من البال الخلد، قال الله تعالى:) إنَّ في ذلك لَذِكرى لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد (. وقال الأصمعي في الأمثال: ما ألقي لذلك بالًا أي لا له ولا أتحفَّظ به، والبال: الحال ههنا، كما يقال: أصلح الله بالكم.